نبض أرقام
10:48 م
توقيت مكة المكرمة

2026/03/01
2026/02/28

80 عامًا بعد بريتون وودز .. النظام المالي أمام مفترق طرق

07:53 ص (بتوقيت مكة) أرقام

قبل ثمانين عامًا، وتحديدًا في يوليو/تموز 1944، اجتمع ممثلون عن 44 دولة في منتجع بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية للمشاركة في «مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي».

 

كان العالم آنذاك يخرج مثقلًا من أهوال الحرب العالمية الثانية، وكانت أوروبا مدمَّرة اقتصاديًا وتحتاج إلى نظام دولي جديد يحقق الاستقرار النقدي والمالي، ويمهّد لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

 

أسفر المؤتمر عن إنشاء نظام دولي جديد قائم على أسعار صرف ثابتة ولكن قابلة للتعديل، يرتكز على الدولار الأمريكي، مع فرض ضوابط على حركة رؤوس الأموال، إضافة إلى تأسيس مؤسستين ستصبحان محور النظام المالي العالمي: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

 

 

أسعار الصرف الثابتة

 

ورغم أن نظام أسعار الصرف الثابتة انهار في أوائل سبعينيات القرن الماضي، ومعه تراجعت ضوابط حركة رؤوس الأموال منذ الثمانينيات والتسعينيات، فإن بنية النظام النقدي والمالي العالمي الحالي، والمؤسسات التي تديره، لا تزال متأثرة بعمق بإرث بريتون وودز.

 

غير أن هذا الإرث بات اليوم موضع تساؤل متزايد،غ في ظل تحولات اقتصادية عميقة، وصعود قوى جديدة، وأزمات متداخلة لم يكن واضعو النظام الأصلي يتصورونها.

 

في هذا السياق، وقبيل الذكرى الثمانين لمؤتمر بريتون وودز، أصدرت مجموعة من المؤسسات البحثية الدولية من أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين بيانًا مشتركًا دعت فيه إلى عقد مؤتمر دولي جديد برعاية الأمم المتحدة، بهدف إعادة صياغة النظام النقدي والمالي العالمي بما يجعله أكثر عدالة وملاءمة لتحديات القرن الحادي والعشرين.

 

نظام لم يعد منسجماً مع الواقع

 

يرى معدّو البيان أن النظام الحالي يتسم بطابع هرمي واضح، تحكمه اختلالات بنيوية بين الدول الدائنة والدول المقترِضة، ويعاني من فجوة متزايدة بين موازين القوة الاقتصادية الفعلية وهيكل الحوكمة داخل المؤسسات المالية الدولية. فتمثيل الاقتصادات الصاعدة والنامية لا يزال محدودًا، رغم تزايد وزنها في الاقتصاد العالمي، ما يضعف شرعية هذه المؤسسات ويقيد قدرتها على التعامل مع أزمات معقدة مثل أزمات الديون، والجوائح، والتغير المناخي.

 

كما يؤكد البيان أن النظام الحالي أثبت عجزه عن الاستجابة بفاعلية لأزمة المناخ والتدهور البيئي، التي باتت تشكل تهديدًا وجوديًا للاقتصاد العالمي وللبشرية جمعاء، في وقت لا تزال فيه التدفقات المالية العالمية غير منسجمة مع أهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس للمناخ.

 

 

8 ركائز للإصلاح

 

يدعو البيان إلى إصلاح شامل للعمارة الاقتصادية والمالية العالمية، عبر حزمة متكاملة من الإصلاحات في ثمانية مجالات رئيسية:

 

أولًا: تعزيز التمثيل والصوت داخل المؤسسات المالية الدولية.

 

يشدد البيان على أن الحوكمة الاقتصادية العالمية لا يمكن أن تكون فعالة من دون تمثيل عادل. لذلك، يطالب بإصلاحات جذرية في آليات التصويت والحصص داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبقية بنوك التنمية متعددة الأطراف، بما يعكس التحولات الفعلية في الاقتصاد العالمي.

 

كما يدعو إلى إنهاء ما يُعرف بـ"اتفاق السادة" الذي يحصر رئاسة صندوق النقد في الأوروبيين ورئاسة البنك الدولي في الأمريكيين، واعتماد معايير الكفاءة فقط في التعيينات العليا، مع آلية انتخاب أكثر شمولًا.

 

ثانيًا: تعزيز شبكة الأمان المالي العالمية وجعلها قادرة على مواجهة أزمات المناخ والطبيعة.

 

يشير البيان إلى أن شبكة الأمان المالي العالمية، المكوّنة من صندوق النقد الدولي والترتيبات المالية الإقليمية، لا تزال غير كافية ومجزأة، ما يدفع الدول النامية إلى تكديس احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية على حساب التنمية.

 

ويقترح توسيع موارد الصندوق، وتقوية الترتيبات الإقليمية، خاصة في أفريقيا، وتحسين أدوات الإقراض الطارئة، وإنشاء آلية متعددة الأطراف لمبادلات العملات، تموَّل جزئيًا من حقوق السحب الخاصة غير المستخدمة.

 

ثالثًا: إنشاء آلية دولية لمعالجة ديون الدول السيادية.

 

يُعد غياب إطار دولي منظم لإعادة هيكلة الديون السيادية أحد أكبر أوجه القصور في النظام الحالي. ويدعو البيان إلى إنشاء آلية مستقلة بإشراف الأمم المتحدة، تضمن معالجة شاملة وعادلة وشفافة لأزمات الديون، مع إلزام جميع الدائنين، بمن فيهم القطاع الخاص، بالمشاركة في تحمل أعباء تخفيف الديون، على أساس تحليلات استدامة تأخذ في الاعتبار احتياجات التنمية والمناخ.

 

رابعًا: توسيع تمويل المناخ ومواءمة التدفقات المالية مع أهداف اتفاق باريس.

 

يطالب البيان المؤسسات المالية الدولية بوقف تمويل الوقود الأحفوري فورًا، وزيادة الاستثمارات في التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون وقادر على الصمود. كما يدعو الهيئات الرقابية والمالية الدولية إلى التعامل مع مخاطر المناخ باعتبارها مخاطر نظامية، والانتقال من مجرد إدارتها إلى توجيه النظام المالي نحو الاستدامة.

 

خامسًا: تعزيز دور بنوك التنمية العامة.

 

يرى البيان أن التحولات الهيكلية المطلوبة لتحقيق التنمية المستدامة والحياد الكربوني تستلزم دورًا أكبر لبنوك التنمية العامة على المستويات الدولية والوطنية والمحلية.

 

ويقترح إصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف وزيادة رأس مالها، ودعم إنشاء بنوك استثمار خضراء، وتقديم الدعم الفني والمالي لبناء قدرات بنوك التنمية الوطنية.

 

سادسًا: الانتقال إلى نظام نقدي متعدد الأطراف قائم على حقوق السحب الخاصة.

 

ينتقد البيان هيمنة الدولار الأمريكي على النظام النقدي العالمي، لما تسببه من عدم استقرار وتأثير غير متناسب لسياسات دولة واحدة على بقية العالم.

 

ويقترح توسيع دور حقوق السحب الخاصة بوصفها أصلًا احتياطيًا عالميًا حقيقيًا، مع إصدارها بانتظام، واستخدامها في تمويل برامج صندوق النقد، وزيادة الإقراض بالعملات المحلية لتقليل مخاطر تقلبات الصرف.

 

 

سابعًا: إدارة أفضل لتدفقات رؤوس الأموال وفرض ضريبة على المعاملات المالية الدولية.

 

يشير البيان إلى أن التدفقات الرأسمالية غير المنضبطة ساهمت في تقلبات مالية حادة.

 

ويدعو إلى دعم الدول النامية في استخدام أدوات إدارة حركة رؤوس الأموال، وتحسين التنسيق الدولي للحد من الآثار السلبية لسياسات الدول المتقدمة.

 

كما يقترح فرض ضريبة دولية على المعاملات المالية، للحد من المضاربات قصيرة الأجل وتوفير موارد إضافية لتمويل التنمية والعمل المناخي.

 

ثامنًا: بناء نظام ضريبي عالمي عادل وشامل.

 

يسلط البيان الضوء على الخسائر الهائلة التي تتكبدها الدول النامية، خصوصًا في أفريقيا، نتيجة التهرب الضريبي والتدفقات المالية غير المشروعة، والتي تُقدَّر بأكثر من 89 مليار دولار سنويًا.

 

ويدعو إلى اتفاقية أممية ملزمة للضرائب، تشمل حدًا أدنى عالميًا لضريبة الشركات، وتعاونًا أوسع في تبادل المعلومات، وفرض ضرائب دولية جديدة، مثل ضريبة على الثروات الكبرى، لضمان تمويل مستدام للتنمية.

 

لحظة دولية مطلوبة

 

يخلص البيان إلى أن التحديات المتشابكة التي يواجهها الاقتصاد العالمي اليوم – من أزمات الديون إلى التغير المناخي واتساع فجوات عدم المساواة – لا يمكن التعامل معها بأدوات ونظام صُمم لعالم مختلف قبل ثمانية عقود.

 

 وكما مثّل مؤتمر بريتون وودز عام 1944 لحظة تاريخية غير مسبوقة من العمل الجماعي الدولي، فإن العالم اليوم بحاجة ماسة إلى لحظة مماثلة، تضع رؤية جديدة وجريئة لنظام نقدي ومالي عالمي أكثر عدالة واستدامة، وقادر على تلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين.

 

المصدر:  مركز سياسة التنمية العالمية – جامعة بوسطن

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.