الطاقة في أسبوع: استهداف رأس لفان يضغط على سوق شحن الغاز المسال.. والتبخر يزيد من أزمة الناقلات العالقة.. ولماذا جزيرة خرج؟

تقف قطر أمام معادلة بالغة التعقيد؛ فالأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان باتت تهدد بتحويل استراتيجيتها القائمة على اقتناء أكثر من 100 ناقلة غاز بقيمة 19 مليار دولار لاستيعاب الطاقة الإنتاجية المستهدفة من توسعة حقل الشمال، إلى عبء هيكلي يتطلب استراتيجية جديدة على المدى المتوسط قد تؤثر على قطاع شحن الغاز المسال. ويتناول تقرير هذا الأسبوع أيضاً الأهمية الاستراتيجية لجزيرة خرج التي أشار إليها ترامب عام 1988، فضلاً عن الخسائر المتراكمة التي تتكبدها ناقلات الغاز المسال العالقة في الخليج جراء عملية التبخر.
استهداف رأس لفان يضع استراتيجية قطر لشحن الغاز المسال أمام معادلة صعبة ويضغط على سوق الشحن العالمي
يواجه التوسع الطموح الذي تنفذه قطر في أسطول شحن الغاز الطبيعي المسال تحدياً جدياً، إذ باتت الأضرار التي طالت منشآت التسييل في رأس لفان تهدد بتحويل هذا الأسطول، الذي بُني أصلاً لاستيعاب قفزة تصديرية كبرى في إنتاج الغاز المسال بحلول 2027، إلى عبء هيكلي يُثقل السوق العالمي بفائض في طاقة الشحن، لا سيما على المدى المتوسط.
في يونيو 2020، قامت قطر للطاقة، عبر ذراعها "ناقلات"، بإطلاق أكبر برنامج طلبيات في تاريخ شحن الغاز المسال بقيمة 19 مليار دولار لاقتناء أكثر من 100 سفينة لنقل الغاز المسال، وذلك بهدف استيعاب الإنتاج المتصاعد من حقل الشمال، خاصة وأنها كانت تطمح للوصول إلى إنتاج 126 مليون طن بحلول 2027. وكانت الاستراتيجية واضحة: تصدير الغاز المسال في أسطول مملوك بالكامل للدولة قادر
على تحسين تدفقات الشحن بين حوضي المحيط الأطلسي والهادئ، وتقليص الاعتماد على السفن المستأجرة.
وبالفعل، استلمت قطر نحو 50 ناقلة حتى الآن، مع استمرار أحواض البناء في التسليم بوتيرة منتظمة، تشمل 20 إلى 25 سفينة عام 2026 و25 إلى 30 سفينة عام 2027، ما يجعل قطر من أكبر المساهمين في نمو المعروض العالمي من الناقلات خلال هذه الفترة.
غير أن خروج نحو 17% من طاقة التسييل القطرية عن الخدمة بسبب الحرب، وتوقعات بأن التوقف سيكون لسنوات وفق التقديرات الحالية، يقلب هذه المعادلة. فبدلاً من استخدام هذه الناقلات الجديدة في تصدير الإنتاج القطري المتزايد، تجد قطر نفسها اليوم في وضع يتنامى فيه عدد الناقلات بوتيرة أسرع من كميات الغاز المتاحة للتصدير خاصة مع تضرر 20% من إنتاجها بسبب الحرب، مما يؤدي إلى خلق فائض في المعروض من الناقلات، ما قد يجعل الدوحة تسارع إلى طلب تأجيل تسليم السفن التي لم تستلم بعد من أحواض بناء السفن الكورية واليابانية.
من ناحية أخرى، قد تضطر السفن المعدة لخدمة الإنتاج القطري إلى البحث عن فرص في أسواق أخرى، عبر سوق الشحن الفوري أو عقود التأجير قصيرة الأجل أو المحافظ التجارية لأطراف ثالثة، وذلك في تحول واضح عن الهدف الأصلي للاستراتيجية. وبالفعل، عرضت شركة «قطر للطاقة» مؤخراً 10 ناقلات للغاز الطبيعي المسال للإيجار، تقع حالياً خارج مضيق هرمز، وذلك في ظل توقف عمليات الإنتاج في منشأة رأس لفان وتعطل الصادرات. تأتي هذه الخطوة مع قفزة في أسعار ناقلات الغاز المسال في الحوض الأطلسي إذ تضاعفت الأجرة اليومية في أقل من 24 ساعة لتتخطى 200 ألف دولار، وفق بلومبرغ.
ويحدث ذلك في وقت كان فيه الطلب على الناقلات مرتفعاً بسبب زيادة المسافات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، إضافة إلى نقل الشحنات نحو الأسواق الأعلى سعراً او ما يعرف بتدفقات المراجحة بين المحيط الأطلسي والهادئ. لكن دخول عدد كبير من الناقلات الجديدة إلى السوق قد يزيد العرض، وهو ما قد يمنع ارتفاع أسعار الشحن حتى مع استمرار الطلب القوي.
وتزداد أهمية التوقيت، إذ يتركز معظم تسليم السفن في 2026 و2027، وهي الفترة التي كان يُفترض أن تشهد تسارعاً في طاقة التسييل القطرية، قبل أن يتأجل هذا النمو. ما يفتح الباب أمام فائض في طاقة الشحن قد تمتد حتى نهاية العقد إذا طال أمد الإصلاحات.
ورغم أن مرونة قطر في إدارة محافظها التجارية قد يتيح لها إعادة توجيه السفن لخدمة أسواق أخرى أو الاستفادة من فرص المراجحة لتحويل الشحنات، فإن ذلك يمثل انحرافاً عن الهدف الاستراتيجي الأصلي للتوسع.
وهكذا تبرز مفارقة لافتة: فبينما تدفع اضطرابات الإمدادات أسعار الغاز نحو الارتفاع وتعزز الطلب على تجارة المسافات الطويلة، قد يسلك سوق الشحن مساراً مغايراً. فإذا تجاوز نمو الأسطول القطري حجم الشحنات المتاحة فعلياً، فإن أسعار الشحن ستجد نفسها تحت ضغط تنازلي، حتى في ظل سوق غاز يشهد ارتفاعاً في الأسعار. وهو ما يعني أن المستفيد الأول من اضطرابات الإمدادات قد يكون منتجي الغاز لا مشغلي الناقلات.
لماذا تعتبر جزيرة خرج محور النفط الإيراني؟

أثارت تقارير حول محاولة واشنطن السيطرة على جزر إيران الاستراتيجية لضمان الملاحة عبر مضيق هرمز، الحديث حول جزيرة خرج إلى الواجهة، التي وصفها ترمب مؤخراً بأنها "الجوهرة التاجية" لإيران، كما طفا على السطح تصريح قديم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 1988 قال فيه إنه إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم إيراني "فسأذهب إلى جزيرة خرج وأستولي عليها"، في إشارة إلى أن ترامب كان لديه إدراك مبكر بأهمية هذه الجزيرة الاستراتيجية.
وفي تغطيتها لموضوع هذه الجزيرة، تساءلت صحيفة أستراليان فايننشال ريفيو في عنوانها: "لماذا ترك ترامب جزيرة النفط الإيرانية هذه دون استهداف؟"، في حين اختارت ديلي تلغراف البريطانية عنواناً لتقرير لها عن الموضوع: "الجزيرة الصغيرة التي قد تُمكّن ترامب من هزيمة إيران من دون إرسال جندي واحد".
وتقع جزيرة خرج على بعد نحو 25 كيلومترا من الساحل الإيراني، وتُعد أكبر محطة مفتوحة لتصدير النفط في العالم، إذ يمكنها تحميل ما يصل إلى 7 ملايين برميل يوميا، بينما يمر عبرها ما بين 90-95% من صادرات إيران النفطية بسبب ضحالة معظم سواحل البلاد التي لا تستوعب الناقلات العملاقة.
وتُعد المحطة الرئيسية لتصدير النفط الخام والمكثفات منذ أوائل الستينيات، تغذيها خطوط أنابيب من مراكز الإنتاج الكبرى، وتضم نحو 15,000 إلى 20,000 نسمة معظمهم من العاملين في القطاع النفطي.
وقبل إعادة فرض العقوبات على إيران عام 2018، كانت جزيرة خرج تستقبل نحو 70 إلى 75% من صادرات النفط الإيرانية. وارتفعت هذه الحصة منذ 2023 لتبلغ نحو 92% وفق بيانات كبلر. وتتيح المياه العميقة المحيطة بها رسو الناقلات العملاقة، على خلاف معظم سواحل إيران الضحلة في الخليج العربي. وتحتضن الجزيرة احتياطيات تبلغ نحو 32 إلى 34 مليون برميل من النفط الخام، فضلاً عن محطة للبتروكيماويات، حسب تقرير لآرغوس ميديا.
ونظرا لموقعها الاستراتيجي، تعرضت الجزيرة لهجمات متكررة خلال حرب الناقلات في الثمانينيات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قصفت القوات الأمريكية أكثر من 90 موقعاً عسكرياً فيها شملت مرافق تخزين الألغام البحرية والصواريخ، دون المساس بأصول الطاقة.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن "الاستيلاء على الجزيرة سيقطع شريان النفط الإيراني"، في حين يرى آخرون أن إحدى أكثر الوسائل فاعلية لإضعاف النظام الإيراني قد تكون "الاستيلاء على الجزيرة" أو تعطيل منشآتها النفطية. حيث هدد ترامب باستهداف البنية التحتية النفطية هناك إن لم تكف إيران عن تهديد الملاحة في هرمز. وأي ضربة من هذا النوع ستطال مباشرة الإيرادات الإيرانية، وبشكل غير مباشر الصين المستورد الوحيد للنفط الإيراني المخفض.
وتمتلك إيران محطات تصدير أخرى، لكن لا أحد منها يمكن أن يحل محل خرج إذا تم الاستيلاء عليها أو تضررت. أهم هذه البدائل هو ميناء جاسك، الواقع خارج مضيق هرمز. حيث استثمرت إيران فيه بشكل كبير لتجاوز نقطة الاختناق وتقليل الضغط على خرج. ويصل النفط إلى جاسك عبر خط أنابيب بسعة مليون برميل يومياً من محافظة بوشهر. وبدأت إيران التحميل في جاسك في النصف الثاني من 2024، لكن الكميات لم ترقَ إلى التوقعات، ولم تُحمّل سوى بضعة شحنات منذ ذلك الحين. أما محطات سيري ولافان وسروش فتُستخدم أساساً للتزويد الجزئي، فيما تتخصص عسولية في صادرات المكثفات.
ناقلات الغاز المسال العالقة في مضيق هرمز تخسر شحناتها بسبب عملية التبخر

باتت ناقلات الغاز الطبيعي المسال العالقة في الخليج العربي تتكبد خسائر متصاعدة في شحناتها جراء ظاهرة التبخر الطبيعي المعروفة بـ"الغليان" أو LNG Boil-Off، وذلك في ظل استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز منذ بداية الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
وقال سوريان ويريا سيمونوفيتش، المسؤول التنفيذي في شركة ميتسوي أو إس كيه لاينز، إن شحنات الغاز المسال العالقة قرب المضيق بدأت تفقد قيمتها تدريجياً مع تراجع أحجامها بفعل التبخر المستمر. وأضاف خلال مؤتمر CERAWeek في هيوستن أن كل يوم تأخير يعني فقدان جزء من الشحنة.
وفي ظلّ الحرب وإغلاق مضيق هرمز، تتفاقم خسائر ناقلات الغاز الطبيعي المسال بشكل أكبر، إذ تجد السفن نفسها مضطرة للبقاء في مناطق انتظار بعيدة عن الممرات البحرية الآمنة، ما يؤدي إلى تأخيرات طويلة ترفع من حجم التبخر الطبيعي داخل الخزانات. ومع كل يوم إضافي من التعطّل، تفقد الناقلات جزءاً من شحنتها، بينما تضطر الشركات إلى حرق الغاز المتبخر لتخفيف الضغط أو إعادة تسييله بتكاليف تشغيلية مرتفعة. وفي ظل الازدحام البحري الناتج عن تحويل مسارات السفن بعيداً عن المضيق، ترتفع الخسائر إلى مستويات مؤثرة تجارياً، لتصبح تكلفة الانتظار وحدها عبئاً كبيراً على شركات الطاقة في واحدة من أكثر الفترات حساسية لسوق الغاز العالمي.
وتشير بيانات لويدز ليست إنتليجنس إلى أن نحو 200 ناقلة دولية غير خاضعة للعقوبات باتت عالقة فعلياً في الخليج، إما راسية في الأعماق أو مرسوة في المحطات أو تسير بسرعات منخفضة في انتظار تحسن الأوضاع الأمنية. وتمتلك شركة ميتسوي أو إس كيه لاينز عادةً نحو عشر ناقلات للغاز المسال والنفط الخام في الخليج في أي وقت، غير أن السفن المتجهة إليه أُمرت بعدم الدخول، فيما وُجِّهت تلك المستعدة للمغادرة إلى الانتظار في مياه آمنة.
وعلّقت شركات الشحن اليابانية الكبرى، ميتسوي أو إس كيه لاينز ونيبون يوسن وكاواساكي كيسن، جميع عملياتها عبر المضيق، ووجّهت سفنها إلى الرسو أو الانتظار في مياه آمنة خارجه منذ ليلة اندلاع الأزمة.
تداعيات الحرب على إيران تهدد مشاريع الغاز الطبيعي المسال في أمريكا وتسرع الانتقال للفحم

حذّر الرئيس التنفيذي لشركة فريبورت للغاز الطبيعي المسال Freeport LNG، مايكل سميث، من أن اضطرابات الإمدادات الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد تؤدي إلى تأخير تنفيذ مشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة في الولايات المتحدة، وتسرع من انتقال الدول إلى استخدام الفحم.
وخلال مداخلاته خلال مؤتمر CERAWeek في هيوستن، أوضح سميث أن تداعيات الصراع لا تقتصر على النفط والغاز فقط، بل تمتد إلى سلاسل التوريد الصناعية، بما في ذلك الفولاذ والمكونات الأساسية اللازمة لبناء منشآت التسييل، في وقت يعاني فيه القطاع أصلاً من ضغوط تضخمية بسبب نقص العمالة وارتفاع تكاليف الإنشاء.
ومع تصاعد التكاليف، أكد سميث أن شركته لن تمضي قدماً في إنشاء خط تسييل رابع إلا إذا تمكنت من تأمين رسوم تسييل عند مستوى 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو ما يعكس ارتفاع المخاطر والتكاليف في البيئة الحالية.
كما دعا المشترين الأوروبيين إلى تقليل نشاطهم مؤقتاً في السوق الفورية، لإفساح المجال أمام تدفق الإمدادات إلى آسيا، محذراً من أن استمرار الصراع قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 17 دولاراً خلال الصيف، مع احتدام المنافسة على الشحنات استعداداً لموسم الشتاء.
في المقابل، ارتفعت الأسعار بالفعل في أوروبا وآسيا مقارنة بمتوسط يقارب 10 دولارات قبل اندلاع الأزمة، ما يهدد بإضعاف الطلب في بعض دول جنوب شرق آسيا، التي قد تضطر للعودة إلى استخدام الفحم لتوليد الكهرباء.
ومن جانبه، أشار مسؤول في شركة وودسايد إنرجي إلى أن تصدير الغاز الأمريكي إلى آسيا بأسعار منخفضة أصبح أمراً صعباً بسبب تكاليف النقل والبنية التحتية، لافتاً إلى أن بعض المشترين غير قادرين على تحمل الأسعار الحالية.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: