في خريف عام 2025، لم تكن معاول الهدم التي استهدفت أجزاءً من الجناح الشرقي للبيت الأبيض مجرد مشروع إنشائي لتوسعة قاعة احتفالات بتمويل خاص، بل كانت إعلاناً رمزياً لنهاية حقبة "الترميم" وبداية عصر "الهدم".
هذا المشهد، الذي اختاره تقرير ميونيخ للأمن 2026 كاستعارة مركزية، يجسد تحول القوة التي صاغت النظام الدولي عام 1945 إلى المعول الأول لتحطيمه، مفضلةً سياسة "كرة الهدم" على الإصلاح المؤسسي.
وبينما كانت الأحجار التاريخية تتساقط في واشنطن، كان العالم يشهد بزوغ فجر "رجال الهدم" الذين يرون في الانفصال عن القواعد الدولية والالتزامات الجماعية الوسيلة الوحيدة لاستعادة "السيادة الوطنية"، تاركين الحلفاء والشركاء في حالة من الذهول الاستراتيجي أمام أنقاض النظام العالمي الذي تقوده واشنطن.

لماذا دخل العالم حقبة "سياسة معول الهدم"؟
ترتكز هذه السياسة على قناعة تيار سياسي صاعد بأن الهدم الشامل للمؤسسات القائمة أجدى من الإصلاح التدريجي البطيء.
يغذي هذا التوجه شعور شعبي بالإحباط من فشل الأنظمة الديمقراطية في معالجة أزمات غلاء المعيشة وتآكل الطبقة الوسطى.
كيف تبخرت الثقة في القيادة الأمريكية عالمياً؟
سجل "مؤشر ميونخ للأمن 2026" تراجعاً حاداً في الثقة بـ "واشنطن" عبر دول مجموعة السبع، حيث بلغت الذروة في "كندا" بانخفاض قدره 52%.
أظهر الحلفاء الأوروبيون، لا سيما في "إيطاليا" و"فرنسا" و"ألمانيا"، تراجعاً في مستويات الموثوقية بنسب تتراوح بين 15% و21%.
|
تآكل الثقة العالمية في الدور القيادي للولايات المتحدة |
||
|
# |
الدولة |
تراجع الثقة في الولايات المتحدة % |
|
1 |
كندا |
(52 %) |
|
2 |
إيطاليا |
(21 %) |
|
3 |
جنوب أفريقيا |
(21 %) |
|
4 |
البرازيل |
(20 %) |
|
5 |
فرنسا |
(17 %) |
|
6 |
اليابان |
(16 %) |
|
7 |
ألمانيا |
(15 %) |
|
8 |
المملكة المتحدة |
(13 %) |
|
9 |
الهند |
(10 %) |
|
10 |
الصين |
(9 %) |

كيف أثر تراجع الثقة في الولايات المتحدة على مفهوم "وحدة الغرب"؟
يرى 53% من الكنديين و49% من الأمريكيين أن الغرب أصبح "أكثر انقساماً" مقارنة بما كان عليه قبل 10 سنوات.
تراجع تصنيف روسيا كخطر أمني في دول مجموعة السبع من المرتبة الثانية إلى الثامنة، في مقابل صدارة حملات التضليل والهجمات السيبرانية للمخاطر المحتملة.
|
ثقة الشعوب في قدرة حكوماتها على حماية الأجيال القادمة |
|||
|
# |
الدولة |
الأجيال القادمة "أسوأ حالاً" (%) |
الأجيال القادمة "أفضل حالاً" (%) |
|
1 |
فرنسا |
60 % |
12 % |
|
2 |
المملكة المتحدة |
53 % |
20 % |
|
3 |
ألمانيا |
51 % |
13 % |
|
4 |
الولايات المتحدة |
45 % |
31 % |
|
5 |
الصين |
9 % |
80 % |
هل فقدت الشعوب الأمل في مستقبل الأجيال القادمة؟
كشفت البيانات أن أغلبية مطلقة في "بريطانيا" و"فرنسا" و"ألمانيا" تعتقد أن سياسات حكوماتها ستجعل الأجيال القادمة أسوأ حالاً.
يسود شعور جماعي بالعجز في دول مجموعة السبع تجاه مخاطر كونية مثل التغير المناخي والتحولات التكنولوجية المتسارعة في ظل شلل المؤسسات الدولية، مقابل تفاؤل بنسبة 80% في الصين.

ما هو مصير "حلف الناتو" والأمن الأوروبي؟
تعيش "أوروبا" حالة من عدم اليقين بسبب تقلب المواقف الأمريكية بين الطمأنة والابتزاز، مما دفع 43% من الفرنسيين لتأييد زيادة الإنفاق الدفاعي، ويقترح التقرير ضرورة تشكيل تحالفات رائدة مثل "فايمار بلس" (ألمانيا، فرنسا، بولندا، وبريطانيا) لقيادة التكامل الدفاعي دون انتظار الإجماع الكامل.
أدى تذبذب دعم واشنطن لأوكرانيا والخطاب التهديدي تجاه "جرينلاند" إلى شعور أوروبي حاد بانعدام الأمن، ولذلك تسعى العواصم الأوروبية لتحقيق استقلالية استراتيجية عبر تفعيل بند الدفاع المشترك والاستثمار في مواردها الذاتية.
كيف تتشكل خارطة القوى في منطقة "المحيطين الهندي والهادئ"؟
تواجه دول المنطقة صعوداً صينياً شرساً في ظل شكوك متزايدة حول التزام "واشنطن" الفعلي بحماية شركائها التقليديين.
يخشى الحلفاء الآسيويون من "منطق الصفقات" الذي قد تبرمه واشنطن مع "بكين" على حساب مصالحهم الأمنية القومية.
هل لفظ النظام التجاري العالمي أنفاسه الأخيرة؟
أطاحت الإدارة الأمريكية الحالية بقواعد "منظمة التجارة العالمية" عبر فرض تعريفة جمركية شاملة واستخدام الإكراه الاقتصادي كأداة سياسية أولية.
تحولت التجارة من محرك للنمو المشترك إلى ساحة "حروب خنادق" تستخدم فيها الصين وأمريكا نقاط الاختناق الاقتصادي كسلاح استراتيجي.

من هم "رجال الهدم" الجدد في السياسة الدولية؟
يبرز قادة مثل "دونالد ترامب" و"خافيير ميلي" و"إيلون ماسك" كرموز لتيار يتبنى منطق "تحرك بسرعة وحطم الأشياء"، ويفضلون السرعة على المداولة، والأعمال الرمزية للتدمير على التكيف المؤسسي البطيء.
لأنهم يستبدلون التعاون القائم على المبادئ والقواعد الدولية بصفقات ثنائية تبادلية تخدم المصالح الشخصية أو القومية الضيقة، يحظى هذا الأسلوب "البلدوزري" بإعجاب حذر من فئات ترى في تدمير البيروقراطية والمحاكم والاتفاقيات الدولية طريقاً لاستعادة السيادة الوطنية.
نهاية المطاف
إن المشهد الاقتصادي الحالي يشير إلى أن "العصر الذهبي" للعولمة المنضبطة قد ولى، ليحل محله نظام هجين يمزج بين الحمائية والتحالفات الإقليمية.
حيث يواجه المستثمرون عالماً محكوماً بالمصالح الخاصة والصفقات العابرة بدلاً من القوانين المستقرة، مما يرفع تكاليف التحوط والمخاطر السياسية، وتبرز "شريعة الغاب" الاقتصادية التي تميز الأقوياء والأثرياء، بينما يظل الطامحون للتغيير الجذري هم الأكثر عرضة لخسارة مكتسباتهم.
ولذلك فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد "تصحيح مسار"، بل هو إعادة صياغة جذرية لمفهوم الدولة والقوة، وبالنسبة للمستثمرين والشركات، فإن القيمة الحقيقية لم تعد تكمن فقط في كفاءة سلاسل التوريد، بل في مدى القدرة على التكيف مع التغيرات الجيوسياسية المفاجئة.
وفي ظل تحول مهندس النظام الدولي إلى معول لهدمه، هل ستكفي "الاستقلالية القسرية" للحلفاء لبناء هيكل مستقر جديد، أم أننا نشهد الأنقاض الأخيرة لحضارة سادت لأكثر من ثمانية عقود؟
المصدر: تقرير مؤتمر ميونخ للأمن 2026
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: