في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتزايد حدة التقلبات في أسواق المال وتحديدا خلال 2025، تبرز الكويت كاقتصاد يمتلك قدرة واضحة على إدارة فوائضه المالية بكفاءة عالية، من خلال مسار استثماري مزدوج يجمع بين التوسع الخارجي المدروس والحفاظ على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الداخل. هذا التوازن لا يعكس فقط متانة المركز المالي، بل يؤشر إلى سياسة اقتصادية واعية تسعى إلى توزيع المخاطر وتعظيم العوائد طويلة الأجل دون الإخلال بجاذبية السوق المحلية.
وتكشف بيانات الأشهر الـ 9 الأولى من عام 2025 عن صورة استثمارية متكاملة، حيث واصل الاقتصاد الوطني توجيه جزء من فوائضه نحو فرص استثمارية خارجية استراتيجية، بالتوازي مع تسجيل تدفقات استثمار أجنبي مباشر إلى الكويت، وإن بوتيرة متدرجة زمنيا، بما يعكس طبيعة المرحلة الاقتصادية العالمية وحساسية قرارات الاستثمار العابرة للحدود.
وأظهرت بيانات مالية حديثة اطلعت عليها «الأنباء» لميزان المدفوعات الصادر عن بنك الكويت المركزي، أن الكويت ضخت استثمارات مباشرة في الخارج بقيمة إجمالية بلغت 1.812 مليار دينار خلال الأشهر الـ 9 الأولى من عام 2025، في مؤشر واضح على استمرار توجيه الفوائض المالية نحو فرص استثمارية خارجية ذات طابع استراتيجي، تستهدف تنويع مصادر الدخل وتعزيز العوائد المستقبلية.
وسجل الربع الأول من عام 2025 تدفقات استثمارية مباشرة إلى الخارج بقيمة 94.6 مليون دينار، وهو مستوى يعكس نهجا استثماريا متحفظا في بداية العام، تماشيا مع حالة عدم اليقين التي سادت الاقتصاد العالمي في تلك الفترة، سواء على صعيد السياسات النقدية أو التطورات الجيوسياسية، ما دفع إلى تبني سياسة ترقب وانتقاء الفرص بعناية.
ومع تحسن الأوضاع المالية واستقرار الأسواق النفطية، ارتفعت الاستثمارات الكويتية المباشرة في الخارج خلال الربع الثاني من عام 2025 إلى 655.6 مليون دينار، مدفوعة بظهور فرص استثمارية نوعية في عدد من الاقتصادات، الأمر الذي عزز من وتيرة التوسع الخارجي ورفع مستوى الزخم الاستثماري.
أما الربع الثالث من عام 2025، فقد سجل أعلى مستوى فصلي خلال فترة التسعة أشهر، بضخ استثمارات مباشرة في الخارج بقيمة 1.06 مليار دينار، ليعكس تسارعا واضحا في وتيرة التوسع الاستثماري، ويؤكد قوة المركز المالي للكويت وقدرتها على توظيف مواردها بكفاءة عالية في أسواق متعددة، بما يدعم أهداف التنويع الاقتصادي على المدى الطويل.
وبالتوازي مع هذا التوسع الخارجي، تشير البيانات الفصلية الرسمية إلى أن الكويت واصلت تسجيل تدفقات استثمار أجنبي مباشر إلى الداخل خلال الفترة ذاتها، حيث بلغ إجمالي صافي التدفقات خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نحو 114.3 مليون دينار.
وسجل الربع الأول من العام تدفقات محدودة بقيمة 7.8 ملايين دينار، ما يعكس بداية متحفظة على صعيد دخول الاستثمارات الأجنبية المباشرة، قبل أن تشهد التدفقات تحسنا ملموسا في الربع الثاني الذي سجل 53.1 مليون دينار، تلاه الربع الثالث بقيمة 53.4 مليون دينار، وهو أعلى مستوى ربعي خلال الفترة، وبفارق طفيف صعودي عن الربع الثاني.
ويظهر هذا التوزيع الزمني أن الجزء الأكبر من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تركزت في النصف الثاني من الفترة محل الرصد، ما يعكس تحسنا في وتيرة النشاط الاستثماري الأجنبي مقارنة بمطلع العام.
ويعكس هذا المسار المزدوج، ضخ استثمارات كويتية مباشرة في الخارج مقابل استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الداخل، قدرة الاقتصاد الوطني على إدارة فوائضه المالية بمرونة وكفاءة، من خلال توزيع المخاطر جغرافيا وقطاعيا، دون التفريط في جاذبية السوق المحلية.
كما تؤكد هذه الأرقام أن السياسة الاقتصادية تتجه نحو تحقيق توازن استثماري مدروس يتيح الاستفادة من الفرص الخارجية الواعدة، وفي الوقت ذاته يدعم البيئة الاستثمارية الداخلية، بما يعزز من استدامة النمو الاقتصادي، ويرسخ مكانة الكويت كاقتصاد يتمتع بملاءة مالية قوية وقدرة عالية على التفاعل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: