التكنولوجيا في قبضة الرأسمالية
في ظل التفكيك المتسارع لجهاز الدولة الإداري في الولايات المتحدة، والذي تقوده اليوم نخبة محدودة من المبرمجين محدودي الخبرة السياسية، يبدو المشهد وكأنه إعلان صريح عن فشل نقد التكنولوجيا كما عرفناه خلال العقود الماضية.
على مدى سنوات طويلة، شيّد أكاديميون وباحثون في العلوم الاجتماعية والإنسانيات منظومة نقدية واسعة حاولت تفكيك الهيمنة الثقافية التي قامت عليها صناعة التكنولوجيا الأمريكية، وهي صناعة تغذت على أساطير الخيال العلمي، والسرديات التنبؤية، وأحلام "العقلانيين الجدد"، إضافة إلى إيمان شبه ديني بما يسمى "الحلول التقنية" لكل معضلة اجتماعية أو سياسية.

اليوم، يمكن إضافة "سلامة الذكاء الاصطناعي" إلى قائمة الحقول المعرفية التي أُفرغت من مضمونها النقدي الحقيقي بعد أن جرى احتواؤها بالكامل من قبل مصالح الشركات الكبرى.
وقفة للتأمل
ليس المقصود هنا توجيه اللوم إلى نقّاد التكنولوجيا أنفسهم، بل الدعوة إلى وقفة جادة للتأمل: ماذا كنا نفعل فعلاً؟ ولماذا أخفق هذا الكم الهائل من النقد في وقف أسوأ ممارسات العصر الرقمي؟ لقد انشغلنا طويلاً بتعداد فظائع التكنولوجيا الحديثة، إلى حد أن قدرتنا على مواجهتها أو تعطيلها تآكلت. ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من التشخيص، بل طريقة جديدة للتفكير في المشروع النقدي ذاته، وفي وهم التعويل على استجابة الشركات أو صناع السياسات لهذه الانتقادات.
رغم وفرة الأدبيات الناقدة للتكنولوجيا، فإن جزءاً كبيراً منها يتجنب تسمية نفسه صراحةً كنقدٍ مناهض للرأسمالية. وغالباً ما يُترك الربط بين التكنولوجيا ومنطق النظام الاقتصادي للقارئ ليستنتجه بنفسه، أو يُختزل النقد في محاولة معالجة "تجاوز" معين أملاً في إعادة التوازن إلى النظام ككل.
«الميكانيكي واللودايت»
هنا تكمن الإشكالية التي يتصدى لها الباحث جاثان سادوسكي في كتابه الجديد «الميكانيكي واللودايت»، الذي يقدم نموذجاً لما يسميه "النقد القاسي بلا هوادة".
و "اللودايت" هم في الأصل حرفيون بريطانيون في القرن الـ19 ثاروا ضد الآلات التي هددت أرزاقهم. حالياً، يُشير المصطلح إلى الشخص الذي يعارض أو يخاف من التكنولوجيا الحديثة والتطورات التقنية السريعة.
يرى سادوسكي أن كثيراً من النقد الأكاديمي المعاصر للتكنولوجيا بات منفصلاً عن مصدر المشكلة الأساسي: الرأسمالية نفسها.
ويضرب مثالاً على ذلك بحقل "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، الذي يكتفي – في الغالب – بتعديلات سطحية على بيانات التدريب أو آليات الاستخدام، من دون طرح السؤال الجوهري: لماذا وُجدت هذه الخوارزميات أصلاً؟ ولأي غرض تخدم؟
في مقابل هذا النهج التجميلي، يدعو سادوسكي إلى تحليل مادي للتكنولوجيا والإنترنت، مستنداً صراحة إلى الماركسية بوصفها أداة لفهم البنية العميقة للعلاقات الاقتصادية.
ويحذّر المؤلف من الاكتفاء بوصف الرأسمالية بنعوت مثل "المنصات" أو "المراقبة" أو "الريعية".
حجب الرؤية
صحيح أن هذه التوصيفات تساعد في تسليط الضوء على جوانب محددة، لكنها قد تحجب الرؤية الأشمل إذا جرى التعامل مع الجزء باعتباره الكل.
في هذه الحالة، يتحول النقد إلى حنين مبطّن لـ"رأسمالية جيدة" سبقت تشوّهها الحالي، بدلاً من مساءلة النظام من جذوره.
هذا المأزق النظري ينسحب على أعمال بارزة في الاقتصاد السياسي الرقمي، مثل كتاب شوشانا زوبوف عن "رأسمالية المراقبة"، الذي يفترض أن استغلال "مخلّفات البيانات" يمثل انحرافاً قابلاً للتصحيح.
كما يظهر في أطروحات تتحدث عن "رأسمالية المنصات" بوصفها مرحلة جديدة، من دون العودة الجادة إلى مفهوم الرأسمالية ذاته. والنتيجة، بحسب سادوسكي، أن هذه المشاريع النقدية لا تستطيع الإفلات من قبضة النظام الذي تحاول تفكيكه.
كتاب «الميكانيكي واللودايت» ليس هجوماً مباشراً على حالة واحدة بعينها، بل أقرب إلى موسوعة تحليلية تُظهر منهجاً في التفكير.

خطاب الابتكار
يستعرض سادوسكي طيفاً واسعاً من الموضوعات: خطاب الابتكار الذي يبرر رأسمال المغامرة، وتحوّل البيانات إلى شكل مستقل من أشكال رأس المال، وتآكل قيمة العمل بفعل الأتمتة، وصعود "مُلّاك البنية التحتية الرقمية" الذين يحتكرون شبكات الإنترنت والطاقة، وأخيراً إعادة تعريف المخاطر غير العقلانية على أنها "استثمارات حتمية" تبرر المضاربات التقنية.
ورغم أن هذه الأفكار ليست جديدة على الباحثين المتخصصين، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تلخيص عقد كامل من دراسات التكنولوجيا النقدية بلغة واضحة ومنضبطة.
وفي كل الأمثلة، يعتمد سادوسكي الحركة الماركسية الكلاسيكية: البحث عن "القاعدة" الاقتصادية وعدم الانخداع بـ"البنية الفوقية". فهو لا يغرق في السجالات النظرية المعقدة، بل يقدم أساساً مبسطاً لفهم الاستغلال الرأسمالي، ثم يوظف هذا الفهم لتحليل الواقع الرقمي.
من أبرز إسهاماته تحليله للبيانات بوصفها شكلاً من رأس المال بحد ذاته، لا مجرد سلعة أو مورد. فالجدل الدائم حول تشبيه البيانات بالنفط أو الذهب، يعكس – في رأيه – ارتباكاً مفاهيمياً.
سلوك الشركات تجاه البيانات يشبه تعاملها مع رأس المال التقليدي: تراكم بلا حدود بهدف التراكم نفسه. ففي منطق الرأسمالية، التراكم ضرورة وجودية، ومن يتخلف عنه يُقصى من المنافسة. وهكذا تصبح البيانات تجسيداً جديداً لهذا "الدافع الانتحاري" للتوسع اللانهائي.
إنتاج البيانات
ويذكّرنا سادوسكي بأن إنتاج البيانات فعل اختزالي وعنيف بطبيعته. لا وجود لبيانات "خام"، فكل البيانات "مطبوخة". تحويل الإنسان إلى صف في جدول بيانات هو عنف مقصود، لأن هذا الاختزال هو ما يسمح بتحويل البشر إلى كائنات قابلة للإدارة والاستثمار. هذه ليست عيوباً في النظام، بل شروط عمله الأساسية، ومع استمرار منطق الرأسمالية، سيزداد هذا العنف كثافةً وشمولاً.
رغم قتامة التشخيص، لا يسقط الكتاب في فخ العجز. صحيح أن سادوسكي لا يقدم وصفة جاهزة للحل – سوى الإشارة إلى ضرورة تجاوز الرأسمالية – لكنه يطرح نموذجين رمزيين للمقاومة: "لميكانيكي" الذي يفهم كيف تعمل الآلة، و"اللودايت" الذي يسأل لماذا وُجدت الآلة، ولصالح من تعمل، ومتى يجب إيقافها أو مصادرتها أو تدميرها. هذان النموذجان لا يُقدَّمان كشعارات، بل كأدوار نقدية يمكن تعلمها وممارستها.
في النهاية، يذكّرنا «الميكانيكي واللودايت» بأن الشعور بالعجز أمام الاستغلال التكنولوجي ليس قدراً، بل حالة مكتسبة. ويمكن تفكيكها كما فُككت غيرها من علاقات القوة عبر التاريخ. وربما تكون القيمة الحقيقية لهذا الكتاب في كونه دعوة لإعادة بناء نقد التكنولوجيا على أسس قادرة فعلاً على إحداث تغيير، لا مجرد طريق للوصول إلى الكارثة.
المصدر: منصة "إل إس إي"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: