لماذا يشتري جيل زد عكس ما يؤمن به؟
في عالم يتسارع فيه الاستهلاك بضغطة زر، وتُصنع فيه الصيحات خلال ثوانٍ على شاشات الهواتف، يبدو الحديث عن الاستدامة وكأنه سباق ضد الزمن.
ومؤخرا تتجه أنظار الأسواق والشركات إلى جيل زد ، الجيل المولود بين عامي 1997 و2012، ليس فقط لقوته الشرائية المتنامية، بل لتأثيره العميق في تشكيل اتجاهات الاستهلاك العالمية.
غالباً ما يُوصف هذا الجيل بأنه "جيل الاستدامة"، لما يُظهره من وعي بيئي مرتفع وخطاب واضح حول القضايا المناخية والمسؤولية الاجتماعية.

غير أن الواقع يكشف مفارقة لافتة: فبينما يرفع جيل زد راية حماية البيئة، تنجذب شريحة واسعة منه إلى أنماط استهلاك سريعة، منخفضة التكلفة، وعالية التأثير البيئي.
هذا التناقض بين القناعة والسلوك، المعروف بـ"فجوة الموقف والسلوك"، بات سمة بارزة في ثقافة الاستهلاك لدى هذا الجيل.
جيل واعٍ.. بيئياً
لا شك أن جيل زد يُعد الأكثر وعياً بالقضايا البيئية مقارنة بالأجيال السابقة. فقد نشأ في ظل تصاعد التحذيرات من التغير المناخي، وازدياد الضغط المجتمعي على الشركات لتبني ممارسات أكثر مسؤولية.
وتشير الدراسات إلى أن أكثر من 75% من أفراد هذا الجيل يعتبرون الاستدامة أكثر أهمية من اسم العلامة التجارية، فيما يقول 81% إنهم على استعداد لدفع سعر أعلى مقابل منتجات صديقة للبيئة.
هذا الوعي لا يقتصر على الشعارات، بل يمتد إلى ممارسات فعلية؛ إذ يُعد جيل زد الأكثر ميلاً للبحث في أخلاقيات العلامات التجارية وسلاسل التوريد قبل الشراء.
كما يلعب الإعلام الرقمي دوراً محورياً في تشكيل قراراته، حيث يعتمد بكثافة على منصات مثل "إنستغرام" و"تيك توك" لاكتشاف المنتجات المستدامة، في ظاهرة ساهمت في انتشار حملات عالمية مثل "من صنع ملابسي؟".
كما يقف جيل زد خلف الطفرة الكبيرة في سوق السلع المستعملة، التي يُتوقع أن تصل قيمتها إلى 329 مليار دولار عالمياً بحلول عام 2029.
ويُظهر نحو 40% من أبناء هذا الجيل — وهي أعلى نسبة بين جميع الفئات العمرية — إقبالاً على التسوق عبر منصات إعادة البيع مثل "ديبوب" و"ثريد أب"، ما يعكس سعياً لتقليل الهدر وإطالة عمر المنتجات.
الأثر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن سلوكيات جيل زد وقيمه دفعت أجيالاً أكبر، مثل الجيل X، إلى زيادة إنفاقها على العلامات التجارية المستدامة، ما يعكس نفوذاً متزايداً لهذا الجيل في توجيه السوق.

اصطدام القيم بالواقع
رغم هذا الوعي المتقدم، تصطدم القيم البيئية لجيل زد بواقع اقتصادي وثقافي معقد. فانتشار الموضة السريعة، وسهولة التسوق الإلكتروني، والدوران المحموم للصيحات على وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل تُضعف الالتزام بالاستدامة.
تُجسد ظاهرة "مشتريات شين" (Shein hauls) هذا التناقض بوضوح، حيث يعرض المؤثرون عشرات القطع الرخيصة في مقاطع فيديو تحصد ملايين المشاهدات. ففي الأسابيع الـ19 الأولى من عام 2025 فقط، تم تحميل تطبيق "شين" أكثر من 54 مليون مرة، ما يؤكد أن السعر المنخفض والإشباع الفوري غالباً ما يتغلبان على الاعتبارات البيئية.
ولا يقتصر هذا السلوك على قطاع الأزياء، بل يمتد إلى مجمل المشهد الاستهلاكي. فقد نشأ جيل زد في عصر الطلب بنقرة واحدة والتوصيل في اليوم التالي، حتى أصبحت السرعة معياراً أساسياً. وتشير البيانات إلى أن نحو نصف مستهلكي هذا الجيل يعطون أولوية للشحن السريع، رغم كلفته البيئية العالية.
المفارقة أن المنصات الرقمية نفسها التي تُستخدم لاكتشاف العلامات المستدامة، هي ذاتها التي تُغذي دورات استهلاك متسارعة، تدفع نحو شراء المزيد من الملابس، والأجهزة، ومنتجات نمط الحياة.
الاستدامة.. رفاهية مكلفة؟
أحد أبرز العوائق أمام التزام جيل زد الكامل بالاستدامة هو الكلفة. فالمنتجات المستدامة غالباً ما تأتي بأسعار أعلى، وهو ما يشكل تحدياً لشريحة واسعة من الشباب، خصوصاً في ظل أزمة غلاء المعيشة. فبينما تحظى علامات مثل "باتاغونيا" و"أولبيردز" بإعجاب هذا الجيل، تبقى علامات الموضة السريعة مثل "زارا" و"إتش آند إم" و"تي جي إكس" الخيار الأكثر واقعية من حيث السعر.
من هنا، لا يمكن قراءة فجوة الموقف والسلوك بوصفها نفاقاً، بل كنتيجة طبيعية لنظام اقتصادي يُكافئ السرعة والكلفة المنخفضة، ويجعل الخيارات المستدامة أكثر صعوبة وأقل انتشاراً.
كيف يمكن ردم الفجوة؟
تشير تجربة جيل زد إلى أن العيش بشكل مستدام داخل عالم مصمم للاستهلاك المفرط يمثل تحدياً حقيقياً، حتى بالنسبة للجيل الأكثر حماساً للتغيير. وردم هذه الفجوة يتطلب جهداً مشتركاً من الشركات والمستهلكين على حد سواء.
بالنسبة للشركات، يكمن الحل في جعل الاستدامة أكثر سهولة وبأسعار معقولة، إلى جانب تعزيز الشفافية في سلاسل التوريد، وتوضيح الأثر البيئي للمنتجات لبناء ثقة حقيقية مع المستهلكين.
أما بالنسبة لجيل زد، فتعزيز الوعي بالتكلفة الحقيقية للاستهلاك، وتنمية التفكير النقدي تجاه الرسائل التسويقية وصيحات التواصل الاجتماعي، يمكن أن يساعد في مواءمة السلوك مع القيم.
ومع ارتفاع وتيرة الإنفاق خلال موسم الصيف، ستشكل اختيارات جيل زد مؤشراً مهماً على مسار الاقتصاد العالمي نحو الاستدامة. فقيم هذا الجيل تمتلك قوة تغيير حقيقية، لكن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه القيم إلى ممارسات ثابتة وقادرة على الصمود أمام إغراءات السوق.
المصدر: "ذا كونفيرزيشن"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: