بينما كانت الأسواق تأمل في التقاط أنفاسها بعد صدمات التضخم، كشف تقرير جديد لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن واقع جديد يتسم بـ "الهروب إلى الأمام"، في وقت ينسحب فيه الحراس التقليديون من المشهد تاركين الساحة لمستثمرين متقلبي المزاج.
فالمقترضون اليوم، من دول وشركات، باتوا يفضلون الالتزامات قصيرة الأجل لتفادي العوائد المرتفعة للسندات طويلة الأجل، لكن هذه الاستراتيجية ليست سوى تأجيل لمواجهة قد تكون أكثر قسوة مع "مخاطر إعادة التمويل".
وأمام مشهد مالي تُنفق فيه التريليونات لمجرد سداد ديون قديمة، ومع دخول عمالقة التكنولوجيا حلبة الاستدانة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يقف العالم أمام مفترق طرق: إما هندسة مالية دقيقة تضمن النجاة، أو انزلاق نحو هشاشة قد تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي برمته.

إلى أي مستوى سيصل حجم الاقتراض الحكومي والمؤسسي خلال عام 2026؟
من المتوقع أن يرتفع حجم اقتراض الحكومات والشركات إلى مستوى قياسي يبلغ 29 تريليون دولار بحلول نهاية عام 2026، بزيادة 17% مقارنة بعام 2024.
قفز رصيد ديون السندات السيادية القائمة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى مستوى قياسي بلغ 61 تريليون دولار في عام 2025، وهو ما يمثل 85% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول.
لماذا تلتهم "إعادة التمويل" نصيب الأسد من القروض؟
تستحوذ عمليات إعادة تمويل الديون القائمة على 78% من إجمالي اقتراض حكومات منظمة التعاون والتنمية خلال عام 2026، ما يقلص المساحة المتاحة للاستثمارات الجديدة.
بلغت متطلبات إعادة التمويل السيادية في هذه الدول نحو 13.5 تريليون دولار، وهو ما يعكس عبء الديون المتراكمة التي حان وقت سدادها بفوائد أعلى.
ما هو حجم الاقتراض الخاص في ظل طفرة الذكاء الاصطناعي؟
بلغ اقتراض الشركات مستوى غير مسبوق بـ 13.7 تريليون دولار في 2025، موزعة بين سندات وقروض مشتركة.
وصل إجمالي ديون المؤسسات القائمة إلى 59.5 تريليون دولار، تشمل 36.4 تريليون دولار من سندات الشركات و23.1 تريليون دولار من القروض المشتركة.

كيف تحايل المقترضون على ارتفاع تكلفة الفائدة؟
لجأت الدول والشركات لتقصير آجال الاستحقاق، لتسجل السندات طويلة الأجل (أكثر من 10 سنوات) أدنى حصة إصدار لها منذ 2009.
اعتمدت الحكومات بشكل مكثف على أذون الخزانة التي باتت تشكل 48% من إجمالي حجم الاقتراض السنوي.
هل بدأت الشركات تشعر بوطأة الفائدة المرتفعة؟
ضاقت الفجوة بين التكلفة الفعلية للديون القديمة وتكلفة الإصدارات الجديدة، مما أجبر الشركات على دفع مبالغ أكبر لخدمة الدين.
لأول مرة منذ 2016، أصبحت نصف السندات ذات الدرجة الاستثمارية تحمل أسعار فائدة تتجاوز الـ 4% بنهاية 2025.
ما هو الدور الذي يلعبه سباق الذكاء الاصطناعي في تضخم حجم ديون الشركات؟
تخطط 9 شركات تكنولوجية كبرى لإصدار سندات بـ 1.2 تريليون دولار لتمويل نفقات رأسمالية ستبلغ 4.1 تريليون دولار حتى 2030.
قامت هذه الشركات وحدها بجمع 122 مليار دولار من أسواق السندات في عام 2025، وهو ما يمثل نصف إجمالي إصدارات قطاع التكنولوجيا عالميًا.

لماذا تراجعت فروق الائتمان للشركات لمستويات تاريخية رغم تفاقم المخاطر المحيطة؟
لا يعكس هذا التراجع تحسناً حقيقياً في الجدارة الائتمانية للشركات، بل يرتبط بوفرة السيولة وزيادة شهية المستثمرين للمخاطرة.
باتت تعويضات "خسائر التخلف عن السداد" تشكل الحصة الأكبر من هذه الفروق، ما ينذر بمخاطر خفية تحت قشرة الأسواق الهادئة.
كيف تغيرت خريطة المستثمرين وما الانعكاسات المباشرة لذلك على استقرار التداول؟
تراجعت حصة البنوك المركزية في ملكية السندات الحكومية إلى 20% في 2025 من 30% في 2021 بسبب سياسات التشديد الكمي.
انتقلت الملكية إلى مستثمرين أكثر حساسية للسعر مثل صناديق التحوط والأفراد، ما يزيد من احتمالات تذبذب الأسواق عند حدوث أي صدمات جيوسياسية.
ما هي حالة الديون في الأسواق الناشئة والدول الفقيرة؟
وصل إصدار السندات السيادية في الأسواق الناشئة إلى رقم قياسي قدره 3.4 تريليون دولار في 2025، ليرفع إجمالي رصيد ديونها إلى 12.1 تريليون دولار.
خلال 3 سنوات فقط، ستضطر الدول الناشئة لإعادة تمويل ثلث ديونها القائمة، بينما ستواجه الدول الأفقر إعادة تمويل نصف ديونها.

كيف تؤثر التوترات الجيوسياسية على شهية المستثمرين؟
تؤدي النزاعات التجارية والقيود الجمركية إلى زيادة "علاوة المخاطر"، ما دفع علاوة الأجل لسندات الـ 10 سنوات إلى 0.84%، وهو أعلى مستوى في عقد.
أعرب معظم مصدري السندات السيادية عن قلقهم من أن التفتت المالي العالمي قد يؤثر على سيولة الأسواق الثانوية في 2026.
أين تقف "السندات المستدامة" وسط هذا الزخم التاريخي في أسواق الديون؟
تحولت هذه السندات لركيزة تمويلية بعد تضاعف حجم إصداراتها ثلاث مرات بين (2021-2025) مقارنة بالسنوات الخمس السابقة.
أصدرت الشركات سندات خضراء ومستدامة بـ 531 مليار دولار في 2025، متفوقة على القطاع الرسمي الذي أصدر 486 مليار دولار.
ماذا يتوجب على الحكومات صانعة القرار فعله لضمان استدامة تدفق التمويلات؟
يجب تبني أطر مالية ونقدية صارمة تضمن استدامة الديون وتخلق حيزاً آمناً للاستثمارات في البنية التحتية والدفاع.
يتعين تطوير أطر تنظيمية تضمن جودة الإفصاح، خاصة مع تعقد هياكل تمويل الشركات وزيادة ترابط أسعار السندات بأسعار الأسهم.
نهاية المطاف
إن المرونة التي أظهرتها الأسواق حتى الآن ليست صكاً على بياض للمستقبل؛ فالعالم اليوم يقف على قمة جبل من الالتزامات يبلغ 109 تريليونات دولار، حيث تتشابك الديون السيادية (73.1 تريليون دولار) مع طموحات الشركات (36.4 تريليون دولار).
وبينما يغذي الذكاء الاصطناعي أحلام النمو، فإنه يلتهم حصة هائلة من كعكة التمويل العالمي، محولاً "الاستدامة المالية" من ترفٍ سياسي إلى ضرورة حسابية قاسية.
ولذلك فإن إدارة هذا الحجم الهائل من الديون وسط تبدل هوية المستثمرين وتصاعد التكاليف، تتطلب هندسة مالية لا تقبل الخطأ، لتجنب ارتدادات عنيفة قد تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي برمته.
المصدر: الإصدار الثالث من التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الديون العالمية
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: