اعتمدت السلطنة في الخطة الخمسية التاسعة (2016 ـ 2020) للمرة الأولى مفهوم وآليات الخطة الدوارة والموازنة الصفرية حيث يتيح هذا الأسلوب الجديد تعديل الأهداف وفقا للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، ومراجعة المشروعات سنويا مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وتعتمد الموازنة الصفرية على عملية تخطيط تتطلب تبرير جميع محتويات الموازنة بالتفصيل ابتداء من نقطة الصفر مما يتطلب أن تقوم كل جهة بمراجعة وتقييم برامجها ومشاريعها الحالية والجديدة بطريقة منتظمة وأن تتم مراجعة البرامج والمشروعات على أساس التكلفة والعائد والفعاليـة.
واعتبر أكاديميون وخبراء اقتصاد أن الموازنة الصفرية أداة تخطيط ذات كفاءة عالية تمثل أحدث الأساليب والممارسات المتبعة في الموازنات الحديثة، وهي تركز على ترتيب أولويات الإنفاق العام وإعادة تقييم الأنشطة والبرامج والخدمات القائمة والجديدة على حد سواء؛ من أجل وضع سلم للأفضليات بينها، ويتم اللجوء إليها عادة عند التقلبات في الإيرادات بشكل سلبي أي انخفاض الإيرادات وكذلك عدم توفر سيولة بديلة على الأمد الطويل بما يساعد في دقة تحديد الأهداف ورفع الكفاءة ومرونة إعادة توزيع الموارد وتنمية مهارات العاملين فضلا عن إزالة ومراقبة الفوارق والاختلالات الجوهرية بين النفقات والإيرادات وترشيد الإنفاق وتعزيز مكانة السلطنة على المستوى الدولي في الإفصاح والشفافية.
وقالوا في استطلاع أجرته “عمان الاقتصادي” إن تطبيق الموازنة الصفرية من شأنه التقليل من المصاريف الزائدة والحد من هدر المال العام والتجاوزات والمخالفات المالية التي قد تحدث في بعض الوحدات الحكومية نتيجة عدم التقدير الدقيق لحجم المصروفات، مشيرين إلى أن التطبيق يتطلب إجراء تقييم شامل ومنتظم لجميع البرامج والمشروعات الحكومية التي تتضمنها الموازنة العامة للدولة مع عدم إعطاء أولوية للبرامج والمشروعات تحت التنفيذ على حساب المشروعات الجديدة عند توزيع الاعتمادات المالية.
مواكبة النمو الاقتصادي
يقول الدكتور ناصر بن راشد المعولي أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة السلطان قابوس إن تطبيق السلطنة للموازنة الصفرية في إعداد الموازنة العامة هذا العام يأتي متواكبا مع النمو الاقتصادي للدولة وتوسع أنشطتها الاقتصادية ومرافقها المختلفة كما أنه يأتي للتكيف مع المتغيرات والمستجدات في الاقتصاد العالمي.
ويرى المعولي أن الموازنة الصفرية من أحدث الأساليب والممارسات المتبعة في الموازنات الحديثة، وتركز على إعادة تقييم الأنشطة والبرامج والخدمات القائمة والجديدة على حد سواء، وذلك من أجل وضع سلم للأفضليات بينها، بحيث أنه يتم تخصيص الأموال اللازمة للإنفاق العام على أساس هذه المفاضلات بناء على ترتيب ملفات المشروعات والبرامج والخدمات الحكومية التي تم اعتمادها لإعداد الموازنة الجديدة وتختلف عن الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على المعلومات التاريخية للموازنات السابقة.
ويقول الأستاذ الجامعي إن الموازنة الصفرية تستند إلى فكر علمي منطقي متقدم يساعد على توفير أفضل الظروف للإبداع والابتكار والتخلص من بعض الروتين الحكومي وذلك من خلال ممارسة التقييم والمراجعة المستمرة للقرارات الاستراتيجية للإدارة الحكومية والتكيف مع الظروف غير المستقرة وبالتالي يأتي تطبيق السلطنة للموازنة الصفرية ليواكب المتغيرات الاقتصادية الحالية الناجمة عن الانخفاض الحاد في أسعار النفط في الأسواق العالمية.
ويشير المعولي إلى عدة فوائد لتطبيق الموازنة الصفرية مثل التقليل من المصاريف الزائدة والحد من هدر المال العام والتجاوزات والمخالفات المالية التي قد تحدث في بعض من الوحدات الحكومية نتيجة عدم التقدير الدقيق لحجم المصروفات.
إذ يعتبر إعداد الموازنة الصفرية الأداة الأفضل لبلوغ أهدافها في إحداث الأثر الأقصى على الإنفاق العام، والاستخدام الأفضل للمصادر والموارد وزيادة الشفافية في عملية الموازنة.
كما ترتبط إجراءات تطبيق الموازنة الصفرية ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الإستراتيجية “عمان 2020” كما أنها ستسهم في إذكاء السمعة الطيبة للسلطنة في استخدام أفضل الممارسات العالمية في إعداد الموازنة.
ووفق ما قاله المعولي فإن إعداد الموازنة الصفرية يتطلب إجراء تقييم شامل ومنتظم لجميع البرامج والمشروعات الحكومية التي تتضمنها الموازنة العامة مع عدم إعطاء أولوية للبرامج والمشروعات تحت التنفيذ على حساب المشروعات الجديدة عند توزيع الاعتمادات المالية.
كما أن من مبادئ الموازنة الصفرية أنها تفترض تخفيض الاعتمادات المالية أو إلغائها للمشاريع تحت التنفيذ إذا تبين عند التقييم أن كفاءتها أصبحت منخفضة أو أن العائد منها أصبح لا يتناسب مع تكلفتها وبالتالي تساهم الموازنة الصفرية في ترشيد النفقات الحكومية.
ويؤكد أن استخدام الموازنة الصفرية سوف يساهم في ترتيب أولويات الإنفاق العام للدولة وفقا لظروف المرحلة الراهنة كما يعيد توجيه المسارات التنموية بما يضمن استدامة الموارد المالية للدولة ويحقق تنمية مستدامة للاقتصاد الوطني.
دقة تحديد الأهداف
الدكتور جميل الجارودي الرئيس التنفيذي ببنك نزوى أوضح أن إعداد الموازنة التقديرية يتم عادة من خلال البدء بتحليل الأرقام الفعلية للفترة المالية الحالية وتعديلها بناء على المتغيرات المتوقعة خلال الفترة المقبلة حيث يتم الاعتماد على البيانات التاريخية وتعتبر نقطة الانطلاق والأساس في إعداد الموازنة للفترة القادمة، وهي تفترض أن ما حدث في الماضي سوف يستمر حدوثه في المستقبل، مع الأخذ بالاعتبار المستجدات المتوقعة في العام المقبل، مشيرا إلى أن هذا الأسلوب يمتاز بالبساطة وسهولة التحضير والإعداد، ومن عيوبه أن إعداد التقديرات قد لا يتم بطريقة موضوعية لذلك هناك احتمال بانتقال أخطاء الماضي إلى المستقبل.
أما الموازنة الصفرية فتتم بطريقة مختلفة دون الإشارة أو استخدام أرقام الموازنة التقديرية للفترة الحالية، أو نتائج التشغيل الفعلية المتوقعة للفترة الحالية.
بحيث إن أي نشاط مزمع أو مخطط تنفيذه خلال الفترة القادمة يجب أن يكون مبرراً بالنظر بعين الاعتبار إلى تحليل التكلفة والعائد المتوقع، ويعرف هذا النوع من الموازنات بأنه عملية تخطيط تتطلب تبرير جميع محتويات الموازنة بالتفصيل ابتداء من نقطة الصفر بمعنى أنها تتطلـب أن تقوم كل جهة بمراجعة وتقييم برامجها ومشاريعها الحالية والجديدة بطريقة منتظمة وأن تتم مراجعة البرامج والمشروعات على أساس التكلفة والعائد والفعاليـة.
ويشير الجارودي إلى أن من مزايا الموازنة الصفرية أنها تركز على اللامركزية، وتسمح بمشاركة جميع الأطراف المسؤولة عن اتخاذ القرار، وتزيد من فاعلية التنسيق والاتصال بين الأطراف المعنية، ويزيد هذا الأسلوب من دقة تحديد الأهداف ورفع الكفاءة نظراً لعملية التطوير المستمر.
كما توفر قدرا أكبر من المرونة للإدارة العليا لإعادة توزيع الموارد وتنمية مهارات العاملين من خلال إشراكهم في عملية التخطيط وتطوير التنفيذ.
ويتم اللجوء إليها عادة عند التقلبات في الإيرادات بشكل سلبي أي انخفاض الإيرادات وكذلك عدم توفر سيولة بديلة للأمد الطويل.
وهذا هو الوضع الحالي الذي نواجهه اليوم في السلطنة إذ انخفض سعر النفط إلى درجة أن الإيرادات المتوقعة خلال عام 2016 لا تتجاوز 8.6 مليار ريال عماني وهذا يعتبر انخفاضا كبيرا عن مستويات الإيرادات في السنوات الماضية.
ويقول لعل من سلبيات الموازنة الصفرية ارتفاع تكاليف تطبيقها وأنها تحتاج في إعدادها إلى وقت وجهد أكبر من الموازنة التقليدية، كما أنها تحتاج إلى قدر كبير من التحليل والدراسة، وكمية كبيرة من المعلومات اللازمة لإجراء عملية التحليل، وكوادر مدربة ومؤهلة لإعدادها وتحليل البيانات المتعلقة بها.
ولكن بالرغم من هذه الانتقادات فإن الفائدة في تطبيقها والخبرة الإدارية التي تنجم عن ذلك تفوق الانتقادات وتجعل منها أداة تخطيط ذات كفاءة عالية.
إزالة الفوارق بين النفقات والإيرادات
لؤي بطاينة رئيس إدارة الاستثمارات ببنك عمان العربي يوضح أيضا أن الدول في العادة تنتهج طرقا متعددة في إعداد موازناتها المالية بطرق مختلفة ومتعددة تكون متأثرة بالحالة الاقتصادية للدولة والتوقعات المصاحبة لها وخصوصاً فيما يخص نسب ومعدلات النمو الاقتصادي والاجتماعي وطبيعة النفقات والإيرادات التي تُسيطر وتتكون منها الموازنة العامة وكل من الإيرادات والنفقات.
كما نعلم أن المنطقة تشهد تطورات مالية واقتصادية سريعة نتيجة الانخفاض الشديد في أسعار البترول وتزايد وتيرة الإنفاق وخصوصاً الجاري منه.
ويقول بطاينة لقد بدأت بعض الدول بإعداد موازناتها على أساس الموازنة الصفرية تماشيا مع التطورات الاقتصادية والنمو المضطرد للناتج المحلي الإجمالي والحاجة إلى تطوير بنية أساسية واسعة لمواجهة مشاكل تاريخية تتعلق بتدني مستوى الشفافية عند إعداد الموازنة ولإزالة الفوارق والاختلالات الجوهرية ما بين النفقات والإيرادات ومراقبتها وأيضاً التباين الشديد في الأرقام المالية النهائية للموازنة العامة في نهاية السنة المالية من حيث ما تم اعتماده والموافقة عليه وبين ما يتم اعتماده فعلا في نهاية السنة المالية مما يؤدي إلى حدوث عجز مالي وفي غالبية الأحيان أكثر من المتوقع والمُحتمل.
ويرى رئيس إدارة الاستثمار أنه عند إعداد الموازنة الصفرية يتم العمل على الإعداد لها وبنائها (أي الموازنة) من الأسفل إلى الأعلى.
ويتم أولا تكليف فريق إعداد الموازنة بتحديد الأنشطة التي تسهم في الأهداف المتفق عليها ليتم تنفيذها ضمن مدة زمنية محددة.
بعدها يتم العمل على وضع الكلف والإيرادات المتوقعة والتبريرات والأهداف المصاحبة للموازنة ويصاحبها تحليلٌ مفصلٌ للتكلفة، ومن ثم يتم تحديد الأنشطة ذات الأولوية استناداَ إلى تحليل التكلفة وترتيبها وفقا لأهميتها وحسب إسهامها في الأهداف المتفق عليها.
ويواصل بطاينة حديثه بالقول إن تطبيق الموازنة الصفرية وعلى الرغم من وجود عدد من السلبيات والانتقادات المصاحبة لها وخصوصاً فيما يتعلق بتحديد ولجم نسب النمو وعدم استخدام السياسة المالية من خلال تحقيق عجز يتم الاتفاق عليه وإدارته لتعزيز نسب ومعدلات النمو وتوفير فرص عمل إضافية إلا أنه في نفس الوقت تُساعد الموازنة الصفرية الدول على ارتقائها إلى مجموعة الدول المعترف بها دوليا بالممارسات الأفضل في إعداد الموازنات والإدارة المالية للموارد المالية الحكومية.
وسيلة لترشيد الإنفاق
الدكتور أسامة عارف سعيد قال إن الموازنة الصفرية وسيلة لترشيد الإنفاق العام حيث إن الهدف الأساسي هو تحقيق أثر إيجابي على تخفيض النفقات العامة والاستفادة القصوى من كل الموارد المتاحة لهذه الجهة العامة أو تلك كما أن الرقابة تصبح أكثر موضوعية وترشد عملية اتخاذ القرار، بالإضافة إلى أن تطبيقها يسهم في تعزيز مكانة السلطنة على المستوى الدولي فيما يخص الإفصاح والشفافية.
ويوضح الدكتور أسامة أن الموازنة الصفرية استخدمت منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي في العديد من الشركات في الدول الغربية ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم بدأت الدول باعتمادها كوسيلة من بين وسائل أخرى لترشيد الإنفاق العام.
فالموازنة الصفرية تعني أن نضع موازنة دون الاعتماد على إحصائيات السنوات السابقة وإنشائها من نقطة الصفر في بداية كل عام.
فالموازنة تبنى من القاع إلى القمة فبعد الاتفاق على الأهداف والخطوط العريضة لسياسة الدولة في مجال ما كقطاع التعليم مثلا إذ يتم تكليف الجهات المالية المعنية في وزارة التعليم العالي والمؤسسات التابعة لها لتقوم بتحديد نشاطاتها المنسجمة مع هذه الأهداف الموضوعة مسبقاً والمتفق عليها، ومن ثم تقوم الوزارة بوضع الأسباب الموجبة ومدى الحاجة لكل نشاط على حدة وتكاليف التنفيذ ومن ثم يتم ترتيب الأنشطة بحسب أهميتها النسبية.
تحليل التعليقات: