في عالمٍ تتداخل فيه الأرقام مع التوقعات، وتتشابك فيه المخاطر مع الفرص، لا يكفي للمستثمر أن ينظر إلى أداء السهم على السطح. فخلف كل حركة سعرية، تختبئ طبقات من المخاطر بعضها ناتج عن السوق نفسه، وبعضها الآخر من قرارات الشركة التمويلية.
هنا تحديدًا يظهر مفهوم بيتا غير المرفوعة بالديون (Unlevered Beta) والذي يطلق عليه أيضا معامل بيتا أو (بيتا الأصول) كأداة تحليلية ذكية تجرّد المخاطر من ضجيج الديون، وتكشف للمستثمر الصورة الحقيقية لمخاطر أصول الشركة. في هذا التقرير، نغوص في المفهوم، ونفكك معادلته، ونستعرض تطبيقاته العملية بلغة صحفية مبسطة دون الإخلال بالعمق التحليلي.

ما هو بيتا غير المرفوعة بالديون؟
بيتا (Beta) هو مقياس للمخاطر السوقية، أي مدى حساسية سهم شركة ما تجاه تحركات السوق ككل. أما بيتا غير المرفوعة بالديون فهو مقياس لمخاطر الشركة بعد استبعاد أثر الديون من هيكلها الرأسمالي. بعبارة أخرى، هي محاولة للإجابة عن سؤال جوهري:
كيف ستتصرف أصول الشركة تجاه تقلبات السوق لو لم يكن لديها أي ديون؟
إزالة أثر الرافعة المالية (الديون) من بيتا يسمح للمحللين والمستثمرين بمقارنة الشركات بشكل عادل، دون أن تشوّه الاختلافات في مستويات الاقتراض الصورة الحقيقية للمخاطر.
لماذا تؤثر الديون في بيتا؟
الديون سلاح ذو حدين. فمن جهة، قد تعزز العوائد على حقوق المساهمين في أوقات النمو، لكنها من جهة أخرى تضاعف المخاطر في أوقات التراجع. عندما ترتفع نسبة الدين إلى حقوق الملكية، تصبح أرباح الشركة أكثر تقلبًا، لأن جزءًا أكبر من التدفقات النقدية يذهب لخدمة الدين. هذا التقلب الإضافي لا يعكس بالضرورة مخاطر السوق، بل هو ناتج عن قرارات تمويلية داخلية.
هنا تظهر بيتا المرفوعة بالديون (Levered Beta)، التي تعكس مخاطر الشركة مع وجود الدين. أما بيتا غير المرفوعة فتسعى إلى عزل المخاطر التشغيلية الحقيقية المرتبطة بالأصول فقط.
الفرق بين بيتا المرفوعة وغير المرفوعة
- بيتا المرفوعة بالديون (Equity Beta):
تقيس مدى تقلب السهم مقارنة بالسوق، مع الأخذ في الاعتبار الديون وحقوق الملكية معًا.
- بيتا غير مرفوعة بالديون (Asset Beta):
تقيس حساسية أصول الشركة للسوق بعد استبعاد أثر الديون والميزة الضريبية المرتبطة بها.
المقارنة بين الشركتين تصبح أكثر دقة عندما تكون المقارنة على أساس بيتا غير مرفوعة، خصوصًا إذا كان لكل شركة هيكل تمويلي مختلف.

معادلة حساب بيتا غير المرفوعة
يتم حساب بيتا غير المرفوعة باستخدام المعادلة التالية:
بيتا غير المرفوعة = بيتا المرفوعة ÷ [1 + (1 − معدل الضريبة) × (الدين ÷ حقوق الملكية)]
هذه المعادلة تأخذ في الاعتبار:
1- بيتا السهم في السوق
2- نسبة الدين إلى حقوق الملكية
3- معدل الضريبة على الشركات، نظرًا لأن الفوائد على الديون قابلة للخصم الضريبي
مثال تطبيقي: شركة تسلا
لنفترض أننا نريد حساب بيتا غير المرفوعة لشركة تسلا (وفق بيانات نوفمبر 2017):
بيتا المرفوعة: 0.73
نسبة الدين إلى حقوق الملكية: 2.2
معدل الضريبة: 35%
التطبيق العملي للمعادلة يكون كالتالي:
بيتا غير المرفوعة = 0.73 ÷ [1 + (1 − 0.35) × 2.2]
النتيجة = 0.30
هذا الرقم يعكس أن جزءًا كبيرًا من المخاطر الظاهرة في سهم تسلا آنذاك كان ناتجًا عن الرافعة المالية، وليس عن مخاطر السوق المرتبطة بالأصول نفسها.
العلاقة بين بيتا والمخاطر النظامية
المخاطر النظامية (Systematic Risk) هي المخاطر التي لا يمكن تجنبها أو تنويعها، لأنها ناتجة عن عوامل عامة تؤثر في السوق بأكمله، مثل:
- التضخم
- الأزمات السياسية
- الحروب
- الكوارث الطبيعية
- السياسات النقدية
بيتا هي الأداة الإحصائية الأساسية لقياس هذا النوع من المخاطر.
بيتا = 1: السهم يتحرك بنفس وتيرة السوق
بيتا > 1: السهم أكثر تقلبًا من السوق
بيتا < 1: السهم أقل تقلبًا من السوق
بيتا غير المرفوعة تركز تحديدًا على الجزء من هذه المخاطر المرتبط بالأصول، دون تضخيم أو تخفيف ناتج عن الديون.

متى تكون بيتا غير المرفوعة أعلى من المرفوعة؟
في الحالات الطبيعية، تكون بيتا غير المرفوعة أقل من أو مساوية لبيتا المرفوعة، لأن الديون عادة تضيف مخاطر. لكن في حالات نادرة—مثل الشركات التي تمتلك سيولة نقدية ضخمة تفوق ديونها—قد تصبح نسبة الدين سالبة، ما يؤدي نظريًا إلى بيتا غير مرفوعة أعلى من المرفوعة.
كيف يستفيد المستثمر من بيتا غير المرفوعة؟
- المقارنة العادلة بين الشركات:
عند مقارنة شركتين في القطاع نفسه لكن بهياكل تمويل مختلفة، تكون بيتا غير المرفوعة هي المقياس الأدق.
- تقدير تكلفة رأس المال:
تُستخدم بيتا غير المرفوعة في نماذج التقييم، خصوصًا عند إعادة “رفع” البيتا وفق هيكل تمويل مستهدف.
- فهم مصدر المخاطر:
هل المخاطر ناتجة عن نشاط الشركة الأساسي أم عن اعتمادها الكبير على الديون؟ بيتا غير المرفوعة تجيب عن هذا السؤال.
- اتخاذ قرارات استثمارية أكثر وعيًا:
المستثمر الذي يفهم طبيعة المخاطر يكون أقدر على مواءمة استثماراته مع مستوى تحمله للمخاطر.
من ثم، فإن بيتا غير المرفوعة بالديون ليست مجرد معادلة مالية، بل هي عدسة تحليلية تتيح رؤية أنقى لمخاطر الشركات. فهي تفصل بين المخاطر التشغيلية الحقيقية والمخاطر المصطنعة الناتجة عن التمويل بالديون. في زمن تتزايد فيه الفجوة بين الأداء المحاسبي والواقع الاقتصادي، يصبح فهم هذا المفهوم ضرورة لا رفاهية.
بالنسبة للمستثمر الذكي، فإن مقارنة بيتا غير المرفوعة بين الشركات تمنحه ميزة تنافسية حقيقية، وتساعده على اتخاذ قرارات استثمارية مبنية على فهم عميق للمخاطر، لا على أرقام ظاهرها مطمئن وباطنها معقد.
المصدر: انفيستوبيديا
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: