نبض أرقام
06:22 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/28
2026/02/27

هوارد هوانغ .. حين تتحوّل عيون الروبوتات إلى مليارات

09:02 ص (بتوقيت مكة) أرقام

في صباحٍ صيفيّ حار في بكين، لم تكن الأنظار موجّهة فقط إلى الروبوتات التي تركض وتلعب كرة القدم وتؤدي حركات الكونغ فو، بل إلى ما "تراه" هذه الآلات أكثر مما تفعل. فخلف كل خطوة دقيقة وكل حركة متوازنة، كانت هناك عيون غير بشرية ترسم ملامح مستقبل جديد… مستقبل صنعه مهندس صيني بدأ رحلته من المختبرات الأكاديمية، وانتهى به الأمر مليارديرًا يقود ثورة "عيون الروبوتات".

 

في أغسطس 2025، شهدت بكين حدثًا غير مسبوق: ألعاب الروبوتات البشرية العالمية، أول بطولة من نوعها تجمع نحو 500 روبوت بشري من 16 دولة. تنافست الروبوتات في 26 مسابقة، شملت سباقات العدو، كرة القدم، الرقص، الفنون القتالية، وحتى محاكاة أعمال المصانع.

 

 

من بين أبرز الفائزين، برز اسم معهد الأبحاث الصيني المدعوم من الدولة إكس-هيومانويد، الذي حصد 10 ميداليات، بينها ذهبيتان. فقد فاز روبوت تيان كونغ ألترا " Tien Kung Ultra"، بطول 1.8 متر، بسباق 100 متر، بينما انتزع الروبوت ذو العجلات Tian Yi المركز الأول في مسابقة مناولة المواد، التي تحاكي مهام المصانع.

 

لكن خلف هذا الأداء اللافت، كانت هناك قطعة تكنولوجية حاسمة: العيون. عيون ليست بيولوجية، بل مجسّات رؤية ثلاثية الأبعاد طورتها شركة صينية تعمل بهدوء بعيدًا عن الأضواء، اسمها أوربيك " Orbbec"، مقرها مدينة شنتشن، القلب الصناعي والتكنولوجي لجنوب الصين.

 

شركة "تحت الرادار"

 

تُمكّن تقنيات أوربيك الروبوتات من إدراك العمق كما يفعل البشر، ما يسمح لها بالتنقل في بيئات معقدة والتفاعل مع الأشياء بدقة. على رأس الشركة يقف هوارد هوانغ، البالغ من العمر 46 عامًا، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، الذي لا يخفي طموحه الكبير: "نريد أن نمنح الروبوتات قدرات رؤية تتفوق على رؤية البشر".

 

تأسست  أوربيك عام 2013، وبدأت رحلتها بتطوير مستشعرات رؤية تُستخدم في المسح ثلاثي الأبعاد والقياسات الحيوية. تخصصت الشركة في كاميرات تلتقط الألوان والعمق معًا، مناسبة للمهام القريبة والمتوسطة المدى مثل التعرف على الوجوه وتمييز الأجسام. كما تنتج الشركة مستشعرات LiDAR للمهام بعيدة المدى مثل الملاحة.

 

تُستخدم هذه التقنيات اليوم في طيف واسع من التطبيقات: الروبوتات الصناعية، الروبوتات المتنقلة ذاتية الحركة، الأذرع الروبوتية، السيارات ذاتية القيادة، الطائرات المسيّرة، وأخيرًا الروبوتات البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

 

سوق ينمو.. وطموح يكبر

 

يتزامن طموح هوانغ مع نمو متسارع في سوق الروبوتات العالمي، المتوقع أن ينمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 14%، ليصل إلى 179 مليار دولار بحلول 2033 مقارنة بـ53 مليار دولار في 2024، وفق تقرير لشركة "ريسيرش آند ماركتس".

ويعزو التقرير هذا النمو إلى التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي والطلب المتزايد على الأتمتة الصناعية.

 

الصين، باعتبارها أكبر سوق للروبوتات في العالم، تقود هذا الطلب بدعم حكومي واضح، بحسب تقرير صادر عن مورغان ستانلي. والأهم بالنسبة لـ "أوروبيك" أن سوق مكونات الروبوتات، وخاصة مستشعرات الرؤية ثلاثية الأبعاد، ينمو بوتيرة مماثلة.

 

وتجني الشركة ثمار ذلك بالفعل. ففي الأشهر التسعة الأولى من 2025، تحولت أوروبيك إلى الربحية، مسجلة صافي ربح قدره 69 مليون يوان (نحو 9.8 مليون دولار)، مقارنة بخسارة قدرها 102 مليون يوان في الفترة نفسها من العام السابق. كما تضاعفت الإيرادات لتصل إلى 714 مليون يوان.

 

 

من الخسارة إلى المليار

 

نحو 90% من إيرادات الشركة تأتي من السوق الصينية، بينما تتوزع النسبة المتبقية على دول مثل كوريا الجنوبية، سنغافورة، اليابان والولايات المتحدة. وفي النصف الأول من 2025، جاء قرابة ثلثي المبيعات من مستشعرات القياسات الحيوية، خاصة التعرف على الوجه، وأجهزة المسح الاستهلاكية مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد وألعاب الواقع الافتراضي، فيما شكّلت مستشعرات الروبوتات نحو الثلث.

 

ومع ارتفاع الطلب، تضاعف سعر سهم الشركة المدرجة في بورصة شنغهاي خلال 12 شهرًا، ما جعل هوانغ، الذي يمتلك 27% من الأسهم، مليارديرًا للمرة الأولى، بثروة تُقدّر بنحو 1.6 مليار دولار مطلع 2026.

 

عملاء كبار.. وهيمنة إقليمية

 

من بين أبرز عملاء  أوروبيك  شركة  "أنتغروب"، المالكة لمنصة  "أليباي، التي تستخدم كاميراتها للتعرف على الوجوه في أنظمة الدفع غير التلامسية. وتمتلك  "أنتغروب" حصة 9% من الشركة عبر ذراعها الاستثمارية.

 

في قطاع الروبوتات، تزوّد  أوربيك شركات متخصصة في روبوتات الخدمات مثل "بودو روبوتيكس" و"غاوسيوم" في الصين، و"ربوكاير" في كوريا الجنوبية. وتدّعي الشركة أنها تستحوذ على 70% من سوق مستشعرات الرؤية ثلاثية الأبعاد لروبوتات الخدمات المتنقلة في الصين وكوريا الجنوبية.

 

الرهان الأكبر: الروبوتات البشرية

 

اليوم، يركّز هوانغ بشكل شبه كامل على الروبوتات البشرية، التي يتوقع أن تصبح أكبر فئة في سوق الروبوتات على المدى الطويل. ويتوقع مورغان ستانلي أن يصل حجم سوق الروبوتات البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى 7.5 تريليون دولار بحلول 2050.

 

وتشير تقديرات بنك أوف أميركا إلى أن تكلفة تصنيع الروبوت البشري الواحد، التي تبلغ حاليًا نحو 35 ألف دولار، قد تنخفض إلى النصف خلال 5 إلى 10 سنوات، خاصة إذا صُنعت معظم مكوناته في الصين.

 

وتضم قائمة عملاء  أوربيك  في هذا المجال شركات صينية بارزة مثل  أجي بوت، وستاردست إنتليجنس المدعومة من  آنت، ووحدة  روبي آنت التابعة لها، إضافة إلى  يو بي تك روبوتيكس التي أعلنت نيتها بدء الإنتاج الضخم للروبوتات البشرية الصناعية.

 

 

منافسة شرسة.. وتفوق تقني

 

أكبر منافسي  أوربيك هو شركة ريال سينس الأمريكية، المنفصلة عن  إنتل، والتي تزعم أن مستشعراتها مستخدمة في 80% من الروبوتات البشرية عالميًا. غير أن  أوربيك  تؤكد تفوق كاميرتها الرائدة جيميني 435 إل إي من حيث دقة العمق واكتمال الخرائط الحسية وحدة الحواف، وبالسعر نفسه تقريبًا.

 

ويرى محللون أن تفوق  أوربيك  يعود إلى خضوع تقنياتها لدورات تطوير أطول، إضافة إلى تنوع منتجاتها، مقارنة بمنافسها الأمريكي.

 

من الأكاديمية إلى المصنع

 

ينحدر هوانغ من عائلة متواضعة؛ والده عمل في مؤسسة حكومية، ووالدته كانت معلمة. درس الفيزياء، وحصل على شهاداته من جامعة بكين، ثم جامعة سنغافورة الوطنية، وأكمل الدكتوراه في هونغ كونغ. عمل باحثًا في مؤسسات مرموقة، لكنه شعر بأن الأبحاث الأكاديمية لا تجد طريقها إلى الواقع.

 

يقول: "في الأكاديمية كنت أكتب أبحاثًا، أما الآن فنحن نكتب الأبحاث في المصنع… من أجل الصناعة".

 

في 2013، اقترض 10 ملايين يوان من أربعة أصدقاء وبدأ مشروعه. واجه صعوبات مالية قاسية، وأدرك مبكرًا أن حلم "عيون الروبوتات" سابق لأوانه، فركّز على تطبيقات أكثر نضجًا مثل المسح ثلاثي الأبعاد والتعرف على الوجه، قبل أن يعود بقوة إلى عالم الروبوتات.

 

مستقبل بعينٍ أوسع

 

اليوم، تستثمر  أوربيك قرابة 980 مليون يوان لتطوير جيل جديد من مستشعرات الرؤية والخوارزميات، وتوسيع مصانعها في الصين وفيتنام. ومع اندماج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات، يرى هوانغ أن المستقبل أصبح أقرب من أي وقت مضى.

 

يقول بابتسامة واثقة: "كنت دائمًا متفائلًا بالروبوتات… ومع الذكاء الاصطناعي، أصبح المستقبل واسعًا بقدر النجوم والبحر".

 

وهكذا، من مختبرات الفيزياء إلى ساحات السباق الروبوتية، صنع مهندس صيني ثروته ليس بما تصنعه الروبوتات… بل بما تراه.

 

المصدر: مجلة فوربس

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.