نبض أرقام
12:13 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/27
2026/01/26

تغيّر وجهات الهجرة .. فرص خارج الدول الغنية

08:00 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

كان "راهول" شاب هندي في أواخر العشرينيات يحلم منذ سنوات بالهجرة إلى كندا بعد أن تخرج في كلية التجارة بمدينة بونه، وعمل محاسبًا مبتدئًا في شركة صغيرة براتب بالكاد يغطي الإيجار والمواصلات.

 

 

وظل لفترة طويلة يقضي كل مساء ساعات أمام شاشة هاتفه يتصفح إعلانات الهجرة، ويحسب نقاط نظام الدخول السريع، ويقارن بين تكاليف الدراسة وفرص العمل في تورونتو وفانكوفر.

 

لكن الحسابات لم تكن في صالحه؛ فرسوم الدراسة المرتفعة، ومتطلبات اللغة، وطول فترة الانتظار، ثم قصص الأصدقاء الذين وصلوا إلى كندا ليعملوا في وظائف أقل من مؤهلاتهم، جعلت الحلم يبدو بعيدًا ومكلفًا أكثر مما يحتمل.

 

وفي أحد الأيام، لفت انتباهه إعلان توظيف لشركة خدمات مالية تعمل في نيجيريا وتبحث عن محاسبين لديهم خبرة في الأنظمة الدولية وإعداد التقارير للشركات متعددة الجنسيات.

 

بالطبع لم تكن نيجيريا ضمن قائمة وجهاته المحتملة؛ فهي دولة إفريقية نامية، لا تُصنّف ضمن الدول الغنية أو الوجهات التقليدية للهجرة، ومع ذلك، قرر التقديم بدافع التجربة، من دون توقعات كبيرة.

 

بعد أسابيع، جاءه عرض لم يكن يتوقعه، وهو عقد عمل براتب يفوق دخله في الهند بأكثر من الضعف، وتأشيرة عمل سريعة، وتكفّل الشركة بتوفير سكن مؤقت في لاجوس خلال الأشهر الأولى.

 

وانتقل راهول إلى لاجوس، مدينة صاخبة وسريعة الإيقاع، حيث يعمل مع فريق متنوع يخدم شركات متعددة، ورغم أن الحياة لم تكن سهلة، لكنها كانت مليئة بالفرص، وتكاليف المعيشة أقل بكثير من المدن الكندية الكبرى، بينما كان مجال التقدم الوظيفي أوسع مما تخيّل.

 

قصة راهول تعكس تحوّلًا أوسع في أنماط الهجرة العالمية، حيث باتت دول غير تقليدية مثل نيجيريا قادرة على جذب الكفاءات، في وقت أصبحت فيه أبواب الدول الغنية أكثر ضيقًا وانتقائية.

 

ولعقود طويلة، ارتبطت الهجرة الدولية بالانتقال إلى أغنى اقتصادات العالم، مثل الولايات المتحدة، ودول أوروبا الغربية، وكندا، وأستراليا، حيث كانت هذه الوجهات تمثل وعدًا برواتب أعلى، وخدمات عامة أفضل، وفرص أوسع للتعليم والعمل.

 

لكن التحولات العالمية الأخيرة تشير إلى تغير واضح في هذا النمط؛ فبينما لا تزال الدول الغنية وجهات مهمة، بات عدد متزايد من المهاجرين يختارون دولًا متوسطة الدخل أو وجهات غير تقليدية.

 

 

ووفقًا لتقديرات إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، بلغ عدد المهاجرين الدوليين حول العالم في عام 2024 نحو 304 ملايين شخص، أي ما يقرب من ضعف العدد المسجل عام 1990، رغم أنهم لا يشكلون سوى نحو 3.7% من سكان العالم.

 

هذا الرقم يعكس أن الهجرة أصبحت ظاهرة عالمية متشعبة، لا تقتصر على التوجه نحو الدول الأكثر ثراءً فقط.

 

تراجع جاذبية الدول الغنية التقليدية وتشدد السياسات

 

أحد أبرز أسباب تغير خريطة الهجرة العالمية هو تشديد السياسات في الدول الغنية التقليدية، فقد فرضت هذه الدول خلال السنوات الأخيرة قيودًا أكبر على الهجرة القانونية، لا سيما هجرة العمل والدراسة.

 

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن هجرة العمالة إلى الدول الغنية تراجعت بنسبة 21% بين عامي 2023 و2024، ليصل عدد الوافدين الجدد لأغراض العمل إلى نحو 934 ألف مهاجر فقط.

 

وجاء هذا التراجع نتيجة ضعف أسواق العمل وتشديد قواعد التأشيرات في دول مثل المملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، والولايات المتحدة.

 

وفي المملكة المتحدة على سبيل المثال، انخفض صافي الهجرة بأكثر من 40% خلال عام 2024، وهو ما يعكس التأثير السريع للسياسات الأكثر صرامة.

 

كما تراجعت هجرة الطلاب الدوليين إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنحو 13% بين 2023 و2024، بسبب تشديد شروط تأشيرات الدراسة ومخاوف تتعلق بالإسكان وتكاليف المعيشة.

 

هذه التطورات جعلت الهجرة إلى الدول الغنية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ، ما دفع العديد من الراغبين في الهجرة إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة.

 

وإلى جانب السياسات، لعبت الظروف الاقتصادية دورًا مهمًا. فتباطؤ النمو وارتفاع التضخم في عدد من الاقتصادات المتقدمة قلّلا من جاذبية هذه الدول مقارنة بالسابق.

 

ورغم أن معدلات التوظيف بين المهاجرين لا تزال مرتفعة نسبيًا - إذ بلغ معدل توظيف المهاجرين في المملكة المتحدة نحو 76% في عام 2024 - فإن الانطباع العام لدى كثيرين هو أن فرص الصعود الاقتصادي لم تعد مضمونة كما كانت في الماضي.

 

صعود الوجهات غير التقليدية والدول متوسطة الدخل

 

في المقابل، بدأت الدول متوسطة الدخل والوجهات غير التقليدية في الظهور كبدائل جذابة للهجرة، سواء في الشرق الأوسط أو آسيا أو أمريكا اللاتينية.

 

 

رغم أن الهجرة كانت تاريخيًا مرتبطة بالدول الأغنى في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، فإن عددًا متزايدًا من الدول غير التقليدية بات يلعب دورًا متناميًا كمراكز جذب للمهاجرين، مدفوعًا بالحاجة إلى العمالة، والنمو الصناعي، ومرونة سياسات الدخول والعمل.

 

ففي بولندا، التي لا تُصنّف ضمن الدول الغنية تقليديًا، تحولت سوق العمل إلى نقطة جذب رئيسية للمهاجرين، خصوصًا من أوكرانيا ودول آسيا.

 

وتشير بيانات وزارة الأسرة والعمل والسياسة الاجتماعية البولندية إلى أن عدد تصاريح العمل الصادرة للأجانب تجاوز مليون تصريح سنويًا في السنوات الأخيرة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البلاد.

 

مثل تلك البيانات تؤكد أن الهجرة أصبحت تتجه إلى الاقتصادات التي تعاني نقصًا حقيقيًا في العمالة وتوفر فرص عمل مباشرة وسريعة. ونتيجة لذلك، أصبحت دول مثل التشيك ورومانيا وهنغاريا وجهات مفضلة لآلاف المهاجرين.

 

ففي التشيك، تشير بيانات مكتب الإحصاء هناك إلى أن عدد الأجانب المقيمين تجاوز 1.1 مليون شخص في عام 2023، وهو ما يمثل نحو 10% من السكان، مقارنة بنسبة أقل بكثير قبل عقد واحد فقط.

 

وتتميز هذه الدول بانخفاض تكاليف المعيشة مقارنة بأوروبا الغربية، إلى جانب سهولة نسبية في الحصول على تصاريح العمل.

 

كما أن الاتجاه التقليدي للهجرة من الجنوب للشمال بدأ يتغير مع ظهور وجهات جديدة في دول متوسطة الدخل، فعلى سبيل المثال، تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء والجغرافيا في المكسيك إلى أن عدد المهاجرين المقيمين في البلاد تجاوز 1.2 مليون شخص.

 

وتحوّلت المكسيك من مجرد دولة عبور إلى وجهة عمل واستقرار مؤقت أو دائم، خاصة في القطاعات الصناعية المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، والتي استفادت من إعادة تموضع الشركات قرب السوق الأمريكية.

 

 

كما أطلقت بعض هذه الدول برامج رسمية لجذب الكفاءات والاستثمارات، دون أن تكون من الدول الأغنى عالميًا.

 

واعتمدت دول مثل بولندا والتشيك مسارات سريعة لتصاريح العمل في قطاعات تعاني نقصًا حادًا، وهو ما جعل هذه الدول أكثر جذبًا مقارنة بوجهات تقليدية تتسم بطول الإجراءات وتعقيدها.

 

عوامل الطرد غير الاقتصادية

 

لم تعد الهجرة مدفوعة فقط بالفوارق الاقتصادية، بل أصبحت الضغوط البيئية عاملًا رئيسيًا. فالجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، والكوارث الطبيعية، تدفع السكان إلى البحث عن الأمان والاستقرار، حتى في دول ليست من الأغنى عالميًا.

 

تشير تقارير دولية إلى أن التغير المناخي سيؤدي إلى توسع أنماط النزوح والهجرة، خاصة نحو دول مجاورة أو إقليمية أقل تكلفة وأسهل من حيث الانتقال.

 

كما يعاني العديد من دول المصدر من نمو سكاني سريع يفوق قدرة الاقتصاد المحلي على خلق فرص عمل.

 

ويواجه الشباب في إفريقيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط منافسة شديدة على الوظائف، ما يدفعهم إلى البحث عن فرص خارجية لا تستطيع الدول الغنية وحدها استيعابها بسبب القيود.

 

ووفقًا لبيانات بوابة بيانات الهجرة العالمية، ارتفع عدد المهاجرين الدوليين من 275 مليونًا في عام 2020 إلى 304 ملايين في عام 2024، ما يعكس طلبًا متزايدًا على الهجرة يتجاوز قدرة الدول الغنية التقليدية.

 

في حين أدت النزاعات المسلحة في أوكرانيا وسوريا وأجزاء من إفريقيا إلى تدفقات لجوء ضخمة نحو دول مجاورة أو متوسطة الدخل.

 

وفي الوقت الذي استقبلت فيه دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ملايين الأوكرانيين تحت أنظمة حماية مؤقتة، اتجه لاجئون آخرون إلى دول أقل ثراءً لكنها أقرب جغرافيًا وأكثر قدرة على الاستيعاب السريع.

 

كل هذا يعكس أن الهجرة الدولية لم تعد محصورة بدول معينة، بل تشهد خريطة الهجرة العالمية تغيرات عميقة، ليصبح السؤال المطروح الآن: كيف ستدار حركة البشر في عالم باتت فيه الفرص موزعة بشكل مختلف؟

 

فالدول التي تفهم هذا التغير وتتكيف معه، قد لا تكون الأغنى اليوم، لكنها ستكون الأكثر جذبًا للغد.

 

المصادر: أرقام- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة- معهد سياسات الهجرة- موقع بيزنس إنسايدر- بوابة بيانات الهجرة العالمية- سي إن إن

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.