شهدت صناعة صناديق التحوط والاستثمار الكمي خلال العام الماضي انتعاشًا ملحوظًا، مدفوعًا بتطورات الذكاء الاصطناعي وتزايد الاعتماد على تقنيات التعلم الآلي في تحليل الأسواق المالية.
من أبرز المستفيدين من هذا التحول شركة "أبلايد كوانتاتيف ريسيرش" Applied Quantitative Research المعروفة اختصارًا باسم "أيه كيو آر"، ومقرها مدينة غرينيتش في ولاية كونيتيكت الأمريكية، حيث تمكن مؤسسوها الثلاثة من مضاعفة ثرواتهم خلال عام واحد، مستفيدين من استراتيجية استثمارية جديدة تعتمد على دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والتداول.

قفزة كبيرة
خلال عام 2025، حققت "أيه كيو آر" قفزة كبيرة في حجم أصولها المدارة، إذ ارتفعت إلى نحو 187 مليار دولار بعد أن زادت بمقدار 73 مليار دولار خلال العام نفسه. وقد انعكس هذا الأداء القوي مباشرة على ثروات مؤسسي الشركة الثلاثة، الذين استفادوا من النمو الكبير في قيمة الصناديق التي يديرونها ومن ارتفاع الطلب على منتجاتهم الاستثمارية.
يتصدر هؤلاء المؤسسون كليف أسنس، كبير مسؤولي الاستثمار في الشركة، وهو أكاديمي حاصل على درجة الدكتوراه ويعد أكبر مساهم فردي في "أيه كيو آر" بحصة تُقدَّر بنحو 30%. وبفضل الأداء القوي للشركة ارتفعت ثروته إلى حوالي 6.3 مليار دولار، ليحتل المرتبة 664 بين أغنى أثرياء العالم. أما الشريكان المؤسسان جون ليو وديفيد كابيلر فقد تجاوزت ثروة كل منهما حاجز الملياري دولار بعد أن تضاعفت خلال الفترة نفسها.
تعود جذور الشركة إلى عام 1998 عندما أسسها الثلاثة بعد عملهم المشترك في قسم إدارة الأصول في بنك غولدمان ساكس. ومنذ ذلك الحين، حرصوا على الاستثمار بكثافة في صناديق الشركة الخاصة، ما يعني أن ثرواتهم الشخصية ترتبط مباشرة بأداء تلك الصناديق في الأسواق.
أداء استثماري قوي
كان العام الماضي من أفضل الأعوام في تاريخ أيه كيو آر من حيث الأداء. فقد حقق صندوق "أبيكس" Apex، وهو صندوق متعدد الاستراتيجيات تبلغ أصوله نحو 6.7 مليار دولار، عائدًا بلغ 19.4% خلال العام. كما سجل صندوق "ديلفي" Delphi، الذي يتبع استراتيجية شراء وبيع الأسهم في الوقت نفسه (Long-Short)، عائدًا قدره 16.7%، وهو أيضًا يدير أصولًا بنحو 6.7 مليار دولار.
ووفقًا لمصدر مطلع على نتائج الشركة، فقد بلغ متوسط العائد السنوي لكلا الصندوقين خلال السنوات الخمس الماضية نحو 16.6% سنويًا، وهو أداء يفوق متوسط عائد مؤشر "إس آند بي 500" الذي سجل نحو 14.4% سنويًا خلال الفترة نفسها.
صناديق الشركة المفتوحة
أما ضمن صناديق الشركة المشتركة المفتوحة، فقد كان صندوق "إيكويتي ماركت نيوترال فاند" Equity Market Neutral Fund أحد أبرز النجاحات.
يدير هذا الصندوق أصولًا تقارب 3.2 مليار دولار ويضم حوالي 2000 مركز استثماري بين شراء وبيع.
وقد حقق في عام 2025 عائدًا بلغ 26.5%، بينما سجل متوسط عائد سنوي خلال خمس سنوات يصل إلى 19.6%، مقارنة بمتوسط يقارب 8% فقط لمعظم الصناديق المشابهة في فئته.
إذا استمرت الشركة في الحفاظ على وتيرة النمو نفسها، فمن المتوقع أن تتجاوز قريبًا أعلى مستوى تاريخي لأصولها المدارة، والذي بلغ 226 مليار دولار في عام 2018. وسيشكل ذلك عودة قوية للشركة بعد فترة صعبة شهدت تراجع الأداء وخروج بعض المستثمرين، إذ كانت تدير أقل من 100 مليار دولار فقط قبل أربع سنوات.

الذكاء الاصطناعي يقود التحول
يرى كثير من المحللين أن عودة "أيه كيو آر" القوية إلى الواجهة تزامنت مع تحول استراتيجي مهم تمثل في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على نطاق واسع داخل الشركة، سواء في عمليات البحث أو في أنظمة التداول.
تقليديًا، تعتمد "أيه كيو آر" على ما يعرف بالاستثمار القائم على العوامل، وهي منهجية تعتمد على تحليل مؤشرات مالية مثل نسبة السعر إلى القيمة الدفترية أو العائد على حقوق الملكية لتحديد ما إذا كانت الأسهم مبالغًا في تقييمها أو أقل من قيمتها الحقيقية.
في السابق كان المحللون البشر هم من يحددون الأوزان النسبية لهذه العوامل في نماذج الاستثمار. لكن مع دخول تقنيات التعلم الآلي، أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل العلاقات المعقدة بين هذه العوامل وإعادة ضبط أوزانها بشكل ديناميكي وفي الوقت الفعلي، إضافة إلى فحص كميات هائلة من البيانات بحثًا عن إشارات تنبؤية تساعد في اتخاذ قرارات الاستثمار.
كما باتت تقنيات معالجة اللغة الطبيعية – وهي التكنولوجيا نفسها التي تقف خلف أنظمة مثل "تشات جي بي تي" و"كلاود" تُستخدم لتحليل كميات ضخمة من النصوص والبيانات المالية، بما في ذلك التقارير الاقتصادية والأخبار والوثائق المالية، بهدف تحسين نماذج التنبؤ بالعوائد المستقبلية.
من التأخر إلى المنافسة
على الرغم من هذا التحول، لم تكن "أيه كيو آر" من أوائل الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي في عالم الاستثمار الكمي. فقد سبقتها شركات شهيرة مثل رينيسانس تكنولوجيز Renaissance Technologies ودي. إي. شو D.E. Shaw في استخدام هذه التقنيات.
في الواقع، لم تعين "أيه كيو آر" أول رئيس لقسم التعلم الآلي لديها إلا في عام 2018، غير أن تلك التجربة لم تستمر طويلًا، إذ غادر المسؤول الأول عن هذا القسم منصبه بعد سبعة أشهر فقط.
لكن الأمور تغيرت لاحقًا مع تعيين براين كيلي، وهو أستاذ في التمويل بجامعة ييل، الذي لعب دورًا محوريًا في تطوير استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركة. ففي ديسمبر 2021 شارك كيلي في نشر ورقة بحثية أكاديمية ضخمة من 141 صفحة بعنوان "فضيلة التعقيد في التنبؤ بالعوائد".
التنبؤ بعوائد الأسهم

خلصت الدراسة إلى أن نماذج التعلم الآلي المعقدة قادرة على التفوق على النماذج البسيطة في التنبؤ بعوائد الأسهم وبناء المحافظ الاستثمارية. غير أن الدراسة أثارت جدلًا أكاديميًا، إذ نشر عدد من الباحثين أوراقًا علمية تنتقد نتائجها معتبرين أنها اعتمدت على بيانات محدودة نسبيًا. ومع ذلك، لا تزال "أيه كيو آر" تدافع عن نتائج البحث وتؤكد أنها تدعم توجهها نحو استخدام النماذج الأكثر تعقيدًا.
حتى كليف أسنس نفسه أصبح من أبرز المدافعين عن دور الذكاء الاصطناعي في الاستثمار. فقد صرح مؤخرًا بأن الشركة “استسلمت أكثر للآلة”، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يأتي يومًا ما ليؤدي جزءًا كبيرًا من عمله.
ومع ذلك، يؤكد مسؤولو الشركة أن الذكاء الاصطناعي لم يحل محل البشر بالكامل، بل أصبح أداة متقدمة ضمن منظومة العمل. فبحسب أحد العاملين في الشركة، فإن التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي يحققان فوائد ملموسة، لكن تأثيرهما تطوري وليس ثوريًا في طريقة عمل "أيه كيو آر".
التوزيع والتسويق
المفارقة أن التحول الأكثر تأثيرًا في أداء الشركة لم يحدث فقط في جانب الاستثمار، بل أيضًا في قنوات التوزيع والتسويق. فبينما كانت "أيه كيو آر" تعتمد تاريخيًا على المستثمرين المؤسساتيين مثل صناديق التقاعد والجامعات، أصبحت الآن تستقطب أعدادًا متزايدة من المستشارين الماليين الذين يديرون ثروات العملاء الأثرياء.
وقد أكد الرئيس التنفيذي لشركة "أفيلييتد مانجرز غروب" Affiliated Managers Group، التي تمتلك حصة أقلية في "أيه كيو آر"، أن قاعدة العملاء من المستشارين الماليين أصبحت محركًا رئيسيًا للنمو. وأوضح خلال إعلان نتائج الشركة أن تدفقات الأموال الجديدة التي بلغت 51 مليار دولار خلال العام الماضي جاءت في معظمها بفضل منتجات "أيه كيو آر".
حسابات "فلكس" الاستثمارية
من بين المنتجات التي حققت انتشارًا واسعًا لدى هذه الفئة من المستثمرين ما يعرف بحسابات فلكس Flex الاستثمارية، وهي نوع من المحافظ الاستثمارية المُدارة بشكل منفصل. تعتمد هذه الحسابات على استراتيجية الشراء والبيع في الوقت نفسه، حيث يتم شراء الأسهم المتوقع ارتفاعها وبيع الأسهم المتوقع انخفاضها.
تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق أرباح في مختلف ظروف السوق، وفي الوقت نفسه تقليل تقلبات المحفظة الاستثمارية والحد من الضرائب التي يدفعها المستثمرون، ما يسمح لهم بالاحتفاظ بجزء أكبر من عوائدهم.
قبل عام واحد فقط كانت أصول حسابات فلكس تبلغ نحو 23.2 مليار دولار. لكن خلال تسعة أشهر فقط تضاعفت تقريبًا لتصل إلى 45.4 مليار دولار، لتشكل الآن نحو ربع إجمالي أصول "أيه كيو آر" بحلول نهاية عام 2025.

ويرى جاستن دي تراي، وهو مستشار مالي في شركة "ويلث سباير" WealthSpire التي تدير أصولًا بقيمة 580 مليار دولار، أن نجاح فلكس يعود إلى عدة عوامل. فالشركة تقدم رسومًا أقل من العديد من المنافسين، كما أنها تتمتع بسمعة قوية في عالم الاستثمار الكمي.
عوامل هيكلية
إضافة إلى ذلك، هناك عوامل هيكلية تدعم هذا التوجه، أبرزها الارتفاع الكبير في أعداد الأثرياء الجدد من قطاع التكنولوجيا، الذين يسعون إلى إدارة ثرواتهم بشكل أكثر كفاءة بعد سنوات من الارتفاع الكبير في أسواق الأسهم.
ويشير دي تراي إلى أن كثيرًا من عملائه يمتلكون أرباحًا غير محققة ضخمة في أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة مثل ما يعرف بـ “السبعة الكبار” أو شركات الحوسبة السحابية العملاقة، وهو ما يدفعهم للبحث عن استراتيجيات استثمارية تساعدهم على حماية ثرواتهم وتنويع محافظهم.
هل يستمر النجاح؟
يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع "أيه كيو آر" الحفاظ على هذا الأداء القوي في السنوات المقبلة؟ تاريخيًا، تميل التقلبات في الأسواق إلى دعم أداء صناديق التحوط وشركات الاستثمار الكمي، وهو ما قد يوفر فرصًا إضافية للشركة.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة نماذجها الاستثمارية على الاستمرار في التفوق على السوق وعلى المنافسين الذين بدأوا هم أيضًا في تبني استراتيجيات استثمارية تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ففي عالم يتجه بسرعة نحو الاعتماد على الخوارزميات والبيانات الضخمة، لن يكون التفوق طويل الأمد مضمونًا إلا لمن يستطيع تطوير نماذجه باستمرار والحفاظ على ميزة تنافسية في استخدام التكنولوجيا.
وبالنسبة لمؤسسي "أي كيو آر" الثلاثة، فإن الرهان على الذكاء الاصطناعي لم يكن مجرد تجربة تقنية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتهم الاستثمارية وفي قدرتهم على تحقيق ثروات مضاعفة في زمن قياسي.
المصدر: "فوربس"
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: