نبض أرقام
09:45 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/26
2026/01/25

اقتصاد بلا روح.. من سيادة الكيف إلى طغيان الكم

05:42 م (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

في عام 1945، وبينما كان العالم يلملم جراحه عقب الحرب العالمية الثانية، ويبدأ سباقًا محمومًا نحو التصنيع والاستهلاك، أصدر الفيلسوف الفرنسي "رينيه جينون" (الذي عرف بعد إسلامه بـ عبد الواحد يحيى) كتابه "سيادة الكم وعلامات الزمان" (The Reign of Quantity and the Signs of the Times).

 

تنبأ "جينون"، قبل عقود من الأزمات المالية المعاصرة، بأن تحويل العالم إلى مجرد "أرقام" و"كميات" وإقصاء الجانب "الكيفي" سيقود حتمًا إلى انحطاط الحضارة، وتحويل الإنسان إلى تروس في آلة، وجعل الاقتصاد في مهب الريح.

 

لم يكن الكتاب دراسة في مؤشرات الأسواق أو أسعار الفائدة، بل كان نقدًا جذريًا للبنية التحتية الفكرية التي قام عليها الاقتصاد الحديث، فلقد رأى مبكرا أننا نطور اقتصادا هشا، يحيل البشر إلى تروس، والحياة إلى سلعة، فهل كان ما نعيشه اليوم من أزمات إلا تحقيقا لتلك النبوءة؟

 

 

سيادة الكم

- حجر الزاوية في فكر "عبد الواحد" هو رصد الانقلاب الخطير في المعايير؛ حيث تخلت الحداثة عن "الكيف" (الجوهر والقيمة) لصالح "الكم" (العدد والمادة)، وفي النظام الحديث، لم يعد الاقتصاد يُعنى بجودة الحياة أو غايتها الإنسانية، بل بات محكوماً بهوس "المراكمة" والنمو الرقمي، متجاهلاً الأثر الواقعي على الإنسان أو الطبيعة.

 

انهيار العملة

- لم يكن المال قديماً مجرد أداة تبادل، بل كان يحمل "قيمةً ذاتية" ورمزية مقدسة تضمن استقراره، أما اليوم، فقد جُرد النقد من روحه، وتحول إلى "أرقام مجردة" أو أوراق لا سند لها سوى الوهم، ما حول المال نفسه إلى سلعة للمضاربة، وخلق عالماً يسبح في التضخم والفقاعات المالية.

 

عبثية الورق

- يرى "عبد الواحد" أن المادة التي تُصنع منها العملة (سواء كانت معدناً رخيصاً أو ورقاً أو حتى قيوداً إلكترونية) أصبحت مجرد "اصطلاح" لا قيمة ذاتية له، فلو ظل النقد محتفظاً بطابعه التقليدي، لما أمكن استبداله بـ "مجرد ورق" كما هو الحال اليوم، لأن الورق لا يمكنه حمل القيمة النوعية أو الرمزية التي كانت توفر الاستقرار للنظام المالي القديم.

 

حتمية الذوبان

- يستطرد الفيلسوف في رؤيته أن النتيجة الحتمية هي الدخول في مسار تآكل متواصل للقيمة، لا بوصفه خللًا عارضًا، بل كنتيجة لفقدان النقد جوهره الكيفي وانحداره إلى "الكم المحض"، ما يقود الاقتصاد نحو حدٍّ تقني يفقد عنده النقد المبرر لوجوده، فيتحوّل إلى أرقام مجردة بلا حقيقة أو روح، فيذوب كبنية اقتصادية ضمن مسار أوسع يختزل الوجود الإنساني في بعده الدنيوي ويُفقده عمقه المعنوي.

 

موت الحرفة

- يرثي المؤلف موت "الحرفة" التي كان فيها الصانع يسكب روحه في منتجه، لتصعد مكانها "الصناعة" الباردة، وهذا التحول لم يقتل الإبداع فحسب، بل قتل "المبادرة" لدى العامل، حيث تحول من مبدع يسيطر على أدواته إلى مجرد مشغل لآلة تفرض عليه إيقاعها.

 

 

تشييء الإنسان

- ينتقد الكتاب فكرة أن العامل في الاقتصاد الصناعي، لا يُطلب منه التفكير أو الإبداع، بل تكرار حركات ميكانيكية محددة لخدمة الإنتاج الكمي، وهو ما جعل الفيلسوف يرى أن هذا النمط من العمل يجرد الإنسان من إنسانيته ويحوله إلى "وحدة كمية" قابلة للاستبدال، تمامًا مثل قطع الغيار.

 

أوهام الإحصاء

- يخصص الكاتب الفرنسي الأصل الفصل العاشر لنسف فكرة "الإحصاء" كمعيار للحقيقة الاقتصادية والاجتماعية، حيث يرى أن الاعتماد المفرط على الإحصائيات يقوم على افتراض خطأ بأن جميع الأفراد أو الوقائع متطابقة ويمكن جمعها تحت رقم واحد، ويؤكد أن الإحصاء يلغي الفوارق الفردية والنوعية (الكيفية) بين البشر والحاجات، ويحول المجتمع إلى "كتلة" صماء.

 

التماثل المطرد

- يربط الكتاب بين الاقتصاد الصناعي ومحاولة فرض "التماثل" على العالم، حيث تسعى الصناعة لإنتاج سلع نمطية موحدة ليستهلكها بشر نمطيون بأسلوب حياة موحد، ويرى "عبد الواحد" أن هذا السعي لتوحيد الأذواق والحاجات هو محاولة لمحو الفروق الطبيعية بين الشعوب والأفراد، ما يخلق عالمًا رماديًا خالياً من التنوع والثراء الثقافي، وهو ما يخدم فقط مصلحة الإنتاج الضخم.

 

الاستهلاك القسري

- في حديثه عن "وهم الحياة العادية"، يشير إلى أن الاقتصاد الحديث لا يلبي حاجات حقيقية بقدر ما يخلق حاجات مصطنعة لضمان استمرار دوران عجلة الإنتاج، حيث تم إقناع الإنسان المعاصر بأن السعادة تكمن في تراكم الأشياء المادية، ما أدخله في دوامة لا تنتهي من العمل والاستهلاك، ولذلك يرى المؤلف أن هذه "المادية" قد سجنت الإنسان في أفق ضيق، حيث أصبح "الواقع" مرادفًا فقط لما هو ملموس وقابل للشراء.

 

غياب الأمان

- يعتقد "عبد الواحد" أن سيادة الكم تؤدي إلى أقصى درجات عدم الاستقرار، فالاقتصاد القائم على المضاربات المالية، والسرعة المتزايدة في الإنتاج والاستهلاك، والتنافس الشرس على الموارد، يخلق حالة دائمة من القلق والاضطراب، ولذلك يرى أن "الأمان" الذي تعد به الحياة المادية الحديثة هو وهم هش، قابل للانهيار في أي لحظة نتيجة لانهيار الأسواق أو الحروب الناتجة عن الطمع المادي.

 

 

التلاعب بالقيم

- ينتقد الكتاب تحويل مفهوم "القيمة" من معناه الأخلاقي والجمالي إلى معنى مالي بحت، حيث أصبح "سعر" الشيء هو المعيار الوحيد لـ "قيمته" في العصر الحديث، وحتى الإنسان أصبح يُقيم بناءً على ما يملكه، وأدى هذا الانحطاط في المعايير إلى سيادة الرداءة، حيث يتم التضحية بالجودة والإتقان في سبيل خفض التكلفة وزيادة هامش الربح، ما أغرق الأسواق بمنتجات رديئة صممت لتتلف سريعًا.

 

حتمية الانهيار      

- يخلص "عبد الواحد يحيى" إلى نتيجة مفزعة وحتمية: إن نظاماً قام على "الكم المحض" وعادى الطبيعة والروح، لا يملك مقومات البقاء، وإن الأزمات المتتالية ليست حوادث عابرة، بل هي أعراض احتضار لحضارة جعلت "السعر" معياراً لكل شيء، وأفقدت الأشياء "قيمتها". وأمام هذا الطوفان المادي الجارف، يتركنا الكتاب أمام سؤال مصيري يقرع جدران وعينا: هل نمتلك الشجاعة لاستعادة إنسانيتنا من قبضة طوفان البيانات، أم أننا سننتظر حتى ينهار المعبد المادي فوق رؤوس الجميع؟

 

المصادر: أرقام – ميديام – جود ريدز - جروكبيديا – مايبول أوف ويزدم - أركايف

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.