نبض أرقام
07:38 م
توقيت مكة المكرمة

2026/03/09
2026/03/08

من يربح من عدم اليقين؟ قراءة في اقتصاد الأزمات

07:57 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

هجوم مباغت نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف داخل إيران، كان كفيلًا أن يحول الأسواق التي كانت تسير بوتيرة معتادة إلى حالة من الصدمة والاضطراب في لحظة واحدة.

 

ورغم أن الولايات المتحدة اختارت الساعات الأولى للنهار من يوم السبت، وهي فترة تكون فيها الأسواق المالية العالمية مغلقة، لتنفيذ الضربة، فإن رد فعل الأسواق لم يتأخر طويلًا.

 

 

فمع افتتاح التداولات اللاحقة، بدأ المستثمرون سريعًا في إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، وارتفعت أسعار النفط وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات في منطقة الخليج، بينما اتجهت الأموال إلى الذهب باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات التوترات الدولية.

 

وعادة ما تُثير فترات التوترات الجيوسياسية أو الاضطرابات المالية أو الصدمات الاقتصادية موجات من القلق في الأسواق العالمية حيث يصبح المستثمرون أكثر حذرًا، وتسارع الحكومات إلى محاولة تثبيت اقتصاداتها، بينما تواجه الشركات حالة من الضبابية.

 

ومع ذلك، فإن التاريخ الاقتصادي يظهر مرارًا أن الأزمات لا تؤثر على جميع الأطراف في السوق بالطريقة نفسها.

 

ففي حين تتعرض بعض القطاعات لخسائر كبيرة، تزدهر قطاعات أخرى تحديدًا بسبب حالة عدم اليقين التي تعيد توجيه تدفقات رأس المال وتغيّر أنماط الطلب على السلع وتبدّل نظرة المستثمرين للمخاطر.

 

وخلال فترات الاضطراب، مثل الوضع الحالي في الشرق الأوسط، يميل المستثمرون إلى الابتعاد عن الأصول عالية المخاطر والتوجه نحو الأصول الآمنة أو القطاعات الدفاعية أو الصناعات الاستراتيجية.

 

ويُطلق الاقتصاديون على هذه الظاهرة غالبًا اسم “الهروب إلى الأمان”، حيث تنتقل رؤوس الأموال إلى الأصول التي يُنظر إليها على أنها مخزن مستقر للقيمة.

 

وغالبًا ما يؤدي هذا التحول إلى تحقيق أرباح كبيرة لقطاعات محددة، مثل منتجي السلع الأساسية وشركات الطاقة والمستثمرين القادرين على الاستفادة من تقلبات الأسواق.

 

وأظهرت أزمات عالمية سابقة مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة كورونا عام 2020، والتوترات الجيوسياسية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، كيف يمكن لحالة عدم اليقين أن تخلق فرصًا في قطاعات معينة من الاقتصاد.

 

لذلك فإن فهم الجهات التي تستفيد من عدم اليقين يعد عنصرًا أساسيًا لفهم ديناميكيات اقتصاد الأزمات.

 

الذهب والهروب إلى الأمان

 

يُعد الذهب تاريخيًا أحد أبرز المستفيدين من حالات عدم اليقين الاقتصادي.

 

فعندما يفقد المستثمرون الثقة في الأسواق المالية أو العملات أو الاستقرار الاقتصادي للحكومات، غالبًا ما يتجهون إلى الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة، فهو لا يعتمد على أرباح الشركات أو الاستقرار المالي للدول، ما يجعله أكثر جاذبية خلال الأزمات.

 

 

ورغم أن أسعار الذهب أنهت تعاملات الجمعة الماضية عند نحو 5158 دولارًا للأوقية مقابل 5230 دولارًا في الأسبوع السابق، فإن حركة المعدن الأصفر خلال الأزمات عادة ما تعكس اندفاع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية في 2008.

 

فمع انهيار بنوك كبرى وتراجع الأسواق المالية حول العالم، ارتفعت أسعار الذهب بشكل كبير.

 

ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي، ارتفع سعر الذهب من نحو 869 دولارًا أمريكيًا للأوقية في يناير 2008 إلى أكثر من 1900 دولار للأوقية في سبتمبر 2011، وهو أعلى مستوى له آنذاك.

 

وكان هذا الارتفاع نتيجة مباشرة لبحث المستثمرين عن الحماية من الاضطرابات المالية ومن السياسات النقدية التوسعية التي اتبعتها البنوك المركزية، مثل برامج التيسير الكمي.

 

وتكرر المشهد خلال جائحة كورونا، فمع انهيار الأسواق في بداية عام 2020 وفرض الإغلاقات في العديد من الاقتصادات الكبرى، اتجه المستثمرون مرة أخرى إلى الأصول الآمنة.

 

وبلغ الذهب مستوى قياسيًا جديدًا في أغسطس 2020 عندما وصل إلى نحو 2075 دولارًا للأوقية، بحسب بيانات الأسواق العالمية وتقارير مجلس الذهب العالمي. وقد عكس هذا الارتفاع المخاوف من الركود الاقتصادي وتراجع قيمة العملات نتيجة السياسات المالية والنقدية الضخمة التي اتخذتها الحكومات.

 

ولم يقتصر الإقبال على الذهب على المستثمرين فقط، بل امتد إلى البنوك المركزية أيضًا حيث أفاد مجلس الذهب العالمي بأن البنوك المركزية اشترت أكثر من 1000 طن من الذهب خلال عام 2022، وهو أعلى مستوى من مشتريات البنوك المركزية في عام واحد على الإطلاق.

 

ويعكس ذلك توجه الدول إلى تعزيز احتياطاتها من الأصول الآمنة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.

 

وبالنسبة لشركات تعدين الذهب، فإن مثل هذه الفترات غالبًا ما تتحول إلى فرص لتحقيق أرباح كبيرة.

 

فعلى سبيل المثال، سجلت شركة نيو مونت كوربوريشن، إحدى أكبر شركات تعدين الذهب في العالم، إيرادات تجاوزت 11.9 مليار دولار في عام 2022، مستفيدة جزئيًا من ارتفاع أسعار الذهب عالميًا.

 

أسواق الطاقة.. أرباح الأزمات وصدمات الإمدادات

 

انعكست التطورات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط بسرعة على أسواق النفط العالمية، فمع تصاعد التوتر بعد الضربات التي استهدفت إيران، ارتفعت أسعار الخام بشكل حاد وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات في منطقة الخليج، إحدى أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم.

 

 

وفي بداية تعاملات يوم الاثنين، قفز سعر برميل النفط فوق مستوى 100 دولار أمريكي لأول مرة منذ يوليو 2022، وسجل خام برنت في الساعات الأولى من تعاملات اليوم 111.04 دولار أمريكيًا للبرميل مرتفعًا بنحو 20% عن تعاملات يوم الجمعة الماضي.

 

في حين بلغ خام غرب تكساس الوسيط حوالي 107.93دولار للبرميل، مسجلًا مكاسب بأكثر من 16% مقارنة بتعاملات نهاية الأسبوع الماضي، وبذلك صعدت أسعار النفط بأكثر من 26% منذ بداية الصراع العسكري، بحسب بيانات رويترز.

 

ويعكس هذا الارتفاع السريع حساسية أسواق الطاقة للتوترات الجيوسياسية، خصوصًا في ظل المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط العالمية.

 

ودفعت هذه التطورات بعض البنوك الاستثمارية مثل غولدمان ساكس وباركليز إلى التحذير من أن أسعار النفط ربما تصل إلى 120 دولارًا إذا استمرت التوترات أو اتسع نطاق الصراع في المنطقة.

 

كما يعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 أحد أبرز الأمثلة الحديثة على ذلك، حيث تعد روسيا من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم، وقد أثارت الحرب مخاوف كبيرة بشأن نقص الإمدادات العالمية.

 

ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، حيث وصل سعر خام برنت إلى نحو 128 دولارًا للبرميل في مارس 2022، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2008.

 

وقد انعكست هذه الارتفاعات في أسعار الطاقة على أرباح شركات النفط الكبرى، فقد سجلت شركة إكسون موبيل، أكبر شركة نفط أمريكية، أرباحًا صافية بلغت 55.7 مليار دولار في عام 2022، وهو أعلى مستوى سنوي في تاريخ الشركة.

 

كما أعلنت شركة شل عن أرباح بلغت نحو 39.9 مليار دولار في العام نفسه، وهو رقم قياسي أيضًا.

 

كما استفادت شركات تجارة الطاقة من هذه التقلبات الكبيرة في الأسعار، فقد حققت شركات تجارة السلع العالمية مثل شركتي فيتول وترافيجورا أرباحًا قياسية خلال أزمة الطاقة.

 

فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة فيتول تحقيق أرباح تقارب 15 مليار دولار في عام 2022، مستفيدة من التقلبات الكبيرة في أسواق النفط والغاز.

 

تجار السلع وتقلبات الأسواق

 

إلى جانب الذهب والطاقة، تخلق الأزمات العالمية فرصًا كبيرة لتجار السلع والمستثمرين المتخصصين في الاستفادة من تقلبات الأسواق.

 

فالسلع الزراعية والمعادن الصناعية غالبًا ما تشهد تحركات حادة في الأسعار عندما تتعرض سلاسل الإمداد العالمية للاضطراب.

 

 

وتُعد الحرب في أوكرانيا مثالًا واضحًا على ذلك. فقبل اندلاع الحرب، كانت روسيا وأوكرانيا تمثلان معًا نحو 28% من صادرات القمح العالمية، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

 

ومع تعطل الشحنات من موانئ البحر الأسود في عام 2022، ارتفعت أسعار القمح عالميًا بشكل كبير. فقد قفزت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو إلى نحو 12.94 دولارًا أمريكيًا للبوشل في مارس 2022، وهو أعلى مستوى لها منذ نحو 14 عامًا.

 

وقد استفادت شركات تجارة السلع من هذه التقلبات الحادة في الأسعار، إذ تعتمد هذه الشركات على شبكات لوجستية عالمية وقدرات تخزين ونقل تمكنها من تحقيق أرباح من فروقات الأسعار بين الأسواق المختلفة.

 

ومن أبرز المستفيدين كانت شركة جلينكور، إحدى أكبر شركات تجارة وتعدين السلع في العالم، والتي أعلنت تحقيق أرباح تشغيلية معدلة بلغت نحو 34.1 مليار دولار في عام 2022، مدفوعة بارتفاع أسعار السلع وأداء قوي في أنشطة التداول.

 

كما أن التقلبات في حد ذاتها فرص استثمارية، فصناديق التحوط المتخصصة في السلع أو الاستراتيجيات الاقتصادية الكلية غالبًا ما تحقق مكاسب كبيرة خلال فترات عدم الاستقرار، حيث تتيح التحركات الحادة في الأسعار فرصًا للمضاربة أو التحوط عبر العقود الآجلة.

 

وتوضح هذه الظاهرة حقيقة أساسية في اقتصاد الأزمات: فالتقلبات لا تخلق المخاطر فقط، بل تخلق أيضًا فرصًا للربح.

 

وبهذا المعنى، لا تمثل الأزمات مجرد صدمات اقتصادية، بل تشكل أيضًا آلية قوية لإعادة توزيع رأس المال داخل الاقتصاد العالمي، لذلك فإن فهم من يربح من عدم اليقين يمنحنا نظرة أعمق إلى كيفية عمل الأسواق الحديثة في أوقات الأزمات.

 

المصادر: أرقام- مجلس الذهب العالمي- وكالة الطاقة الدولية- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)- إكسون موبيل- شل- جلينكور- نيو مونت كوربوريشن- بورصة شيكاغو التجارية- رويترز- بلومبرج- فايننشال تايمز

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.