فاتورة التدخل السياسي .. وهم ديون أمريكية بلا كلفة
في شتاء عام 1951، كان الخلاف في واشنطن يدور حول فكرة تبدو مألوفة اليوم: الحكومة تريد إبقاء تكلفة الاقتراض منخفضة، والفيدرالي يرى أن السعر المنخفض نفسه صار جزءًا من المشكلة.

منذ الحرب العالمية الثانية كان البنك المركزي يدعم أسعار سندات الخزانة، ما يعني عمليًا كبح عوائدها لمساعدة الحكومة على تمويل الدين، لكن التضخم تسارع مع الحرب الكورية، وبحلول فبراير 1951 بلغ المعدل السنوي 21%.
انتهى الصدام في 4 مارس بـ"اتفاق الخزانة والفيدرالي"، الذي حرر البنك المركزي من التزام دعم الدين عند سعر ثابت.
لم تكن المعركة إذن حول تفضيل الفائدة المرتفعة، بل حول أمر أدق، وهو من يحدد السعر عندما يتعارض ثمن تمويل الحكومة مع استقرار العملة؟
الآن وبعد خمسة وسبعين عامًا، عاد السؤال بوجه آخر، فالرئيس "دونالد ترامب" يريد فائدة أقل، ويرى أن قوة الاقتصاد لا ينبغي أن تمنع ذلك، وبالأمس وصف مجلس الفيدرالي بأنه "مسيس"، بعدما قال في السابق إن الولايات المتحدة ينبغي أن تتمتع بـ "أدنى فائدة في العالم".
المشكلة أن قوة الاقتصاد ليست سببًا آليًا لخفض سعر الفائدة، بل قد تكون - عندما يتزامن النمو مع تضخم مرتفع - سببًا لتحمل فائدة أعلى، والأهم أن السعر الذي يخفضه الفيدرالي ليس هو نفسه السعر الذي تقترض به الحكومة لعشر أو ثلاثين سنة.
ماذا يقول الاقتصاد؟
- أبقى الاحتياطي الفيدرالي في 29 يوليو نطاق الفائدة عند 3.50% إلى 3.75% بأغلبية 9 أصوات مقابل 3؛ والمعارضون الثلاثة أرادوا رفعها 25 نقطة أساس، لا خفضها.

- بالأمس، وبعد ثلاثة أسابيع من الاجتماع أظهر المحضر أن "كثيرًا" من المشاركين في الاجتماع رأوا أن التشديد قد يصبح ضروريًا إذا لم ينخفض التضخم. هذا يعني أن البيانات التي صدرت بعد الاجتماع جعلت الصورة أقل تشددًا.
|
ماذا تقول البيانات؟ |
||||
|
المؤشر |
أحدث قراءة |
الفترة |
الدلالة |
|
|
الفائدة |
3.5 % - 3.75 % |
اجتماع يوليو |
تثبيت؛ 3 أعضاء فضلوا الرفع |
|
|
أسعار المستهلك العام |
3.4 % سنويًا |
يوليو |
تراجع طفيف، لكنه مرتفع |
|
|
أسعار المستهلك الأساسي |
2.5 % سنويًا |
يوليو |
تحسن واضح في التضخم الأساسي |
|
|
نفقات الاستهلاك الشخصي العام |
3.7 % سنويًا |
يونيو |
مقياس الفيدرالي المفضل للتضخم ما زال أعلى من هدف 2% |
|
|
نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي
|
3.3 % سنويًا |
يونيو |
لا يبرر إعلان النصر على التضخم |
|
|
الوظائف غير الزراعية |
انخفاض 23 ألفًا |
يوليو |
تباطؤ حاد في التوظيف |
|
|
البطالة |
% 4.1 |
يوليو |
سوق العمل لم تدخل ركودًا |
|
|
الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي |
1.5 % سنويًا |
الربع الثاني |
نمو أبطأ، لا انكماش |
|
الخفض الذي قد يرفع الفائدة
- هنا تصبح واقعة 1951 مفيدة مرة أخرى، فالفيدرالي يستطيع التأثير مباشرة في سعر الفائدة لليلة واحدة، لكنه لا يأمر المستثمر بشراء سند أمريكي لعشر سنوات بالعائد الذي يريده البيت الأبيض.
- العائد طويل الأجل يمكن تفكيكه تقريبًا إلى توقعات أسعار الفائدة القصيرة المستقبلية، والتضخم المتوقع، وعلاوة الأجل (التعويض الذي يطلبه المستثمر لتحمل مخاطر الاحتفاظ بالسند سنوات طويلة).
- تشير أبحاث الفيدرالي إلى أن انخفاض عدم اليقين التضخمي وارتفاع مصداقية السياسة النقدية يساعدان في خفض هذه العلاوة. لذلك إذا رضخ الفيدرالي للضغوط يمكن أن تقع المفارقة.
- في حال خفض بنك مركزي خاضع للضغط الفائدة قصيرة الأجل دون داع، فإن السوق قد يقرر أن التضخم المستقبلي أصبح أكثر خطورة، وحينها ترتفع علاوة الأجل، فلا تهبط عوائد الرهن العقاري وسندات الشركات والخزانة الطويلة كما أرادت الحكومة؛ وقد ترتفع بدلًا من ذلك.
- الفيدرالي نفسه حذر من هذه الآلية، فارتفاع علاوات الأجل بسبب الشكوك في الاستدامة المالية أو قدرة اللجنة المفتوحة للسوق على تحقيق هدف التضخم يمكن أن يعاكس أثر التيسير النقدي على تكاليف التمويل الطويل.
- هذا ما يجعل تجاهل البيانات أكثر خطورة من "قرار خاطئ" واحد، فإذا تغيرت دالة رد الفعل من "التضخم وسوق العمل يحددان السعر" إلى "الحاجة السياسية إلى فائدة منخفضة"، فإن السوق يعيد تسعير النظام لا الاجتماع القادم فقط.

تجربة نيكسون توضح الخطر
- هناك سابقة أمريكية أقرب إلى تصريحات اليوم، حيث تثبت تسجيلات البيت الأبيض أن الرئيس "ريتشارد نيكسون" ضغط على رئيس الفيدرالي "آرثر بيرنز" لتبني سياسة توسعية قبل انتخابات 1972.
- خلصت دراسة حديثة لـ "توماس دريشسل" الباحث بجامعة جونز هوبكنز إلى أن الضغط السياسي على الفيدرالي يرفع التضخم بصورة مستمرة، وأن قناة توقعات التضخم مهمة في انتقال الأثر.
- لكن هذه السابقة لا تسمح ببساطة بالقول إن "نيكسون هو سبب تضخم السبعينيات"، فصدمات النفط، وسياسات الأجور والأسعار، وأخطاء تقدير فجوة الناتج، وانهيار نظام "بريتون وودز" كلها داخل الصورة.
- مع ذلك فإن هذه السابقة تثبت خطر الضغط السياسي، خاصة خلال فترات الاضطراب الاقتصادي والجيوسياسي مثل الذي نعيشه اليوم.
نظام عفا عليه الزمن
- قبل مايو 1997 كان وزير الخزانة البريطاني صاحب القرار النهائي في مستوى الفائدة بعد اجتماعه بمحافظ بنك إنجلترا، وفي السبعينيات كانت السياسة النقدية تُعامل فترة باعتبارها تابعة لسياسة المداخيل والأسعار.
- يخلص بحث لبنك إنجلترا إلى أن استجابة سعر الفائدة للتضخم كانت أضعف من اللازم وأن السياسة فشلت في توفير "مرساة اسمية" للأسعار.
- بلغ متوسط التضخم البريطاني في السبعينيات 13% على أساس سنوي وسجل ذروته عند 27%، ثم منحت حكومة "توني بلير" بنك إنجلترا استقلالًا تشغيليًا في 1997.
- يقول محافظ بنك إنجلترا الأسبق "ميرفن كينغ" إن هذه الخطوة ساعدت في إقناع الأسواق بالتزام بريطانيا باستقرار الأسعار. قد لا يثبت ذلك أن الاستقلال وحده سبب الاستقرار، لكنه (على الأقل) نموذج لدولة متقدمة جربت نظامًا أقرب إلى القرار السياسي المباشر ثم تحركت بعيدًا عنه، لا نحوه.
الافتراض الذي قد يقلب الاستنتاج
- هناك حجة قوية لصالح خفض الفائدة: ماذا لو كان التضخم الحالي في معظمه أثرًا مؤقتًا للطاقة والتعريفات، وسوق العمل بدأت تتدهور أسرع مما تكشفه البطالة؟ انخفاض مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي إلى 2.5% وخسارة 23 ألف وظيفة في يوليو يجعلان هذا الاحتمال قابلًا للنقاش.

- إذا أكدت بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يوليو تراجعًا واسعًا في التضخم، ثم جاءت وظائف أغسطس ضعيفة مرة أخرى، فقد يصبح الخفض قرارًا متسقًا تمامًا مع البيانات.
- لكن عندها ستكون المشكلة في طرح "ترامب" ليست نتيجته، بل القاعدة التي أوصلته إليها، فالخفض الصحيح للأسباب الخطأ يظل خطرًا إذا أوحى بأن القرار السياسي حل محل دالة رد الفعل الاقتصادية.
ماذا تغير منذ 1951؟
- كان اتفاق 1951 يحرر الفيدرالي من واجب إبقاء تكلفة تمويل الخزانة منخفضة، والمفارقة أن ذلك الفصل نفسه أصبح بمرور الوقت أحد الأصول التي تساعد الخزانة على الاقتراض بثقة.
- لذلك فإن مطالبة أمريكا "بدفع فائدة أقل" ليست غير معقولة في ذاتها. الخطأ هو افتراض أن أقصر طريق إليها يمر عبر إجبار البنك المركزي على خفض سعره.
- السوق الذي يعتقد أن التضخم سيُقاوَم يستطيع أن يقبل علاوة أقل، والسوق الذي يشك في ذلك يطلب تعويضًا أكبر ليحتفظ بالدين سنوات طويلة.
- هنا يفترق 2026 عن 1951 في التفاصيل، لكن الآلية تبقى: حين تحاول الحكومة السيطرة على ثمن المال، قد تكتشف أن الجزء الذي لا تستطيع السيطرة عليه أصبح أغلى.
- بناءً على ذلك، سيكون هناك ثلاثة اختبارات تسبق اجتماع الفيدرالي في سبتمبر، وهي بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي التي تصدر في 26 أغسطس، وتقرير الوظائف الذي يصدر في 4 سبتمبر، وتقرير أسعار المستهلك في 11 سبتمبر.
- إذا هبط التضخم واستمر ضعف سوق العمل، ستكتسب دعوات الخفض مزيدًا من الزخم، أما استمرار التضخم قرب المستويات الحالية فسيجعل تجاهل البيانات هي القصة الأساسية، لا مستوى الفائدة نفسه، فبرأيك: هل ترضخ عوائد السندات لحسابات السياسة أم تظل رهينة لبيانات التضخم وسوق العمل حتى اجتماع سبتمبر؟
المصادر: أرقام- تقارير وأبحاث الفيدرالي- موقع تاريخ الفيدرالي- رويترز- سي إن بي سي- مكتب إحصاءات العمل الأمريكي- مكتب التحليلات الاقتصادية التابع لوزارة التجارة الأمريكية- الرابطة الاقتصادية الأمريكية- المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية في أمريكا- تقارير بنك إنجلترا
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: