«الغرفة»: قواعد الحوكمة تخالف قانون الشركات.. ومبادئ دستورية
أعدت غرفة تجارة وصناعة الكويت مذكرة حول قرار هيئة أسواق المال بإصدار قواعد حوكمة الشركات الخاضعة لرقابتها.
وقالت غرفة التجارة والصناعة انها لا تهدف من مذكرتها هذه الى مناقشة مفهوم الحوكمة واهمية تطبيق قواعده، لانها في طليعة الداعين الى الاسراع بهذه الخطوة الضرورية والمستحقة، ولانها تعرف تماما ان الحوكمة اضحت ضرورة ولم تعد خياراً.
ما تهدف اليه الغرفة من هذه المذكرة هو التأكد من سلامة وكفاءة قواعد الحوكمة التي اصدرتها هيئة اسواق المال، وذلك من خلال عرض صريح وموضوعي لما أبدته كثير من القطاعات والشركات المعنية بتطبيق هذه القواعد من اراء، ولما خرجت به الغرفة من ملاحظات تتناول هذه القواعد من حيث انسجامها التام مع القواعد الدستورية والضوابط القانونية اولاً، ومن حيث المنهج الذي اختارته الهيئة في وضع قواعد الحوكمة وتنفيذها ثانياً، ومن حيث مواءمة هذه القواعد للبيئة الاجتماعية والمرحلة التنموية في البلاد ثالثاً.
تؤكد الغرفة ان القراءة الصحيحة لمذكرتها هذه لابد ان تكون في ضوء الحقائق والاعتبارات التالية:
• بعد سنوات قليلة من قيام سوق الكويت للاوراق المالية، دعت الغرفة الى ايجاد هيئة رقابية لاسواق المال، تختص بمهام التشريع والمراقبة والمتابعة، وتترك للسوق (البورصة) مهمة التداول، ومنذ بدء الجهود الرامية الى اصدار تشريع بإنشاء الهيئة المطلوبة، والغرفة تدعم هذه الجهود وتشارك فيها.
وللغرفة مواقف معروفة ومعلنة في دعم جهود الهيئة بعد قيامها، وفي تأكيد تقديرها لمنجزات ومناقب مجلس مفوضيها، وفي الدعوة الملحة الى الاحترام الكامل لاستقلاليتها، والنأي بها عن التسييس، وحمايتها من الضغوط بكل اشكالها حماية للمصلحة العامة، غير ان الاستقلالية لا تعني العزلة، كما ان هذه الاستقاللية لابد وان يوازيها ويقابلها التزام كامل بالموضوعية العلمية والحرفية المهنية والضوابط التشريعية، فمن اهم مبادئ الحوكمة واهدافها توثيق العلاقة المتبادلة بين مجالس الادارة والمساهمين وغيرهم من اصحاب المصالح، وعملا بهذا المبدأ لابد من ان تنظر الهيئة الى الشركات التي تخضع لرقابتها باعتبارها شرط وجود الهيئة، ومقياس نبض السوق، وصاحبة المصلحة الفعلية بالادارة الحكيمة الرشيدة، وبالتالي فإن العلاقة بين الهيئة والشركات المعنية بقواعد الحوكمة يجب ان تكون علاقة قائمة على الثقة المعززة بالرقابة، وليست علاقة قائمة على الرقابة المنطلقة من الشك.
• صحيح ان العديد من الآراء الواردة في هذه المذكرة قد وردت اساساً من ملاحظات شركات ذات مصلحة، ولكن من الصحيح - ايضا - ان الغرفة لم تنته الى مذكرتها هذه الا بعد دراسة عالية الموضوعية ومطلقة الانحياز الى المصلحة العامة. وفي كل الاحوال، ان صدور الرأي عن صاحب مصلحة يجب الا يعيب هذا الرأي او يدفع الى التشكيك في صحته وهدفه، فالعبرة في قيمة النص، وليست في موقع الشخص، والا اصبحنا نعالج القضايا باسلوب محاكمة النوايا، خصوصاً أن مفهوم الحوكمة يقوم اصلا على ايجاد توازن عادل بين اصحاب المصالح. واذا كنا نشيد صادقين بكفاءة وحيادية مجلس مفوضي الهيئة، فان من واجبنا ومن واجبهم - في آن معاً - الا ننسى ان هذه المناقب المهنية والشخصية يمكن ان تحصن صاحبها من الخطيئة، ولكنها لا تعصمه - بالضرورة - من الخطأ. فكل منا هنا مجتهد، وكل منا مخلص في نيته واجتهاده.
1 - من حيث السند التشريعي والانضباط القانوني
أولاً - قواعد الحوكمة صدرت استناداً إلى قانون الشركات ويجب أن تتطابق مع أحكامه
من اللافت فعلا ان القانون 2010/7 بشأن انشاء هيئة اسواق المال لم يعقد للهيئة اختصاص وضع قواعد حوكمة الشركات. وقد اجتهد مجلس مفوضي الهيئة في محاولة تدارك هذه الحقيقة من خلال اللائحة التنفيذية للقانون المذكور، والتي نصت في مادتها الاربعين على وجوب اصدار الهيئة نظاما خاصا للحوكمة، غير ان اجتهاد الهيئة هذا قد جانبه التوفيق.
فالقاعدة المستقر عليها قانونا تقول إن تحديد اختصاص اي هيئة او جهة هو من عمل القانون، وعلى الجهة او الهيئة ان تلتزم حدود الاختصاص كما رسمها القانون، وبما ان اختصاصات هيئة اسواق المال قد تحددت في قانونها وعلى سبيل الحصر، فإن من غير الجائز لمجلس مفوضي الهيئة ان يعطيها اختصاصا جديدا لم يرد ذكره في القانون.
في المقابل، نصت المادة 217 من قانون الشركات رقم 97 لعام 2013، على ان «تضع الجهات الرقابية المعنية قواعد حوكمة الشركات الخاضعة لها بما يحقق افضل حماية وتوازن بين مصالح ادارة الشركات والمساهمين فيها، واصحاب المصالح الاخرى المرتبطة بها، كما تبين الشروط الواجب توافرها في اعضاء مجلس الادارة المستقلين». كما نصت المادة 226 من قانون الشركات على ان «تضع الهيئة القواعد التي تنظم تداول اعضاء مجلس الادارة في اسهم الشركة وطريقة الإفصاح عنها».
إذن، إن الهيئة تستمد اختصاصها في اصدار قواعد حوكمة الشركات من قانون الشركات 2013/97 وليس من قانون انشاء الهيئة 2010/7. ويبدو ذلك واضحا كل الوضوح حين نجد ان الهيئة قد استخدمت في قرار قواعد الحوكمة (الصفحة 3) العبارة نفسها الواردة في المادة 217 من قانون الشركات، فذكرت ان قواعد حوكمة الشركات تتمثل في المبادئ والنظم والاجراءات «التي تحقق افضل حماية وتوازن بين مصالح ادارة الشركة والمساهمين فيها، واصحاب المصالح الاخرى المرتبطة بها».
بناء على ذلك، أصبح من الواجب ان يلتزم قرار الهيئة بشأن قواعد حوكمة الشركات بنصوص قانون الشركات ولائحته التنفيذية، فلا يخرج عن اطارهما ولا يزيد عليهما ولا يتوسع في اي من موادهما.
ثانياً: خروج قواعد الحوكمة عن ضوابط وأحكام قانون الشركات
1 - التوسع في مفهوم الشركات الخاضعة خلافاً لصريح المادة 217 من قانون الشركات.
فوضت المادة 217 من قانون الشركات لكل جهة رقابية وضع قواعد الحوكمة للشركات التي تخضع لرقابتها، وذلك تجنباً للتداخل بين الجهات الرقابية (بنك الكويت المركزي، هيئة اسواق المال، ووزارة التجارة والصناعة)، فما الشركات التي تخضع لرقابة هيئة اسواق المال والتي تكون - بالتالي - خاضعة لقواعد الحوكمة التي اصدرتها الهيئة بقرارها (2013/25)؟
نجد الاجابة عن هذا التساؤل الاساسي في البند الرابع من المادة الخامسة من قانون هيئة اسواق المال، والذي ينص على ان تقوم الهيئة «بمراقبة نشاط الاشخاص المرخص لها بموجب هذا القانون» والاشخاص المرخص لها بموجب قانون الهيئة ولائحته التنفيذية هي: البورصة، المقاصة، شركات الوساطة المسجلة لدى البورصة، صناديق الاستثمار، شركات الاستثمار ووكالات التصنيف الائتماني وبالتالي تخرج من نطاق الاشخاص الخاضعة لرقابة الهيئة تلك التي لا تعمل في اي من نشاطات الاوراق المالية المشار اليها حتى ولو كانت مدرجة في البورصة، فتخرج من رقابة الهيئة البنوك، وشركات الصناعة والعقار والخدمات غير المادية، وكذلك الشركات الاجنبية المدرجة في البورصة.
2 - التوسع في تفسير المادة 217 من حيث مجالات قواعد الحوكمة:
نجد ان المشرع اراد تقليص المجالات التي تخاطبها قواعد الحوكمة، غير ان الهيئة ذهبت في الاتجاه المعاكس، فتوسعت في قواعدها وفي مجالاتها وتفاصيلها اكثر من اي مدونة اخرى لقواعد الحوكمة ليس في المنطقة فحسب، بل وفي كثير من الدول ذات الاسواق المتقدمة والناشئة على حد سواء. ومن ضمن المجالات التي توجهت اليها القواعد خروجاً على نص المادة 217 سالفة الذكر، تحديد المهام والمسؤوليات (قاعدة 2)، تعزيز السلوك المهني والقيم الاخلاقية (قاعدة 6)، تعزيز وتحسين الأداء (قاعدة 10)، واهمية المسؤولية الاجتماعية (قاعدة 11).
3 - مبادئ تخالف قانون الشركات ولائحته التنفيذية:
من المستقر تشريعاً واجماعاً - كما ذكرنا، ان اللوائح والقرارات والتعليمات لا يجوز لها ان تتضمن اي اضافة او تعديل او تعطيل أو تقييد لاحكام القانون الذي تتعلق به، باعتباره بموقع اسمى في سلم التشريعات، وباستعراض مواد قرار الهيئة رقم 2013/25 بشأن اصدار قواعد حوكمة الشركات الخاضعة لرقابتها، نلاحظ ان العديد من مبادئ اللائحة جاء مخالفاً لاحكام قانون الشركات، وقد اخذت معظم هذه المخالفات اتجاهاً واحداً هو اتجاه التزيد والتشدد إن صح التعبير.
ثالثا - تجاوز الضوابط القانونية في تنظيم تداول اسهم الشركات من قبل أعضاء مجلس إدارتها
عهدت المادة 22 من قانون الشركات الى الهيئة وضع القواعد التي تنظم تداول اعضاء مجلس الإدارة في اسهم الشركة وطريقة الافصاح عنها «وبناء على ذلك اصدرت الهيئة تعليماتها بهذا الشأن تحت رقم (هــ.أ.م/ق.د/ح.ش/2013/5)، وأوضحت الهيئة في مقدمة هذه التعليمات انها اصدرتها في اطار تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة وبما اننا نعتقد ان هذه التعليمات قد حفلت بالعديد من المخالفات الواضحة ليس فقط لقانون الشركات بل لقواعد دستورية ثابتة ايضا - وكما سنثبت من خلال الأمثلة الواردة ادناه فإن من المنطقي ان ندرج مناقشة هذه التعليمات في اطار مذكرتنا هذه والمعنية بمناقشة قواعد حوكمة الشركات.
• نصت المادة 266 من قانون الشركات على ان تضع الهيئة القواعد المنظمة لتداول اعضاء مجلس الإدارة في اسهم الشركات التي يشغلون عضوية مجلس إدارتها، إلا ان تعليمات الهيئة في هذا الشأن امتدت الى زوج عضو مجلس الادارة واقاربه من الدرجة الأولى، كما شملت اعضاء الجهاز التنفيذي بالشركة من المطلعين وازواجهم واقاربهم من الدرجة الأولى.
اضافة الى ذلك لم تتقيد «التعليمات» بما جاء في المادة 226 المذكورة من حيث قصر تطبيقها على مجلس ادارة الشركة المصدرة للاسهم، بل تجاوزت ذلك الى الشركات الام او التابعة او الزميلة للمصدر.
ونجد ان هذه التعليمات قد حظرت على اعضاء مجلس الادارة التداول في اسهم الشركات الام او التابعة او الزميلة خلال فترات معينة، كما انها وسعت هذا الحظر ليشمل المطلعين من الجهات التنفيذية وازواج هؤلاء جميعا، واقرباءهم وبصرف النظر عن مبررات مثل هذا الحظر من الناحية العملية، يبقى فرضه من المسائل التي يجب ان ينظمها القانون ولا يجوز ان يقرر بتعليمات.
2 - من حيث منهجية الهيئة في وضع قواعد الحوكمة
اعتمدت غالبية الجهات الرقابية لدى وضعها لقواعد الحوكمة على المبادئ الرئيسية التي اقرتها المنظمة الدولية لاسواق المال، والتي تتكون من 38 مبدأ، موزعة على تسع مجموعات رئيسية.
والقراءة المقارنة والمتمعنة لمدونة قواعد الحوكمة التي اصدرتها هيئة اسواق المال في الكويت، تبين بوضوح ان منهجية الهيئة في وضع هذه القواعد اتسمت بصفات رئيسة ثلاث: التوسع، والتشدد، والالزام. وهذا ما نحاول عرضه فيما يلي:
أولا - التوسع والتشدد
جاءت مدونة الحوكمة التي اصدرتها الهيئة بــ70 صفحة تتضمن 32 مبدأ، موزعة على 11 قاعدة. بينما اتسمت لائحة الحوكمة السعودية بالخلو من اي تعقيد، فلم يتجاوز حجمها 19 صفحة تضمنت 15 مبدأ، موزعة على ثلاثة محاور فقط هي: حقوق المساهمين، والافصاح والشفافية، ومجلس الادارة وحذت ضوابط الحوكمة الاماراتية حذو اللائحة السعودية، من حيث المحاور، فجاءت في 16 مادة، و17 صفحة. وركزت اللائحة البحرينية على مجلس الادارة والعلاقة مع المساهمين من خلال 25 صفحة. وهذا نفس حجم لائحة الحوكمة المصرية، ودليل الحوكمة الاردنية.
اما دليل حوكمة الشركات بالمملكة المتحدة في طبعته الصادرة عام 2012، فقد اضاف الى المحاور الثلاثة المذكورة محور «حوكمة الشركات» ومحور الرقابة والتدقيق الداخليين. وصدر في 18 مبدأ، و34 صفحة منها 20 صفحة للمبادئ والباقي للمقدمة والمرافق.
ورغم كفاية هذه المقارنة للتدليل على مدى مبالغة الهيئة بالدخول في التفاصيل، فإن شاهدا اخر على ذلك يتمثل في اللجان المتخصصة والمنبثقة عن مجالس ادارة الشركات فقد اوجبت قواعد الحوكمة في كل من الاردن والامارات والسعودية ومصر انشاء لجنتين على الاقل، وتركت للشركة خيار اقرار اي لجان اخرى تراها ضرورية. واكتفى دليل الحوكمة في المملكة المتحدة بفرض لجنة واحدة فقط، اما هيئة اسواق المال في الكويت فقد اوجبت انشاء خمس لجان على الاقل وتدخلت بأدق تفاصيل تشكيل هذه اللجان.
اما عن «تشدد» مدونة الحوكمة، فإن اول شواهده هو التوسع في التفاصيل بحد ذاته. لان هذه المبالغة تمثل شكلا من اشكال التشدد. وقد سبق ان عرضنا نماذج عن تجاوز قواعد الحوكمة لقانون الشركات ولائحته التنفيذية، بل ولعدد من القواعد الدستورية. وهي نماذج اتجهت كلها في تجاوزها باتجاه التشدد، اذ زايدت على ما فرضه القانون ولائحته.
ثانيا - الزامية تطبيق جميع القواعد والمبادئ
جاء في اخر صفحات قواعد الحوكمة التي اصدرتها الهيئة انه «يتعين تزويد الهيئة بشكل دوري ربع سنوي بما يفيد تنفيذ المتطلبات الواردة في قواعد حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة اسواق المال.. وان يتم الالتزام بما جاء في هذه القواعد خلال مدة اقصاها 31 ديسمبر 2014 هذا مع مراعاة قيام الشركة بالتطبيق الفوري لأي مبدأ او متطلب ورد في هذه القواعد وله صفة تشريعية ملزمة، وان عدم الالتزام بهذه القواعد من شأنه ان يعرض المخالف للمساءلة التأديبية وفقا للقانون رقم 2010/7 ولائحته التنفيذية».
تبعا لذلك، تكون الهيئة قد اخذت بمنهج الزامية القواعد، واعتبرت ان عدم امتثال الشركات فور دخول القواعد حيز التنفيذ سيعرضها للجزاءات الملائمة. وقد اخذت دولة الامارات العربية المتحدة بمنهج الزامية القواعد هذا. اما الاردن والبحرين والسعودية ومصر فقد اخذت بقاعدة «الالتزام او التفسير» Comply OR Explain، الذي كانت لجنة Sir Cadbury في المملكة المتحدة اول من اوصى الجهات الرقابية باتباعها. وتقوم قاعدة الالتزام او التفسير -اي تفسير عدم الالتزام- على ان الجهة الرقابية تضع للشركات دليلا للحوكمة، وتطبق كل شركة من مبادئ الدليل ما يتناسب مع حجمها وطبيعة نشاطها، كما تقوم بالافصاح عما لم تطبقه من مبادئ وردت بالدليل، وتبين اسباب عدم اخذها بتلك المبادئ، تاركة لاصحاب المصالح، بمن فيهم المساهمون، ان يقرروا - في ضوء ذلك - التعامل مع الشركة او الاستثمار فيها. كما يقع على عاتق المساهمين توجيه ادارة الشركة نحو الالتزام بالمبادئ بشكل تدريجي وصولا الى الالتزام التام بالقواعد.
3 - من حيث مواءمة البيئة الاجتماعية والمرحلة التنموية
جاء في مقدمة لائحة قواعد الحوكمة في المملكة المتحدة، ان هذه القواعد يجب ان تبقى كدليل ذي خطوط عريضة ومبادئ عامة، فهي مهما ذهبت في التفاصيل لا تستطيع ان تضمن ان تمارس مجالس الادارة سلوكاً فاعلاً وحكيماً، ذلك ان المجالات التي يجب ان تطبق عليها هذه القواعد اكثر اتساعاً، وتنوعاً من ان يحاط بها جميعاً، وبالتالي، يجب ان تبقى لمجلس الادارة مساحة كافية من المرونة ليقرر بنفسه كيف يتصرف ضمن اطار هذه القواعد العريضة.
إذا كان من الواجب ان تنسجم نصوص قواعد الحوكمة مع المنطلقات العالمية المتفق عليها، وان تتطابق مع النصوص التشريعية الاعلى درجة، فإن انتشار أو إذكاء «روح الحوكمة» انما يرتبط الى حد بعيد بمراعاتها للبيئة الاجتماعي التي ستطبق فيها، وتفهمها لاحتياجات المرحلة التنموية التي تصدر خلالها، وفي اعتقادنا ان قواعد الحوكمة التي اصدرتها هيئة اسواق المال قد انحازت بشدة الى «النص» وفنيته وتفاصيله وتشدده على حساب «الروح» ومراعاة البيئة الاجتماعية والمرحلة التنموية، بما فيها قدرة الهيئة نفسها على ممارسة حقها في مراقبة تنفيذ قواعد الحوكمة بعدالة وسرعة وكفاءة ولعل في الملاحظات التالية ما يقدم ايضاحاً وبرهاناً لما نزعم.
أولاً - العضو المتسقل
بموجب القاعدة الاولى المتعلقة «ببناء هيكل متوازن لمجلس الادارة» يجب ان يتضمن المجلس اعضاء مستقلين لا يزيد عددهم على نصف اعضاء المجلس، ولا يشترط في العضو المستقل ان يكون مساهماً في الشركة، ولتعريف العضو المستقل اعتمدت اللائحة الاسلوب السلبي فعددت «ما يتنافى مع استقلاليته» فهو يجب الا يملك خمسة في المائة او اكثر من اسهم الشركة أو في اي شركة تابعة، وهو يجب الا يكون عضو مجلس ادارة أو من التنفيذيين العاملين في الشركة أو مجموعتها، والا يكون على صلة قرابة من الدرجة الاولى أو الثانية مع اي من اعضاء مجلس الادارة او كبار التنفيذيين فيها او في اي شركة من مجموعتها، والا يكون موظفاً خلال العامين السابقين لدى اي من الاطراف ذات العلاقة بالشركة أو بأي شركة من مجموعتها كمراقبي الحسابات وكبار الموردين، وهذا كله على سبيل المثال، لا الحصر كما تؤكد اللائحة.
وبتعبير مختصر، إن العضو المستقل، في بلد لا يتجاوز حجم سكانه 1.3 مليون نسمة، منهم اقل من 700 الف مواطن فوق سن العشرين، يجب ان يكون إما شاباً حديث التخرج لم يكتسب بعد اي خبرة، أو متقاعداً منذ فترة تزيد على سنتين وقليل الاهل والاقارب.
وبعد هذه الشروط كلها، تعطي اللائحة للعضو المستقل موقعاً في مجلس الادارة لا يعتبر متميزاً فقط، بل يكاد يشكل بحد ذاته طعناً مباشرا في كفاءة وخبرة وحيادية بل وامانة غيره من اعضاء المجلس «غير المستقلين».
بقي ان نذكر في هذا الصدد، ان قواعد الحوكمة تشترط وجود عضو مستقل في كل اللجان الخمس التي يجب ان يشكلها مجلس الادارة، فإذا ضم مجلس الادارة عضواً مستقلا واحداً فإن قواعد الحوكمة توجب ان يكون هذا العضو مشاركاً في عضوية اللجان الخمس.
ان هذا التمييز الغريب بين الاعضاء المستقلين وزملائهم في مجلس الادارة يتنافى كلياً مع قواعد الحوكمة ومبادئها، وان هذه الريبة العميقة والواضحة في تأثير صلة القرابة على مواقف وقرارات اعضاء مجلس الادارة تعبر عن انفصال ضار بين اللائحة وطبيعة المجتمع الكويتي الذي تسوده صلات اخرى عديدة غير صلات القرابة وربما اقوى منها في بعض الحالات، ولو تعاملت اللائحة مع هذه الصلات تعاملها مع صلة القربى لما بقي مواطن كويتي مؤهلا لشغل منصب عضو مجلس ادارة مستقل، ولابد ان نذكر بعد كل هذا ان عضو مجلس الادارة المستقل يجب ان ينتخب من قبل الجمعية العمومية، اي يجب ان ينتخب من قبل مجموعة المالكين وبأصواتهم.
وهذه الحقيقة وحدها تفرغ كل شروط الاستقلالية من مضامينها، وتؤكد ان «استقلالية القرار والفكر» قضية اخلاقية وقيمية بالدرجة الاولى، فالتحرر من الضغوط ارادة شجاعة واحترام للنفس، والخضوع لضغوط القربى او السياسة او القبيلة او الطائفة هو موقف يعكس ضعفا او طمعاً.
ثانياً: التدرج في التطبيق
نعتقد ان اغفال قواعد الحوكمة لمبدأ التدرج في التطبيق يعكس بوضوح غياب اعتبارات بيئة الاعمال المحلية والمرحلة التنموية عن هذه القواعد.
فالتدرج في فرض مثل هذه المتطلبات الكثيرة والمتوسعة والمتشددة هو من اول شروط النجاح في التطبيق.
والسؤال الاهم الذي يفرض نفسه بإلحاح هنا، يتعلق مباشرة بمدى قدرة هيئة اسواق المال حديثة الانشاء على ممارسة حقها في متابعة كل الشركات التي اخضعتها لقرار قواعد الحوكمة، وبمستوى الكفاءة والسرعة والعدل الذي تفرضه الحوكمة نفسها!!
ثالثا: مراجعة جودة التدقيق
بموجب المبدأ الثالث من القاعدة الخامسة من قواعد الحوكمة، على الشركة الخاضعة تكليف مكتب تدقيق مستقل للقيام بتقييم ومراجعة الضوابط الداخلية واعداد تقرير حولها، وهذا التكليف يعني تكلفة مالية عالية قد لا يمكن للعديد من الشركات الخاضعة (وبخاصة تلك المرخص لها) ان تتحملها دون تأثير كبير على جدواها المالي.
رابعاً: التبليغ عن الشكوك
ضمن منهجية تطبيق القاعدة السادسة الخاصة «بتعزيز السلوك المهني والقيم الاخلاقية» جاء مايلي: «وضع آلية تتيح للعاملين في الشركة ان يبلغوا عن شكوكهم حول اي ممارسة غير سليمة او امور تثير الريبة في التقارير المالية او انظمة الرقابة الداخلية او اي امور اخرى، فضلا عن وضع الترتيبات المناسبة التي تسمح بإجراء تحقيق مستقل وعادل لهذه المسائل، مع ضمان منح المبلغ حسن النية السرية التي تكفل حمايته من اي رد فعل سلبي او ضرر قد يلحقه نتيجة ابلاغه عن تلك الممارسات}.
وهذا النص يثير تساؤلات عديدة منها: لمن يتم الابلاغ؟ وما هي الممارسات غير السليمة والامور الاخرى؟ وما معيار «حسن النية»؟ والاهم من هذا كله، لماذا تعلم «قواعد الحوكمة» العاملين في الشركة ان يحاذر بعضهم بعضاً! وتدع مجالا لان تضيع الشركة الجهد والمال للتحقيق في مجرد شكوك ان انظمة العمل وفي طليعتها «قواعد الحوكمة» هي التي يجب ان تحول دون الممارسات غير السليمة، فإذا اخفقت كلها في ذلك على من لديه الدليل ان يتجه الى النيابة العامة.
خامساً - الدور الحقيقي لمجلس الإدارة
لا ننكر أبداً أهمية «الجانب الفني» في مهام مجلس الإدارة. ولكننا نعتقد ان هذا الجانب يأتي بالدرجة الثانية، ويمكن دعمه بالجهاز التنفيذي والمستشارين المختصين، أما الدور الحقيقي والأهم لمجلس الإدارة - في رأينا - فهو إعطاء الشركة قوة اقتصادية، ومصداقية مجتمعية بحكم ملاءة أعضائه وموقعهم وسمعتهم، وبحكم مناقبهم الشخصية وأخلاقياتهم العامة والخاصة، فضلاً عن انفتاحهم الفكري وحماسهم لتحمل المسؤولية. وإغفال هذه الناحية بالغة الأهمية، التي لا يمكن اكتسابها بالدورات التدريبية، سيعطينا مجالس إدارات ذات اختصاص فني على الأغلب، وذات شخصية غير إدارية على الأغلب أيضاً.
سادساً - مراعاة الاختلافات بين الشركات
هناك تباين كبير بين الشركات في الحجم وطبيعة العمل والأهمية، والخصوصية.. وبالتالي، فإن قواعد الحوكمة السليمة لا يمكن أن تكون واحدة لكل هذه الشركات على تباينها، كما ان قواعد الحوكمة يجب أن تراعي مصالح وظروف وبيئة الدولة التي تصدر فيها، ولو أدى هذا إلى خروج مقبول عن قواعد الحوكمة في بلاد أخرى.
سابعاً - التكلفة المالية والمعنوية
لا ندعي اننا نملك تقديراً دقيقاً بدرجة مقبولة للتكاليف المترتبة على الشركات الخاضعة مقابل امتثالها لكامل قواعد الحوكمة وخلال فترة لا تتعدى 31 ديسمبر 2014، ولكننا نرجح ان هذه التكاليف ستكون مرتفعة بكل المقاييس، ليس فقط لوضع الأنظمة وتعيين الموظفين والاستعانة بالخبرات اللازمة لتأسيس نظام فعال لتنفيذ قواعد الحوكمة، بل وللاستمرار في إدارة نظام الحوكمة وتكاليفه الجارية بعد ذلك.
بل اننا لا نخفي قلقنا من أن يؤدي تشدد واتساع المتطلبات، وعدم تدرج التطبيق إلى تشجيع الشركات التي ليس هناك ما يلزمها بالإدراج إلى طلب الانسحاب من سوق الكويت للأوراق المالية، وإلى أن يثني الشركات الجديدة عن طلب الإدراج، كما ان هذا التشدد والتوسع قد يبعدان أصحاب الخبرة والكفاءة والشخصية ذات المصداقية المجتمعية من الترشيح لمجالس الإدارة.
وختاماً
نحن هنا لن نحاول أن نضع توصيات أو نطرح حلولاً، لأننا نقدم المذكرة إلى جهة ذات كفاءة واختصاص واستقلالية. جهة تعرف تماماً كيف تعالج مواقع التعارض والتشدد والتوسع إذا ما اقتنعت بصحتها، كما تعرف تماماً اننا نرحب بفرصة تدارس هذه المذكرة معها، بصورة موضوعية وفي إطار صيغة تقوي علاقتها بالشركات المعنية من دون أن تؤثر في استقلاليتها في اتخاذ القرار. ولكننا في الوقت ذاته نشعر بحاجة حقيقية إلى أن نتدارس بعمق وبالتفصيل إمكانية العودة إلى منهج الالتزام أو التفسير، الذي تعتمده أعرق الدول المتقدمة في قواعد الحوكمة كما تعتمده الهيئات الرقابية المختصة في معظم دول المنطقة.
بين الغرفة والهيئة
قالت الغرفة انه في أواخر يونيو 2013، أصدر مجلس مفوضي هيئة أسواق المال قراره رقم 2013/25 بشأن قواعد حوكمة الشركات الخاضعة لرقابة الهيئة.
وأضافت: بعد مضي عدة أشهر على صدور القرار، واتضاح معالمه وتفاصيله وتبعاته، بدأت الشركات المعنية اتصالاتها بالغرفة لعرض ملاحظاتها وآرائها حول القرار، مع ابداء رغبتها في أن تسعى الغرفة لمتابعة هذه الملاحظات والآراء مع هيئة أسواق المال.
ومن هذا المنطلق، أعدت الغرفة دراسة شاملة حول قواعد ومبادئ حوكمة الشركات التي تضمنها القرار 2013/25 المشار إليه. وقد أرسلت الغرفة دراستها هذه إلى هيئة اسواق المال رفق كتابها المؤرخ 27 يناير 2014، معربة عن أملها في أن تعتبر الهيئة هذه الدراسة بمنزلة ورقة عمل للقاء مشترك مع الهيئة يبحث فيه الطرفان الملاحظات الواردة في الدراسة بكل موضوعية، وباحترام كامل لسرية الموضوع واستقلالية الهيئة.
وبالفعل، استجابت هيئة أسواق المال مشكورة لطلب الغرفة، وعقد الاجتماع المشترك المطلوب يوم الخميس 20 فبراير الماضي، ورغم أن هذا الاجتماع قد انتهى إلى الاتفاق على عقد اجتماع آخر أو اكثر لمتابعة بحث الموضوع، فإن الهيئة عادت - في كتابها المؤرخ 2014/2/23 - إلى القول ان قواعد الحوكمة التي أصدرتها «جاءت في اطار ما تقضي به التشريعات واللوائح ذات الصلة، ووفق افضل الممارسات الدولية المعمول بها». كما أكدت الهيئة في كتابها الأخير هذا أن إدارة الحوكمة لديها على استعداد لاستقبال الفنيين لدى الغرفة لتوضح لهم قواعد الحوكمة.
وقد ردت الغرفة بتاريخ 2014/3/4 على كتاب الهيئة.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: