تشهد أسواق النفط حالة من الاستقرار النسبي قرب مستويات 95 – 97 دولاراً للبرميل، في ظل مؤشرات على توجه الولايات المتحدة وإيران نحو تمديد وقف إطلاق النار واستئناف المحادثات، ما يعكس تسعير الأسواق بشكل متزايد لسيناريوهات خفض التصعيد، رغم استمرار التوترات في مضيق هرمز.
وأوضح عدد من المحللين لـ أرقام، أن السوق يتحرك حالياً تحت تأثير قيود حقيقية على الإمدادات، مع استمرار تسعير الحرب، مقابل تفاؤل حذر بإمكانية التوصل إلى حلول دبلوماسية، إلا أن استمرار الضغوط على العرض يبقي الأسعار مدعومة عند مستويات مرتفعة.
تذبذب بين 96 و102 دولار.. قيود الإمدادات ومضيق هرمز يدعمان الأسعار

علي الريامي المدير العام السابق لتسويق النفط بوزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان
قال علي الريامي، المدير العام السابق لتسويق النفط بوزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان، إن أسعار النفط تتحرك حالياً في نطاق متذبذب نتيجة التطورات الجيوسياسية، حيث ارتفعت إلى نحو 101 – 102 دولار للبرميل مع تعثر المفاوضات، قبل أن تنخفض إلى قرابة 96 دولاراً مع عودة الحديث عن استئنافها.
وأضاف أن السوق يعيش حالة من التناقض بين سيناريوهين، هما استمرار إغلاق مضيق هرمز ونجاح المفاوضات، موضحاً أن الفارق السعري بينهما محدود نسبياً وقد لا يتجاوز نحو 10 دولارات، رغم الاختلاف الكبير في التأثيرات الأساسية، ما يعكس أن الأسعار لا تزال مدفوعة بعوامل الإمدادات أكثر من التوقعات.
وأشار إلى أن استمرار إغلاق المضيق، إلى جانب احتمال فرض حصار بحري على إيران، قد يؤدي إلى خروج نحو 1.7 مليون برميل يومياً من الأسواق، ما يعزز شح الإمدادات ويدعم بقاء الأسعار قرب مستويات 95 – 100 دولار.
ولفت إلى أن العوامل الجيوسياسية والإمدادات باتت متداخلة بشكل كامل، حيث إن تعطل ما بين 50% إلى 70% من الإمدادات يضغط على الطلب العالمي، وقد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي أو حتى الدخول في ركود عالمي إذا استمر الوضع الحالي.

لي شينغ جان مستشارة استراتيجيات الأسواق المالية لدى Exness
من جهتها، قالت لي شينغ جان، مستشارة استراتيجيات الأسواق المالية لدى Exness، إن مستوى أسعار منتجات الطاقة سيعتمد إلى حد كبير على تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط ونتائج الجهود الدبلوماسية الجارية.
وأضافت أن أسعار النفط قد تبقى مرتفعة لفترة من الزمن في ظل استمرار الاضطرابات، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز وتراجع مستويات الإنتاج، مشيرةً إلى أن عدة دول اضطرت إلى خفض إنتاجها نتيجة عدم قدرتها على التصدير عبر المضيق، إضافة إلى امتلاء قدراتها التخزينية، وهو ما قد يبقي السوق في حالة شح حتى بعد انحسار التوترات.
وأوضحت أن الأسعار قد ترتفع بشكل إضافي في حال تفاقم الأوضاع أو استمرار اضطرابات الإمدادات لفترة طويلة، مع اتساع حالات النقص عالمياً، في حين قد تنخفض تدريجياً في حال تراجع التوترات ونجاح المساعي الدبلوماسية وعودة الإنتاج والشحن إلى طبيعتهما.
وبيّنت أن تعليقات عدد من المسؤولين تتقاطع إلى حد ما، وتشير إلى احتمال بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة إذا استمرت الظروف في تضييق السوق، على أن تتراجع مع التوصل إلى حل واستئناف الشحن مجدداً.

مايكل براون كبير استراتيجيي الأبحاث لدى Pepperstone
وفي السياق ذاته، قال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث لدى Pepperstone، إن الأسواق بدأت تتجاوز الضوضاء الجيوسياسية اليومية، وتركز بدلاً من ذلك على الاتجاه العام الذي لا يزال يميل نحو التوصل إلى اتفاق سلام، إلا أن نظرة سوق النفط الخام تختلف نسبياً.
وأضاف أن ذلك يعود إلى أن أصولاً مثل الأسهم والسندات يمكن أن تغيّر اتجاهها بسرعة، في حين أن سوق النفط يعتمد بشكل أساسي على ديناميكيات العرض الفعلية، حيث لا تزال القيود قائمة، ليس فقط نتيجة إغلاق مضيق هرمز، بل أيضاً بسبب توقف الإنتاج في منطقة الخليج نتيجة نقص السعات التخزينية.
علاوة الحرب مُسعَّرة.. والأسعار مرشحة لمستويات أعلى
بيّن الريامي أن الأسعار الحالية تعكس بالفعل "علاوة الحرب"، مشيراً إلى أن أي ارتفاعات إضافية ستتطلب تطورات أكبر من الوضع الراهن، مثل استهداف مباشر لقطاع الطاقة في المنطقة.
وأوضح أن السوق لم يُسعّر بعد أسوأ السيناريوهات، حيث تمثل مستويات 100 – 105 دولارات الوضع القائم، بينما قد ترتفع الأسعار إلى نحو 120 دولاراً في حال تصعيد متوسط، وقد تتجاوز 150 دولاراً فقط في حال حدوث تصعيد حاد يشمل استهداف منشآت الإنتاج بشكل مباشر.
وأكد أن استمرار التصعيد حتى خلال فترات التفاوض يخلق حالة من عدم وضوح الرؤية في الأسواق، التي تتفاعل بسرعة مع الأخبار، ما يدعم تقلب الأسعار، مشدداً على أن ملف مضيق هرمز يجب أن يكون أولوية في أي مفاوضات نظراً لارتباطه المباشر بأمن الإمدادات العالمية.
ومن جانبها، أشارت جان إلى أن الأسعار قد تواصل الارتفاع في حال تدهورت الأوضاع أو استمرت اضطرابات الإمدادات لفترة طويلة، حيث قد تتسع حالات النقص على مستوى العالم، وترتفع الأسعار مع تنافس المستهلكين على الإمدادات المتاحة.
وأضافت أن أسعار النفط قد تبقى متقلبة في الوقت الحالي مع تفاعل المشاركين في السوق مع التطورات الجديدة، لافتةً إلى أن الأسواق لا تزال متفائلة ولكن بحذر في ظل المستجدات الراهنة، مع ترقب التوصل إلى اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي السياق ذاته، أشار براون إلى أن حالة الميل إلى التراجع "Backwardation" (ويوصف السوق بهذه الحالة عندما تكون الأسعار الفورية أعلى من المستقبلية) في منحنى الأسعار تعكس استمرار وجود علاوة على التسليمات الفورية، كما تشير في الوقت ذاته إلى أن قيود الإمدادات قد تكون قصيرة الأجل نسبياً على المدى العام.
وأضاف أن السوق لا يزال غير قادر على تسعير عودة كاملة إلى الوضع الطبيعي في ظل استمرار هذه القيود، كما أنه لم يُسعّر حتى الآن السيناريوهات الأكثر تشدداً، ما يعزز بقاء ديناميكيات العرض العامل الرئيسي المحرك للأسعار في المرحلة الحالية.
ما بعد الأزمة.. الأسعار لن تعود لما كانت عليه
قال الريامي إن الحديث عن بلوغ الأسعار ذروتها عند مستويات تفوق 105 دولارات يعكس سيناريو تصعيد وليس تهدئة، إذ إن الوصول إلى هذه المستويات يتطلب استمرار الحرب وإغلاق المضيق لفترة أطول.
ومن جانبها، أشارت جان إلى أنه في حال تراجع التوترات وتحقيق اختراق دبلوماسي، فمن المتوقع أن تنخفض أسعار النفط تدريجياً مع عودة أوضاع السوق الفعلية إلى طبيعتها، وارتفاع الإنتاج إلى مستوياته السابقة، واستئناف عمليات الشحن بشكل ملحوظ.
وأضافت أنه في حال تحقق تقدم فعلي في المفاوضات، قد تتعرض الأسعار لبعض الضغوط، غير أن الأسواق لا تزال تتعامل مع المشهد بتفاؤل حذر في انتظار مآلات الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران.
ورأى براون أن الحد الأدنى لأسعار النفط بعد انتهاء النزاع سيكون أعلى مما كان عليه قبله، نتيجة ثلاثة عوامل متشابكة، تشمل تسعير علاوة مخاطر جيوسياسية هيكلية أعلى، وعدم وضوح المدة اللازمة لعودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية، إلى جانب ارتفاع الطلب مدفوعاً بالحاجة إلى إعادة بناء الاحتياطيات الاستراتيجية التي تم السحب منها خلال الأسابيع الماضية.
وأشار إلى أن السوق لا يزال غير قادر على تسعير عودة كاملة إلى الوضع الطبيعي في ظل استمرار قيود الإمدادات، ما يعكس استمرار الضغوط الهيكلية على الأسعار حتى في حال انحسار التوترات.
وفيما يتعلق بالموقف السياسي الأمريكي، أوضح براون أن الإدارة الأمريكية تفضل انخفاض أسعار الطاقة، خاصة البنزين، ليس فقط بسبب الأضرار الاقتصادية المحتملة لارتفاع الأسعار لفترة طويلة، ولكن أيضاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث إن وصول أسعار البنزين إلى 4 أو 5 دولارات للجالون قد يشكل تحدياً كبيراً للحزب الجمهوري في صناديق الاقتراع.
وخلص إلى أن التركيز ينبغي أن ينصب على ديناميكيات السوق الفعلية والأوضاع على أرض الواقع، بدلاً من التصريحات أو الضغوط اللفظية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تحيط بأسواق الطاقة.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: