نبض أرقام
04:20 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/16
2026/01/15

ومن الذكاء ما قتل
أرقام - خاص
22:23

اختبار المارشميلو: هل تملك أعصاب المستثمر؟

08:56 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

إذا أكلت القطعة الآن فلن تحصل على غيرها، ولكن إذا انتظرت حتى أعود فسأعطيك قطعة ثانية".. هذا ما أخبره الباحث الشهير في علم النفس "والتر ميشيل"  لعدد من الأطفال، كلّ واحد على حدة، لكي يختبر مدى قدرتهم على الصبر ومقاومة "الإغراءات الحالية" لصالح تحقيق مزيد من المكاسب.

 

وخلت الغرفة من أي شيء يمكن أن يشغل به الطفل وقته (فلا توجد ألعاب ولا أشخاص آخرون)، بل كان الطفل وقطعة الحلوى الموضوعة أمامه فقط، وكانت أعمار الأطفال في التجربة صغيرة، بين 4 و5 سنوات، في تجربة عُرفت لاحقًا بـ"اختبار المارشميلو" (نوع من الحلوى).

 

 

"قوة الإرادة" في الاستثمار

 

وبعد منح الطفل الخيارين، يغادر الباحث الغرفة، ليراقب الطفل من خلف مرآة تسمح له برؤية الطفل دون أن يراه الأخير، وينتظر من 15 إلى 20 دقيقة قبل العودة مجددًا ليمنح الأطفال الذين لم يأكلوا الحلوى قطعة أخرى، ويخبر الذين أكلوها أنهم لن يحصلوا إلا على التي أكلوها بالفعل.

 

ومع مراقبة سلوك الأطفال من خلف المرآة، ظهرت استراتيجيات متنوعة استخدمها الأطفال الذين نجحوا في الانتظار، إذ حاول بعضهم تغطية أعينهم كي لا يروا الحلوى، أو الغناء بصوت مرتفع لتشتيت انتباههم، بينما ذهب آخرون إلى ركل الطاولة أو شد شعورهم محاولةً لمقاومة الإغراء.

 

واستخلص العلماء أن النجاح في الاختبار لم يعتمد على "قوة الإرادة" المجردة فحسب، بل على قدرة الطفل على تحويل انتباهه عما يُسمى "الخصائص الساخنة" للمثير (مثل طعم ورائحة الحلوى) إلى "الخصائص الباردة"، أو التفكير في المكافأة المؤجلة، حيث أطلق ميشيل على هذه العملية اسم "التحول الاستراتيجي للانتباه".

 

ولا تقتصر المكاسب على الأطفال والحلوى فقط، بل تبرز لغة الأرقام في عالم الاستثمار بوصفها دليلًا على جدوى تأجيل الإشباع، وتجنب ما يُعرف بـ"التحيز للحاضر"، أو الرغبة الدائمة في الحصول على المزايا بالشكل الآني.

فالمقارنة بين المستثمر الصبور والمضارب المتعجل تُظهر فروقًا كبيرة في النتائج المالية النهائية، فإذا وضع مستثمر مبلغ 1,000 دولار في شركة "كوكاكولا" عام 1988، فإننا سنجد أن قيمته بنهاية عام 2025 تجاوزت 36,000 دولار، فضلًا عما حصده من توزيعات أرباح على مدار سنوات طويلة.

 

 

ولم يكن هذا العائد الكبير إلا بفضل "الصبر" على تقلبات السوق والحصول على توزيعات أرباح تراكمية، حيث بلغ العائد الإجمالي أكثر من 3,500%، بينما المضارب الذي استعجل "أكل قطعة الحلوى" وباع أسهمه عند أول ربح بسيط بنسبة 20% يكون قد فوّت على نفسه ثروة تضاعفت عشرات المرات، بل وربما خسر بعضهم إذا باع بدافع الخوف بعد انخفاض مؤقت لقيمة السهم.

 

قوة العائد المركب

 

فالصبر والاستثمار المستقر، بدلًا من الانحياز للحاضر، يجعل "قوة العائد المركب" تعمل في صالح المتداول، إذ إن المستثمر الذي يلتزم باستثمار 500 ريال شهريًا بنمو سنوي متوسط قدره 10% سيجد أن محفظته بعد 30 عامًا قد نمت لتصل إلى حوالي 1.1 مليون ريال.

 

والملاحظ هنا أن حوالي 50% من هذا المبلغ (نحو نصف مليون ريال) يتكوّن فقط في آخر 7 سنوات من فترة الاستثمار، إذ إن الفائدة الحقيقية تظهر في مرحلة متأخرة، حيث تبدأ الأرباح المتراكمة بتوليد أرباح جديدة ضخمة تفوق أصل المبلغ المستثمر بكثير، مما يجعل الانسحاب المبكر خسارة فادحة لا يمكن تعويضها بالمضاربات.

 

على الجانب الآخر، تكشف الإحصاءات أن المضاربين الذين يحاولون "توقيت السوق" بدلًا من "قضاء الوقت فيه" غالبًا ما يتعرضون لخسائر حقيقية، إذ تشير الدراسات إلى أن ضياع أفضل 10 أيام أداءً في السوق خلال عقد من الزمن قد يؤدي إلى انخفاض العائد الإجمالي للمحفظة بنسبة تصل إلى 50%.

 

ولذا فإن محاولة الحصول على "الحلوى" سريعًا عبر البيع والشراء المتكرر ترفع من تكاليف العمولات والضرائب، وتزيد من احتمالية ارتكاب الأخطاء، كما أن الإشباع الفوري في التداول غالبًا ما ينتهي بخسارة رأس المال أو جزء منه.

 

ويمكن تشبيه الرغبة في تحقيق الربح الآني بتأثير الوجبات السريعة على الجسم، فالأخيرة تعطي إشباعًا سريعًا للغاية، بل تسهم في إفراز "الدوبامين"، لكنها تتسبب لاحقًا في أمراض مثل السمنة والسكري وغير ذلك.

 

ويتجسد هذا التشبيه بوضوح في سلوك المستثمرين الأفراد الذين يفرطون في التداول، حيث يحقق الأكثر نشاطًا منهم عوائد أدنى من السوق بنسبة تصل إلى 11.4%، مقابل 17.9% للمؤشر العام، في مقابل تفوق كاسح للمستثمرين الأشد صبرًا.

 

 

ولذا فإن التداول المكثف يستنزف الثروة عبر العمولات والقرارات اللحظية، فعلى سبيل المثال، تكشف دراسة للسوق التايواني أن أكثر من 80% من المتداولين اليوميين خسروا نسبة كبيرة من أموالهم خلال 6 أشهر من التداول المكثف.

 

نماذج ناجحة

 

وتلعب منصات الوساطة دورًا في تعزيز هذا الإشباع السريع عبر نموذج "الدفع مقابل تدفق الأوامر"، حيث تُحفز المستخدمين على زيادة وتيرة العمليات لتحقيق أرباح من وراء التداول المتكرر والمكثف.

 

ولذا، فإن تسويق ما يُعرف بـ"العمولة الصفرية" للسماسرة قد يكون فخًا يشجع على تكرار أوامر الشراء والبيع، إذ إن الربح الحقيقي للوسيط يأتي من نشاط المتداول المستمر، ويزداد هذا الأمر مع تطبيقات التداول التي تخلق استنزافًا خفيًا للعوائد يشبه تمامًا إغراءات الوجبات السريعة.

 

والشاهد أن هناك الكثير من قصص النجاح التي تؤكد أن من تجنبوا إغراء "تحيز الحاضر" تمكنوا من تحقيق نجاحات كبيرة، وذلك حتى لدى غير المتداولين الكبار أو المشاهير.

 

ومن هذه القصص ما حققته "تيريزا زانغ" من نجاح استثماري كبير، إذ كانت تعمل في مجال التعليم، وبدأت الاستثمار في صناديق تقاعد، بالإضافة إلى حسابات وساطة تقليدية، ووضعت أهدافًا سنوية لزيادة صافي ثروتها بنسبة 15%، حتى وصلت إلى 1.1 مليون دولار وتقاعدت في سن 38 بعد 10 سنوات من الالتزام.

 

ويمثل مهندس البرمجيات "جوناثان مينديز" نموذجًا أيضًا لتجنب الإشباع الحالي لصالح تحقيق الإنجازات مستقبلًا، إذ كان يخصص 70% من دخله للاستثمار ويعيش في شقة صغيرة مشتركة.

 

وتمكن "مينديز"، الذي استثمر في شركات نمو كبرى وصناديق مؤشرات، من الوصول إلى محفظة بقيمة 1.8 مليون دولار في سن 33، مما سمح له بالتقاعد المبكر. أما "إيمي تشين"، المعلمة التي لم يتجاوز دخلها 50,000 دولار سنويًا، فقد راكمت ثروة قدرها 1.05 مليون دولار بعد أن وظفت 40% من دخلها في الاستثمار.

 

وأهم شيء لتلافي تحيز الحاضر هو تجنب المتابعة المستمرة والدائمة لشاشات سوق الأسهم، فالدراسات تثبت أن الذين ينقادون إلى موجات البيع والشراء سريعًا (أي في غضون 3 أيام من الشهر) تتراوح نسبتهم بين 40 و60%، وأن السبب الرئيسي وراء ذلك هو بقاؤهم محدّقين في الشاشات بشكل دائم.

 

 

كما أن من أساليب الحد من التحيز للحاضر "تخيل" مكاسب المستقبل و"الصبر"، ويمكن أيضًا إعداد ميزانية صغيرة لا تتجاوز 5% من ميزانية المستثمر للمتابعة المستمرة أو "المغامرة"، أو حتى القيام بذلك بشكل افتراضي عبر تطبيقات التداول بأموال غير حقيقية أو حسابات تدريبية.

 

وبالعودة إلى تجربة "المارشميلو"، فقد استمرت متابعة الأطفال الذين خضعوا لاختبار الحلوى لمدة أربعين عامًا كاملة، ولوحظ أن أولئك الذين تمكنوا من مقاومة "إغراء" أكل قطعة الحلوى وانتظروا الحصول على أخرى حققوا نجاحات أكبر في حياتهم عمومًا.

 

ولا شك أن تأجيل الإشباع في سوق الأسهم أيضًا هو الوسيلة لتحقيق نجاح أكبر وتراكم للثروات، ليحصد المتداول ما هو أكبر كثيرًا من مجرد قطعة الحلوى الثانية.

 

المصادر: أرقام- دراسة "Trading Is Hazardous to Your Wealth:

The Common Stock Investment Performance

of Individual Investors"- دراسة "Do Individual Day Traders Make Money?"- بيزنيس إنسايدر- فوربس

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.