نبض أرقام
02:19 م
توقيت مكة المكرمة

2026/03/28
2026/03/27

الأسواق أمام لغز الذكاء الاصطناعي

08:16 ص (بتوقيت مكة) أرقام

تُشبّه أسواق الأسهم في كثير من الأحيان بالعرافين؛ فوظيفتها الأساسية هي التنبؤ بالمستقبل. إذ يسعى المستثمرون إلى تحديد الشركات التي ستجني أرباحًا كبيرة في السنوات المقبلة، مقابل تلك التي قد تتراجع أو تختفي.

 

وعندما يكون الاقتصاد مستقرًا نسبيًا، تصبح هذه المهمة أقرب إلى استقراء بسيط للماضي. لكن عندما تظهر تحولات عميقة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو تكنولوجية، يصبح التنبؤ أكثر صعوبة.

 

اليوم يقف الذكاء الاصطناعي في قلب هذا الارتباك. فهذه التكنولوجيا تُعد من أبرز التحولات التي قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، لكنها في الوقت نفسه تثير قدرًا كبيرًا من الغموض حول من سيستفيد منها ومن سيتضرر. ونتيجة لذلك، تجد الأسواق المالية صعوبة في تسعير تأثيرها الحقيقي.

 

 

مؤشرات المؤسسات المالية

 

يتضح هذا الارتباك في المؤشرات التي أعدتها المؤسسات المالية. فقد أنشأ بنك "غولدمان ساكس" مؤشرًا يضم الشركات الأكثر عرضة لخطر التعطيل بفعل الذكاء الاصطناعي، وتراجع هذا المؤشر خلال العام الماضي بأكثر من 20%.

 

وفي المقابل، أطلق البنك مؤشرًا آخر للشركات التي يُفترض أن تكون من أكبر المستفيدين من الذكاء الاصطناعي بفضل زيادة الإنتاجية، لكنه انخفض أيضًا بنحو 5%، رغم أن كثيرًا من أسواق الأسهم العالمية يقترب من مستويات قياسية.

 

ولا يقتصر الارتباك على المؤشرات العامة، بل يظهر كذلك في أداء الشركات الفردية. فشركة "دولينغو" المتخصصة في تعليم اللغات شهدت ارتفاعًا كبيرًا في سعر سهمها بين مايو 2024 ومايو 2025، قبل أن يتراجع لاحقًا بنحو 80%. أما شركة "غوغل"، التي اعتبرها البعض مهددة بالذكاء الاصطناعي في بداية الموجة الحالية، فقد ارتفع سهم شركتها الأم "ألفابت" بنحو 85% خلال العام الماضي.

 

أسواق السندات

 

حتى أسواق السندات لا تعكس صورة واضحة. فمن المفترض أن يؤدي الذكاء الاصطناعي، إذا كان سيقود إلى نمو اقتصادي قوي، إلى ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية.

 

لكن العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل ثلاثين عامًا يبلغ نحو 4.9% فقط، وهو قريب من مستواه في بداية العام. بل إن دراسة أجراها باحثان من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أظهرت أن عوائد السندات طويلة الأجل تميل إلى الانخفاض بعد إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي كبرى.

 

وهكذا يبدو الذكاء الاصطناعي في نظر الأسواق ظاهرة مزدوجة: فهو في بعض الأحيان تهديد وجودي للشركات، وفي أحيان أخرى يبدو وكأنه تأثير محدود على الاقتصاد. غير أن هذا التناقض ليس أمرًا جديدًا في تاريخ الأسواق المالية، فالتجربة تظهر أن المستثمرين غالبًا ما يواجهون صعوبة في تسعير التحولات التكنولوجية الكبرى.

 

استشراف التغيرات

 

التاريخ مليء بأمثلة على هذا الارتباك. ففي بعض الحالات، تنجح الأسواق في استشراف التغيرات مبكرًا. فشركة "بلوكباستر" التي كانت تهيمن على سوق تأجير الأفلام بدأت أسهمها في التراجع قبل عامين من بلوغ إيراداتها ذروتها عام 2004 مع صعود خدمات البث الرقمي.

 

لكن في حالات أخرى، تأخرت الأسواق في إدراك الخطر. فقد استمرت أسهم شركتي "بلاكبيري" و"كوداك" في التداول عند مستويات مرتفعة نسبيًا حتى أصبحت مشكلاتهما واضحة، رغم أن التحول التكنولوجي كان قد بدأ بالفعل يقوض أعمالهما الأساسية.

 

 

تأثير التكنولوجيا الجديدة

 

وفي أحيان أخرى تبالغ الأسواق في تقدير تأثير التكنولوجيا الجديدة. فعندما بدأ توماس إديسون تطوير الإضاءة الكهربائية في سبعينيات القرن التاسع عشر، اعتقد كثيرون أن هذه التقنية ستقضي سريعًا على شركات الغاز التي كانت توفر معظم الإضاءة آنذاك. اندفع المستثمرون لتمويل شركات الكهرباء الجديدة، بينما تخلوا عن شركات الغاز.

 

لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا. فقد أدرك المستثمرون لاحقًا أن الإضاءة الكهربائية ستظل لفترة طويلة أكثر تكلفة من الغاز. وحتى بعد انخفاض أسعار الكهرباء تدريجيًا، استطاعت شركات الغاز التكيف عبر التوسع في استخدامات أخرى. ففي لندن، على سبيل المثال، كانت نسبة العملاء الذين يستخدمون مواقد الغاز لا تتجاوز 2% عام 1892، لكنها ارتفعت إلى أكثر من ثلثي العملاء بحلول عام 1911.

 

السوق الهابطة القطاعية

 

ولفهم هذه الظاهرة بصورة أوسع، حللت مجلة "الإيكونوميست" بيانات أسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية بين عامي 2005 و2026. ووجد التحليل نحو 80 حالة شهد فيها قطاع كامل ما يُعرف بـ"السوق الهابطة القطاعية"، أي تراجع أسهمه بأكثر من 20 نقطة مئوية مقارنة بالسوق العام خلال ثلاثة أشهر.

 

وغالبًا ما يعكس مثل هذا الانخفاض مخاوف المستثمرين من تغيرات هيكلية قد تضر بالقطاع، سواء بسبب تكنولوجيا جديدة أو تغيرات اقتصادية. لكن النتائج أظهرت أن الأسواق لا تكون على صواب دائمًا.

 

ففي نحو نصف الحالات بقيت الأسهم منخفضة لفترة طويلة، ما يعني أن المستثمرين كانوا محقين في تقديراتهم. ومن الأمثلة على ذلك صناعة الطاقة الشمسية الأوروبية التي تضررت بشدة من المنافسة الصينية في العقد الماضي. كما توقعت الأسواق أيضًا أن شركات الاتصالات ستواجه تحديات مع انتشار الإنترنت.

 

المخاوف الأولية

 

لكن في النصف الآخر من الحالات تعافت الأسهم لاحقًا وتفوقت على السوق العام خلال بضع سنوات، ما يشير إلى أن المخاوف الأولية كانت مبالغًا فيها. ومن الأمثلة البارزة شركات التبغ في الولايات المتحدة وأوروبا، التي شهدت أسهمها عدة موجات من التراجع الحاد بسبب القلق من السجائر الإلكترونية وتقنيات التدخين الجديدة، لكنها عادت للارتفاع مرارًا.

 

تشير هذه النتائج إلى أن الأسواق المالية تواجه صعوبة حقيقية في استيعاب التحولات الاقتصادية العميقة. ويتفق ذلك مع أبحاث أكاديمية، مثل دراسة للباحث سونغ ما من جامعة ييل، التي وجدت أن المحللين الماليين يميلون إلى المبالغة في تقدير أرباح الشركات حتى عندما تكون تقنياتها الأساسية في طريقها إلى التقادم.

 

خطر الذكاء الاصطناعي

 

هذا يعني أن المستثمرين قد يبالغون اليوم في تقدير خطر الذكاء الاصطناعي على بعض الشركات، بينما يقللون من المخاطر التي يواجهها آخرون. ويرجع ذلك إلى قدر كبير من عدم اليقين حول طبيعة التحول الذي قد يفرضه الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد.

 

أحد مصادر هذا الغموض يتعلق بالتكنولوجيا نفسها. فالذكاء الاصطناعي حقق تقدمًا سريعًا في مجالات مثل البرمجة وتحليل البيانات، لكنه لا يزال يتقدم بوتيرة غير متساوية في مجالات أخرى مثل الكتابة الإبداعية وتوليد الأفكار.

 

 

الاقتصاديات المحتملة

 

أما المصدر الثاني للغموض فيتعلق بالاقتصاديات المحتملة لما يُعرف بالذكاء الاصطناعي العام. فلا أحد يعرف بدقة من سيجني الأرباح الكبرى إذا أصبحت هذه التكنولوجيا واقعًا. فإذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى خفض الحواجز أمام دخول السوق، فقد تتراجع هوامش أرباح الشركات بدلاً من أن ترتفع.

 

كما أن شركات الذكاء الاصطناعي نفسها تواجه مفارقة واضحة. فهي تحقق نموًا سريعًا في الإيرادات، لكنها تتحمل أيضًا تكاليف ضخمة تتعلق بالحوسبة والبنية التحتية.

 

وتشير بعض الدراسات الاقتصادية إلى أن التكنولوجيات الجديدة قد تخلق فقاعات مالية بسبب حماس المستثمرين. لكن دراسات أخرى ترى أن الأسهم قد تنخفض لأن المستثمرين يتوقعون أن تذهب الأرباح المستقبلية إلى شركات جديدة لم تُدرج بعد في الأسواق. وهذا ما يراهن عليه كثير من المستثمرين في شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك".

 

وفي عالم تتغير فيه التوقعات بسرعة، قد يتحول خاسرو اليوم إلى فائزين غدًا. فكثير من الشركات نجحت عبر التاريخ في التكيف مع التحولات التكنولوجية وإعادة ابتكار نفسها.

 

شركة "ويسترن يونيون"، التي كانت عملاق التلغراف في القرن التاسع عشر، رفضت في البداية شراء براءة اختراع الهاتف من ألكسندر غراهام بيل، لكنها تمكنت لاحقًا من إيجاد مجال جديد للنمو عبر خدمات تحويل الأموال. أما شركة "أمريكان إكسبريس"، المعروفة اليوم ببطاقات الائتمان، فقد بدأت كشركة لنقل البضائع.

 

في حين أن شركة "سامسونغ"، إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، كانت في بداياتها شركة لبيع السمك المجفف.

 

شركات البرمجيات

 

وقد تشهد بعض شركات البرمجيات اليوم مسارات مشابهة، إذ قد تتمكن من إعادة ابتكار نفسها رغم الضغوط التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.

 

بالنسبة لمؤيدي فكرة كفاءة الأسواق، قد يبدو هذا العجز عن التنبؤ الدقيق بالمستقبل محبطًا. لكن الحقيقة أن الأسواق ليست سوى انعكاس للحكمة الجماعية للمستثمرين في لحظة معينة.

 

وطالما أن خبراء التكنولوجيا أنفسهم لا يتفقون على التأثير النهائي للذكاء الاصطناعي، فمن الطبيعي أن تبقى الأسواق في حالة حيرة. ففي وادي السيليكون، كما يُقال مازحًا، إذا تحدث مهندسان عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، فغالبًا ما يخرجان بثلاثة آراء مختلفة. وطالما استمر هذا الجدل، سيظل المستثمرون يبحثون عن إجابة لم تتضح بعد.

 

المصدر: "ذي إيكونوميست"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.