الطاقة في أسبوع: العالم يواجه أزمة وقود وهوامش التكرير تسجل أرقاماً قياسية

يتناول تقرير الطاقة لهذا الأسبوع تصاعد أزمة الوقود عالمياً مع ارتفاع هوامش تكرير الديزل إلى مستويات قياسية، ما دفع الحكومات إلى إجراءات استثنائية، من بينها طرح الخلطات الشتوية في الولايات المتحدة قبل موعدها، وتقنين المبيعات في روسيا وتخفيف قيود الاستيراد في أوكرانيا. كما يرصد تعليق تغطية مخاطر الحرب لعبور باب المندب، وتوقعات فقدان أوروبا خُمس طاقتها التكريرية بحلول 2035، وعودة الناقلات الغربية تدريجياً إلى نقل الخام الروسي مع تراجع أسعار الأورال. وتكشف التطورات أن الأزمة لم تعد مرتبطة بتوفر الخام فقط، بل بقدرة العالم على تكريره ونقله وتوزيعه، ما يهدد بانتقال الضغوط إلى النقل والصناعة والتضخم العالمي.
أزمة الديزل تتسع عالمياً وهوامش التكرير تسجل أرقاماً قياسية

تتسع أزمة الوقود العالمية مع قفزة أسعار الديزل وهوامش تكريره إلى مستويات قياسية، في وقت تتعرض فيه المصافي وسلاسل الإمداد لضغوط متزامنة بسبب الحرب في الشرق الأوسط والهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية واضطراب طرق التجارة.
ولأول مرة، تجاوزت هوامش تكرير الديزل في الولايات المتحدة 100 دولار للبرميل، فيما اقترب سعر الديزل من 190 دولاراً للبرميل، رغم بقاء أسعار الخام دون قممها المسجلة في مارس. وفي أوروبا، ارتفع هامش تكسير الديزل في منطقة أمستردام-روتردام-أنتويرب إلى 88.45 دولاراً للبرميل في 19 أغسطس، مقابل 71.71 دولاراً في يوليو و44.75 دولاراً في يونيو.
وبسبب هذه الأزمة، لجأت العديد من الحكومات والمشترين عبر مختلف انحاء العالم إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لتخفيف الضغوط على الأسواق. ففي الولايات المتحدة، سمحت إدارة ترامب ببدء بيع الخلطات الشتوية اعتباراً من 1 سبتمبر، قبل موعدها المعتاد في منتصف الشهر، بعد أن خففت وكالة حماية البيئة متطلبات البنزين الصيفي. ويسمح الإعفاء ببيع بنزين ممزوج بـ10% من الإيثانول، وهو خليط يتبخر بوتيرة أسرع من البنزين الصيفي، ما يتيح للمصافي استخدام مكونات وقود أكثر تطايراً خلال فترة الطلب المرتفع. وتأتي الخطوة في محاولة لزيادة المعروض وخفض تكاليف الوقود، في ظل الضغوط التي خلفتها الحرب في إيران.
وفي روسيا، بدأت الحكومة استيراد الوقود وخففت معايير الجودة للسماح ببيع ديزل Euro 2 وEuro 3 وEuro 4، فيما تحولت الأزمة إلى تقنين فعلي عند المحطات. وحدت غازبروم نفت المبيعات إلى 60 لتراً من البنزين في منطقة موسكو، بينما فرضت تاتنفت سقفاً يبلغ 50 لتراً للبنزين و60 لتراً للديزل للمركبة. ومددت موسكو حظر تصدير البنزين والديزل لحماية السوق المحلية، بعد أشهر من الهجمات الأوكرانية على المصافي ومنشآت التخزين.
وتواجه أوكرانيا أزمة إمدادات مماثلة، إذ خففت إجراءات التخليص الجمركي لواردات الديزل لتسريع دخول الشحنات، بينما يعرقل انخفاض منسوب نهر الدانوب حركة نقل الوقود. وتبحث كييف عن إمدادات بديلة في وقت تتعرض فيه بنيتها التحتية لهجمات روسية ويظل إنتاجها المحلي من الديزل محدوداً.
في إيران، أصابت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية جانب الإنتاج نفسه، ما فاقم أزمة إمدادات الوقود، إذ أدى تراجع إنتاج المكثفات في حقل بارس الجنوبي بنحو 230 ألف برميل يومياً إلى تقليص إمدادات أحد أهم مصادر الخام الذي تعتمد عليه المصافي الإيرانية لإنتاج البنزين، فيما يرتبط الحقل بنحو 60% من إنتاج البنزين في البلاد. كما تعرضت منشآت التكرير والتخزين والنقل لأضرار واسعة، ما زاد صعوبة تحويل الإمدادات المتاحة إلى وقود وتوزيعه في السوق المحلية.
وتعيد الأزمة تشكيل تجارة الوقود في آسيا أيضاً. فقد استقبلت فيتنام أول شحنة مباشرة من الديزل من مصفاة ريلاينس الهندية منذ 8 سنوات، بعدما ألغت رسوم استيراد الوقود في مارس لتوسيع قاعدة مورديها وتقليل اعتمادها على المصادر التقليدية وسط مخاطر الشحن في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، خفضت الصين معالجة الخام بنسبة 15.8% على أساس سنوي في يوليو إلى نحو 12.5 مليون برميل يومياً، قبل أن تخفف تدريجياً قيود صادرات المنتجات النفطية التي فرضتها لحماية السوق المحلية.
وتظهر تداعيات الأزمة في أوروبا أيضاً من خلال تراجع الطلب. ففي فرنسا، انخفضت تسليمات وقود السيارات 4.1% في يوليو للشهر الرابع على التوالي، بينما تراجعت تسليمات الديزل 7.4%، ما يشير إلى أن ارتفاع الأسعار بدأ يدفع المستهلكين والشركات إلى تقليص استهلاك الوقود. كما تسبب انخفاض مستوى نهر الراين في ألمانيا إلى أدنى مستوى له منذ بدء تسجيل البيانات في 1880، إلى أزمة وقود في شرق فرنسا بعد توقف الملاحة عبر النهر.
وتكشف هذه التطورات أن أزمة الطاقة لم تعد تتمحور حول سعر الخام وتوفر الإمدادات فقط، بل حول قدرة العالم على تكريره وتخزينه ونقله إلى الأسواق التي تحتاج إليه. ومع ارتفاع تكلفة الديزل، تنتقل الضغوط سريعاً إلى النقل والزراعة والصناعة وسلاسل الإمداد، ما يزيد خطر تحول أزمة الوقود إلى موجة أوسع من التضخم في الاقتصاد العالمي.
شركات التأمين البحري تعلق تغطية مخاطر الحرب لعبور باب المندب

أعلنت 5 من أكبر أندية الحماية والتعويض في العالم (P&I) تعليق جزء من تغطية مخاطر الحرب للسفن وناقلات النفط العابرة لمضيق باب المندب، عقب أول هجوم بحري دامٍ في المنطقة.
وقالت أندية London P&I وSkuld وSwedish Club وNorthStandard وShipowners' Club في تعميمات نشرتها عبر مواقعها، إن تغطيتها ذات القسط الثابت للحوادث المرتبطة بالحرب في أجزاء من المحيط الهندي والبحر الأحمر وخليج عدن ستُنهى خلال الأيام المقبلة.
وجاءت الخطوة بعد أن ألغى معيدو التأمين لدى أندية الحماية والتعويض اتفاقيات إعادة التأمين التي تغطي هذه الرحلات، في ظل ارتفاع المخاطر التي تواجه الملاحة البحرية. وعادةً ما تُستأنف التغطية بأسعار أعلى بعد أن تؤمّن الأندية تغطية جديدة لإعادة التأمين عقب مفاوضات جديدة، لكن عمليات النقل البحري قد تتعرض لتعطل مؤقت خلال هذه الفترة.
وفي 11 أغسطس، أصيبت سفينة الشحن Tihamah التي ترفع علم تنزانيا بمقذوف قبالة سواحل المخا في اليمن، ما أدى إلى مقتل عدد من أفراد طاقمها، وفقاً للمنظمة البحرية الدولية.
وقال أرسينيو دومينغيز، الأمين العام للمنظمة التابعة للأمم المتحدة، في بيان صدر في 12 أغسطس، إن وقوع الهجوم الأخير في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن «مثير للقلق بشكل خاص»، مجدداً دعوته ملاك السفن ومشغليها إلى إجراء تقييم شامل للمخاطر قبل العبور في هذه المنطقة وغيرها من المناطق عالية الخطورة، والالتزام بالممارسات المناسبة لإدارة المخاطر.
وقالت الحكومة اليمنية المعترف بها من الأمم المتحدة إن 3 بحارة باكستانيين وبحاراً إندونيسياً قتلوا في الهجوم الحوثي.
أوروبا تخسر خُمس طاقتها التكريرية بحلول 2035 وسط أزمة وقود

تواجه أوروبا موجة جديدة من انكماش قطاع التكرير، مع توقع انخفاض طاقته بنحو 20% خلال العقد المقبل إلى ما يزيد قليلاً على 9 ملايين برميل يومياً بحلول 2035، مقارنة بنحو 14 مليون برميل يومياً مطلع القرن، وفق بيانات وكالة إس أند بي غلوبال.
وفي الولايات المتحدة، يُتوقع أن تنخفض الطاقة التكريرية بنحو 7% إلى 16.7 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها، بينما تواصل المصافي في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا التوسع.
ورغم تشغيل المصافي الأوروبية والأمريكية قرب طاقتها القصوى هذا العام، مدفوعة بنقص الوقود الناجم عن حرب الشرق الأوسط وارتفاع هوامش التكرير، لا يُتوقع أن تعكس الأزمة الحالية المسار طويل الأجل لانكماش القطاع في الغرب.
وقال دانيال إيفانز، رئيس قطاع التكرير لدى أ اند بي غلوبال، إن الحرب دفعت الحكومات إلى إعادة تقييم الأهمية الاستراتيجية للمصافي، لكنها لم تغير العوامل الجوهرية التي تحدد مستقبل الصناعة.
وتواجه المصافي الأوروبية منافسة متزايدة من منشآت أحدث في الصين والشرق الأوسط والهند وأفريقيا، بالتزامن مع تراجع الطلب على الوقود مع انتشار السيارات الكهربائية والهجينة. وقفزت مبيعات هذه المركبات في فرنسا وألمانيا بنسبة 63% و48% على التوالي خلال النصف الأول من العام.
وأغلقت أوروبا نحو 500 ألف برميل يومياً من طاقتها التكريرية العام الماضي، بينها مصفاتان بريطانيتان من أصل 6.
وقد تمنح الحرب بعض المصافي المتعثرة مهلة إضافية، مع تركيز الحكومات على أمن إمدادات الوقود، لكن المحللين يرجحون استمرار إغلاق الوحدات الأقدم والأصغر، خاصة مع ارتفاع تكاليف الصيانة والتحديث التي قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات كل عدة سنوات.
وحذر ديف سانيل، الرئيس التنفيذي لشركة VaroPreem، من أن إغلاقات السنوات الماضية عمّقت اعتماد أوروبا على واردات الوقود، داعياً إلى اعتبار التكرير جزءاً من أمن الطاقة والدفاع.
وفي الولايات المتحدة، أعلن الرئيس دونالد ترامب خططاً لبناء أول مصفاة أمريكية كبرى جديدة منذ 5 عقود في تكساس، إلى جانب الدفع لإعادة تشغيل مصفاة سانت كروا في جزر العذراء الأمريكية، في تحرك يعكس تنامي التركيز السياسي على أمن إمدادات الوقود.
تراجع أسعار الخام الروسي يفتح الباب أمام عودة الناقلات الغربية وإعادة تشكيل السوق

ارتفعت حصة الناقلات المرتبطة بدول مجموعة السبع وحلفائها في نقل صادرات الخام الروسي إلى 36.2% في يوليو، أعلى مستوى في عام كامل، في مؤشر يتجاوز كونه رقماً عابراً ليعكس تحولاً بنيوياً في حسابات الجدوى الاقتصادية للتجارة الملتزمة بسقف الأسعار الغربي.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا السقف لم يعد موحداً بين أعضاء التحالف الغربي. فبعد أن كان 60 دولاراً للبرميل منذ إطلاقه عام 2022، خفّضه الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا إلى 44.10 دولار اعتباراً من فبراير 2026، عبر آلية تعديل ديناميكية تُبقيه دائماً أقل بنسبة 15% من متوسط سعر خام الأورال. أما اليابان فأبقت سقفها عند 47.60 دولار، في حين تمسكت الولايات المتحدة بالمستوى الأصلي عند 60 دولاراً دون تخفيض.
هذا التعدد في المستويات يعني عملياً أن الناقلات الأوروبية، وفي مقدمتها اليونانية، تخضع لقيود أكثر صرامة من نظيراتها الأمريكية، وهو ما يجعل نشاطها المتصاعد أكثر دلالة على أن هامش الربح بات كافياً حتى عند السقف الأدنى.
فبحسب بيانات S&P Global، نقلت الناقلات المتوافقة 36.2% من صادرات بلغت 4.3 مليون برميل يومياً، مرتفعة من 34.4% في يونيو، لتسجل الزيادة الرابعة على التوالي. الاستمرارية هنا أهم من الرقم نفسه، إذ تشير إلى اتجاه راسخ وليس تذبذباً موسمياً.
والمحرك الأساسي لهذا التحول ليس تشدداً في تطبيق العقوبات بقدر ما هو انهيار في أسعار خام الأورال، الذي هبط متوسطه عند ميناء بريمورسك من 60.30 دولاراً في يونيو إلى 52.93 دولاراً في يوليو، بل لامس أقل من 40 دولاراً مطلع الشهر. وهذا الهبوط وسّع تلقائياً هامش التجارة المتوافقة مع سقف الأسعار الغربي بمستوياته المختلفة، ما جعل مزيداً من الشحنات مؤهلة قانونياً لاستخدام الناقلات والتأمين الغربيين دون الحاجة إلى كسر العقوبات، خصوصاً في السوق الأوروبية الأكثر تشدداً.
الشركات اليونانية استثمرت هذه الفرصة بوضوح، إذ رفعت شحناتها إلى 26.4 مليون برميل، أعلى مستوى شهري في نحو ثلاث سنوات، رغم الجدل السياسي الداخلي المتصاعد في اليونان حول استمرار هذا النشاط. وهذا يكشف أن الحافز الاقتصادي، المتمثل في عوائد مرتفعة نسبياً مثل 88 ألف دولار يومياً لناقلة Aframax على خط أوست لوغا إلى سيكا، ما زال يتفوق على الضغوط السياسية.
لكن هذا التحول لا يعني تراجع الأسطول الخفي بالقدر ذاته. فالسفن غير المرتبطة بمجموعة السبع، خصوصاً تلك المدارة من شركات صينية وهونغ كونغية وروسية وإماراتية، نقلت 73.5 مليون برميل في يوليو، ما يؤكد أن هذا المسار مازال العمود الفقري لجزء واسع من الصادرات الروسية.
والفارق الجوهري أن هذا المسار بدأ يواجه كلفة تشغيلية متصاعدة، مع تشديد المنظمة البحرية الدولية الرقابة على تسجيل السفن والأعلام، إذ رُصدت 115 حالة إزالة أو ادعاء غير صحيح لتسجيل الأعلام خلال الفترة المرصودة، منها 105 ناقلات نفط وغاز ومواد كيميائية، وفرضت عقوبات غربية على 108 منها.
النتيجة العملية أن السوق يتجه نحو إعادة توازن تدريجية وليست حاسمة. فكلما انخفضت أسعار الخام الروسي، ضاق الحافز الاقتصادي لتحمل مخاطر ومتاعب الأسطول الخفي، وازدادت جدوى العودة إلى قنوات الشحن التقليدية الأكثر شفافية وأقل عرضة للعقوبات التشغيلية، حتى عند أدنى مستويات السقف الغربي. بمعنى آخر، تراجع الأسعار قد يفعل ما عجزت عنه العقوبات وحدها، وهو تفكيك تدريجي لهيكل التجارة الموازية من الداخل، عبر تغيير معادلة الربح لا عبر الإنفاذ فقط.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: