"كل إنسان يظن أن حدود رؤيته هي حدود العالم" لم يكن الفيلسوف الألماني "آرثر شوبنهاور" يعلم أن مقولته الشهيرة ستتحول يومًا ما إلى شباك تقع فيها "وول مارت" حين قررت دخول السوق الألمانية، بعدما كان اسمها مرادفًا للنجاح الباهر في الولايات المتحدة.
وثقت الشركة في وصفتها السحرية المجربة: أسعار مخفضة بفضل تقنيات إدارة المخزون والخدمات اللوجستية المتطورة، وخدمة عملاء ودودة، وتوفير كل شيء يحتاجه العميل تحت سقف واحد، لكن ثمة أمرًا لم تدركه: السوق الألمانية نادرًا ما تبتسم للغرباء.

الحلم الأمريكي في أوروبا
بعدما نسجت سلسلة متاجر التجزئة قصة فريدة من الهيمنة في موطنها، اعتقدت أن وصفتها السحرية بمثابة الذهب الذي لا يصدأ، ما دفعها إلى الشروع في حملة للتوسع دوليًا، طامحة بأن تساهم العمليات الخارجية بثلث أرباحها بحلول عام 2005.
في أواخر عام 1997، حطت رحالها في ألمانيا، حاملة معها نفس "الكتالوج" الأمريكي دون تغيير، واستحوذت على سلسلة متاجر "فيرتكوف –Wertkauf" الشهيرة التي تضم 21 متجرًا مقابل 1.04 مليار دولار، وبعد عام واحد، ضمت 74 متجرًا من سلسلة الهايبرماركت "إنترسبار –Interspar" بقيمة 560 مليون يورو.
في غضون عام واحد، أصبحت رابع أكبر مشغل للتجزئة في ألمانيا، أرقام مبهرة على الورق، ولكن على أرض الواقع، كان المشهد مختلفًا تمامًا: حصة سوقية تناهز الواحد بالمئة، وخسائر تتراكم وديون تطاردها، وتسريح للعمالة.

الأولوية للسعر
الألمان لا يمزحون في موضوع السعر، بل إنهم من أكثر المستهلكين في أوروبا حرصًا على كل يورو، وحين شعرت المتاجر المحلية بقدوم المنافس الأمريكي، لم تنتظر، بل خفضت أسعارها فورًا إلى ما دون ما تستطيع "وول مارت" تحمله.
وجدت "وول مارت" نفسها في بيئة لم تألفها: هوامش ربح شبه معدومة، ومنافسون يديرون مستودعات ضخمة مخصصة للتخفيضات، لم تعد لديها ورقة رابحة تقدمها للمستهلك الألماني.
ثم جاءت الضربة القانونية، حيث اتهمتها الجهات التنظيمية باستخدام تسعير احتكاري يستهدف طرد المتاجر الصغيرة، وأمرتها رسميًا برفع أسعار الحليب والدقيق والزبدة.
متاهة الثقافة الألمانية.. كل ما اعتقدته منطقيًا أصبح غريبًا
ظنت "وول مارت" أن الحجم ورأس المال كافيان، لكنها نسيت أن السوق الألمانية تمثل مجتمعًا له طقوس صارمة، ومن يخترقها يحاكم صمتًا.
في البداية، عينت مديرين أمريكيين لا يتحدثون الألمانية، ولا يرغبون في تعلمها، وارتكبوا بعض الأخطاء التي تعارض الثقافة الألمانية السائدة، وعندما أدركت الخطأ وعينت مديرين محليين، كان الوقت قد فات، لكن المشكلة لم تكن في عائق اللغة وحده، بل في كل تفصيلة من تفاصيل تجربة التسوق.
ما أسفر عن صدام حقيقي في ممرات المتاجر ، لأن موظف "وول مارت" مدرب على الابتسام الدائم في وجه العميل، لكن في ألمانيا، قوبلت هذه البسمة بالارتياب والاستياء، فالألماني يقدس خصوصيته ويفضل تجربة تسوق سريعة وجافة، بدت الابتسامات هناك "مصطنعة" ومزعجة، واعتُبرت عروض المساعدة النشطة نوعًا من التطفل.
إلى جانب أن تطوع الموظفين لتعبئة مشتريات الزبائن (كخدمة ودية) تحول إلى تجربة منفرة للألمان، الذين يشعرون بالضيق الشديد عندما يلمس غرباء أغراضهم الشخصية.

الإقرار بالهزيمة.. الفصل الأخير في القصة
في 2005، حين كان المفترض أن تحصد "وول مارت" ثمار توسّعها الدولي، كانت فروعها الـ 85 الألمانية تولد مبيعات بملياري دولار فقط — ما يُعادل 4% من إجمالي عملياتها خارج أمريكا.
وبعد سعيها الدؤوب على مدى تسع سنوات لتحقيق النجاح أدركت أنه سيكون من الصعب الوصول إلى النتائج التي تطمح إليها في السوق الألمانية ، لذا أقرت في عام 2006، بفشلها النادر عن طريق بيع سلسلة متاجرها في ألمانيا بخسارة مليار دولار لمنافستها "مترو"، من أجل التركيز على الأسواق التي تستطيع تحقيق أهدافها فيها.
جاءت هذه الخطوة بعد شهرين من انسحاب مشابه من كوريا الجنوبية، حيث عجزت أيضًا عن منافسة المتاجر المحلية، في ضربة قاصمة لطموح "وول مارت" الأوسع نطاقًا لنشر نموذجها الناجح للغاية في مجال البيع بالتجزئة حول العالم.
المفارقة الرئيسية هي أن ما كان سببًا للنجاح الباهر في أمريكا، من خدمة عملاء ودودة وأسعار منخفضة وتجربة تسوق شاملة، تحول إلى سبب رئيسي للفشل في ألمانيا، حيث تصادمت الثقافات على رفوف المتاجر، لتبرهن أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في قوة النموذج التجاري، بل في القدرة على فهم واحترام خصوصية كل سوق وثقافته الفريدة.
المصادر: أرقام – معهد الاقتصاد العالمي والإدارة الدولية (IWIM) في جامعة بريمن - الجارديان - جلوبال ماركتنج بروفيسور – كريستيان ساينس مونيتور.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: