وفي صناعة تُدار بالدقائق، يصبح الوقت عملة بحد ذاته، فكل تأخير في الإقلاع أو الوصول لا يعني فقط انزعاج المسافرين، بل ينعكس على إشغال البوابات، وجدولة الطواقم، وحركة الطائرات التالية، ما يحوّل خللًا زمنيًا بسيطًا إلى عبء مالي متراكم داخل المطار.
وتزداد أهمية هذه المعادلة عند النظر إلى حجم العمليات العالمية، ففي العام الماضي وحده، شهد قطاع الطيران تنفيذ نحو 38.9 مليون رحلة جوية دولية، وفق تقديرات تقرير "مراجعة الالتزام بالمواعيد 2025" الصادر عن شركة سيريوم.
هذا الرقم الضخم يعني أن أي تحسن أو تراجع ولو بنسبة ضئيلة في الالتزام بالمواعيد، يمكن أن يترجم إلى فروق مالية بملايين الدولارات على مستوى المطارات.
في هذا السياق، لم يعد الالتزام بالمواعيد مجرد مؤشر تشغيلي أو أداة لتقييم الأداء الفني، بل هو تحوّل إلى عنصر اقتصادي استراتيجي، قد يحدد قدرة المطار على جذب شركات الطيران، وتعظيم الإيرادات التجارية، وتقليص التكاليف الخفية.

ومن هنا يبرز التحدي المحوري، وهو قدرة المطارات على تحويل الدقة الزمنية إلى ربح مالي ملموس.
فقطاع الطيران تطوّر ليصبح أحد أكثر الأنشطة اللوجستية تعقيدًا في العالم، إذ يشمل ملايين المسافرين، وعشرات الآلاف من الرحلات يوميًا، وتنسيقًا دقيقًا بين شركات الطيران والمطارات وأنظمة مراقبة الحركة الجوية.
وفي هذا الإطار، أصبح الالتزام بالمواعيد -الذي يُعرّف عادة بوصول أو مغادرة الرحلات خلال 15 دقيقة من موعدها المجدول- مؤشرًا رئيسيًا للأداء، لا يقتصر على شركات الطيران فحسب، بل يشمل المطارات أيضًا.
كلفة التأخيرات والقيمة الاقتصادية للالتزام بالمواعيد
تحمل التأخيرات في قطاع الطيران تكاليف اقتصادية كبيرة لا تقتصر على شركات الطيران أو المسافرين فقط، بل تمتد إلى المطارات والاقتصاد الكلي.
وتشير دراسات مستقلة إلى أن التأخيرات الجوية تكلف الاقتصاد العالمي عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.
ووفقًا لأبحاث أكاديمية استشهدت بها جمعية أبحاث النقل الجوي، فإن التأخيرات في المطارات وشركات الطيران تسهم في خسائر اقتصادية عالمية تُقدّر بنحو 75.5 مليار دولار أمريكي سنويًا، نتيجة ضياع الوقت، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتعطل سلاسل الإمداد.

ومن منظور المطارات، تؤدي التأخيرات المتكررة إلى تقليص جاذبيتها لشركات الطيران، إذ تعتمد شركات الطيران في قراراتها المتعلقة باختيار المحاور الجوية والتوسع التشغيلي على مستوى الموثوقية بنفس قدر اعتمادها على حجم الطلب.
وعندما تتكرر التأخيرات، يزداد استياء المسافرين، ما يدفع شركات الطيران إلى إعادة توزيع رحلاتها نحو مطارات أكثر انتظامًا، وهو ما ينعكس سلبًا على إيرادات رسوم الهبوط والخدمات الأرضية.
|
أكبر المطارات في العالم حسب عدد الركاب (إجمالي الركاب لعام 2024): |
|||
|
الترتيب |
المطار |
المدينة/ الدولة |
عدد الركاب (بالمليون شخص) |
|
1 |
مطار هارتسفيلد‑ جاكسون أتلانتا الدولي |
أتلانتا، الولايات المتحدة |
108.1 |
|
2 |
مطار دبي الدولي |
دبي، الإمارات |
92.3 |
|
3 |
مطار دالاس فورت وورث الدولي |
دالاس/فورت وورث، الولايات المتحدة |
87.8 |
|
4 |
مطار طوكيو هانيدا |
طوكيو، اليابان |
85.0 |
|
5 |
مطار هيثرو |
لندن، المملكة المتحدة |
83.9 |
على الجانب الآخر تُظهر الأبحاث أيضًا أن المسافرين يولون أهمية كبيرة للالتزام بالمواعيد، فكلما كانت الرحلات أكثر انتظامًا، زادت احتمالات اختيار المسافرين — واستعدادهم لدفع تكلفة أعلى — لاستخدام مطارات وشركات طيران تتمتع بسجل جيد في هذا الجانب.
وتشير دراسة اقتصادية منشورة عبر منصة ساينس دايركت إلى أن المستهلكين مستعدون لدفع أسعار أعلى مقابل مستوى أفضل من الالتزام بالمواعيد.
ويعني هذا أن المطارات التي تدعم التشغيل المنتظم تستفيد بشكل غير مباشر من جذب مسافرين ذوي عائد أعلى، وبالتالي تحفيز الإنفاق داخل مرافق المطار.
كما يسهم الالتزام بالمواعيد أيضًا في تقليص التكاليف التشغيلية للمطارات، فالتأخيرات غالبًا ما تؤدي إلى زيادة زمن إشغال البوابات، والعمل الإضافي للموظفين، وارتفاع استهلاك الطاقة، وتكدس العمليات الأرضية.
وعندما تنخفض معدلات التأخير، تتحسن كفاءة استخدام الموارد، وهو ما ينعكس إيجابًا على النتائج المالية، حتى وإن لم يكن ظاهرًا للمسافرين.
وبالتالي، من منظور اقتصادي بحت، لا يُعد الالتزام بالمواعيد مجرد مؤشر خدمي، بل يعد عاملًا مرتبطًا مباشرة بتجنب الخسائر وتعظيم الكفاءة.
كيف يدعم الالتزام بالمواعيد إيرادات المطارات؟
لفهم العلاقة بين الالتزام بالمواعيد والربحية، يجب تحليل تأثير هذا العامل على مصادر الإيرادات الرئيسية للمطارات، سواء الجوية أو غير الجوية.
فالمعروف أن الإيرادات الجوية للمطارات -مثل رسوم الهبوط، واستخدام البوابات، ورسوم خدمات المسافرين- تعتمد على حجم العمليات وعدد الركاب، وتُعد المطارات ذات الأداء المرتفع في الالتزام بالمواعيد أكثر جذبًا لشركات الطيران الباحثة عن بيئة تشغيلية مستقرة.
ويُظهر تقرير سيريوم أن مطار سانتياغو أرتورو ميرينو بينيتيز الدولي في تشيلي كان أفضل مطار كبير في العالم من حيث الالتزام بالمواعيد خلال عام 2025، محققًا نسبة 87.04% عبر أكثر من 153 ألف رحلة.
ومثل هذا الأداء يساعد في الحفاظ على ثقة شركات الطيران، ودعم زيادة عدد الرحلات والمسارات، ما ينعكس مباشرة على الإيرادات.
كما تشكل الأنشطة غير الجوية مثل المتاجر، والمطاعم، ومواقف السيارات، والإعلانات، وصالات الانتظار جزءًا متزايد الأهمية من أرباح المطارات.
ويؤدي الالتزام بالمواعيد إلى تدفقات أكثر انتظامًا للمسافرين، وزمن انتظار أكثر قابلية للتنبؤ، ما يعزز الإنفاق داخل المطار.

وعلى العكس، فإن الفوضى الناتجة عن التأخيرات المتكررة تقلل من رغبة المسافرين في التسوق أو الاستفادة من الخدمات، ما يؤثر سلبًا على العوائد التجارية.
كما أن الالتزام بالمواعيد داخل المطارات يساعد على تعزيز مكانتها كمحاور إقليمية أو عالمية.
ويُعد مطار إسطنبول مثالًا بارزًا، إذ يخدم أكثر من 84 مليون مسافر سنويًا، وحصل على لقب الفائز البلاتيني في تقرير سيريوم لعام 2025 بفضل أدائه التشغيلي المتوازن.
أمثلة واقعية على العلاقة بين الالتزام بالمواعيد والربحية
استطاع مطار سانتياغو أرتورو ميرينو بينيتيز الدولي في تشيلي تعزيز صورته كمركز موثوق في أميركا الجنوبية، ما شجّع شركات الطيران على توسيع عملياتها وزيادة عدد الرحلات والمسارات.
ومع ارتفاع عدد الرحلات المنتظمة، تحسنت كفاءة استخدام البوابات والمرافق، وازدادت الإيرادات الناتجة عن رسوم الهبوط والخدمات الأرضية، فضلًا عن العوائد التجارية داخل المطار.
وفي فئة المطارات المتوسطة، برز مطار توكومن الدولي في مدينة بنما كأفضل مطار عالميًا من حيث الالتزام بالمواعيد خلال عام 2025، بعدما سجل نسبة التزام وصلت إلى 93.34% عبر أكثر من 148 ألف رحلة تخدم 96 مسارًا جويًا.
هذا الأداء المرتفع منح المطار قدرة تشغيلية عالية، وساعده على ترسيخ موقعه كمحور إقليمي مهم يربط بين أميركا الشمالية والجنوبية.
ومن الناحية المالية، أسهم الانتظام التشغيلي في تقليص فترات التكدس، وخفض التكاليف التشغيلية غير المباشرة، وتحسين تجربة المسافرين، ما انعكس إيجابًا على الإيرادات غير الجوية مثل التسوق والخدمات اللوجستية وصالات العبور.
أما في فئة المطارات الصغيرة، فقد تصدر مطار خوسيه خواكين دي أولميدو الدولي في غواياكيل – الإكوادور الترتيب العالمي بنسبة التزام بلغت 91.47% عبر أكثر من 34 ألف رحلة جوية خلال عام 2025.
ورغم محدودية حجم العمليات مقارنة بالمطارات الكبرى، فإن هذا المستوى من الدقة الزمنية منح المطار قدرة تنافسية واضحة، وساعده على تحقيق أقصى استفادة من بنيته التحتية المحدودة.

فالالتزام بالمواعيد قلّل من الهدر التشغيلي، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وعزز ثقة شركات الطيران، ما دعم استقرار الإيرادات وأسهم في تحسين العوائد التجارية المتاحة.
وبحسب تصنيف "سيريوم" فإن المطارات الكبيرة هي التي تتعامل مع 25 إلى 50 مليون مقعد سنويًا، والمتوسطة بين 15 و20 مليون مقعد، والصغيرة بين 5 و15 مليون مقعد.
وتشير هذه الأمثلة -من المطارات الصغيرة إلى المتوسطة والكبيرة- إلى وجود علاقة واضحة ومتعددة الأبعاد بين الالتزام بالمواعيد وربحية المطارات، لكنها ليست علاقة آلية أو مباشرة.
فالدقة التشغيلية لا تولّد الأرباح بذاته، بل تمكّن المطارات من تحسين الكفاءة التشغيلية، وتعزيز رضا المسافرين، وجذب شركات الطيران، وزيادة الإيرادات الجوية وغير الجوية.
وهو ما يؤكد أن الالتزام بالمواعيد لم يعد مؤشرا تشغيليا فقط، بل يعد عنصرًا استراتيجيًا لا غنى عنه في إدارة المطارات الحديثة وتعظيم قدرتها على تحقيق عوائد مستدامة.
المصادر: أرقام- شركة سيريوم- شبكة سي إن إن- منصة سكولار ووركس- منصة ساينس دايركت- إيه سي آي وورلد
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: