جورج ريشاني المدير العام لمجموعة الخزينة في بنك الكويت الوطني : مع أزمة أوروبا..تحولت أميركا إلى أعور بين العميان
طعم اللقاء مع مصرفي متخصص غير. فكيف إذا كان المصرفي ابن أكبر بنك في الكويت ومربي أجيال من المصرفيين؟ إنه جورج ريشاني المدير العام لمجموعة الخزينة في بنك الكويت الوطني. قصدت القبس مكتبه لطرح مجموعة أسئلة تتعلق بأزمة الديون السيادية في أوروبا وتأثيراتها على المنطقة وعلى الكويت وسوقها ومصارفها.
يزن ريشاني أجوبته بميزان الذهب: لا يتردد في رفض الإجابة إذا كانت «المسألة حساسة»، ويعرف كيف يفنّد رأيه ويدعمه بالبراهين. يستلذ السامع (والقارئ) بتواريخ وأرقام وأمثلة تجعل من مدير خزينة «الوطني»، خزينة معلومات لا بد من المرور عبرها لمعرفة جذور الأزمات ونتائجها المتوقعة. وفيما يلي نص الحوار «اللذيذ» مع ريشاني:
* هل تتوقع استمرار أزمة اليورو؟
الجواب على هذا السؤال صعب. لقد رأينا تقلبات كبيرة في سوق الصرف، بعد الأزمة التي عصفت بمنطقة اليورو وبالتوجه السياسي الذي اتخذته الدول الكبيرة مثل فرنسا وألمانيا، إذ كان هناك تباين في وجهات النظر. ففي فبراير الماضي عندما اندلعت أزمة اليونان، كان الموقف الألماني يصب لمصلحة عدم مساعدة أثينا. لكن الألمان غيروا رأيهم بعد أن اكتشفوا ما أدركه الفرنسيون في البداية، وهو أن ترك اليونان لمصيرها سيؤثر على الاتحاد.
فحكومة المستشارة أنجيلا ميركل الائتلافية كانت محتارة ووجدت نفسها بين نارين: إما دعم اليونان مباشرة أو دعم البنوك المحلية التي قد تتأثر في حال تعثر اليونان. فوجدت أن الأفضل هو دعم الاتحاد الأوروبي ودولة عضو فيه، لأن في النهاية ستصل المشكلة إلى البنوك الألمانية بطريقة غير مباشرة. وهنا وُلدت خطة الانقاذ بقيمة 110 مليارات يورو، 30 مليارا منها من صندوق النقد الدولي و80 مليارا من الاتحاد الاوروبي، وتتحمل ألمانيا 22 مليارا من الاجمالي.
فالضغط كبير على الألمان لانقاذ اليونان، والموضوع بمجمله سياسي بالدرجة الأولى. فكيف مثلا يمكن أن يقبل الناخب أو العامل الألماني أن يحول أموال ضرائبه لدولة أخرى، بينما يرى أن شروط العمل للفرد اليوناني أحسن بكثير من شروط العمل للفرد الألماني. فالفرد اليوناني يتمتع في جزره ويتناول الزيتون والجبنة، في حين أن الفرد الألماني يعمل بكد.
لكن في النهاية، تمت الموافقة على خطة الانقاذ لأنهم وجدوا أنها الحل الأمثل. فالأزمة اذا لم تُعالج فستصب في حضن البنوك الفرنسية والألمانية، المنكشفة بشكل كبير على اليونان وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
* هل تشرح لنا لماذا تأثر اليورو كعملة بهذه الأزمة؟ هل لأن ديون اليونان باليورو، أو لأن البنوك الأوروبية منكشفة على الديون أو لأن السندات مقوّمة باليورو؟
كل هذه العوامل التي ذكرتها صحيحة. فاليورو هو رمز للاتحاد وعملة ولدت في عام 1999. والمشكلة أن الأوروبيين بدأوا باتحاد نقدي قبل الاتحاد المالي أو السياسي. فهم لم يضعوا مثلا آلية للسياسة المالية. ففي الولايات المتحدة، يعمل النظام الفدرالي على تحويل مبالغ من أموال الولايات الغنية الى الولايات الفقيرة، لتكون هناك عدالة.
أما في أوروبا، فلا يوجد نظام فدرالي يسمح مثلا بتحويل ضرائب من ايطاليا لمساعدة اسبانيا. فحتى اليوم، ومع اقرار خطة الدعم بقيمة 750 مليار يورو، لا توجد آلية دقيقة لصرف المبالغ لدعم الدول التي ستحتاج الى ذلك.
أريد أن أشير الى أمر مهم هنا، وهو أن المسألة في الأزمة الحالية تتعلق بالثقة، اذ اكتشفت الأسواق أن القرار السياسي لدعم اليونان غير واضح، كما أن لا اتفاق سياسيا بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي، وأيضا لا آليات قانونية لتحويل الأموال من مكان الى آخر. ولهذا السبب طالت عملية اتخاذ قرار الانقاذ، عبر البرلمانات والحكومات.
الاتحاد النقدي
* برأيك أن الاتحاد النقدي يجب أن يسبقه اتحاد سياسي ومالي، أليس من الصعب تطبيق ذلك؟
تاريخيا، لم ينجح أي اتحاد نقدي بمفرده. ما قصة الاتحاد الأوروبي؟ بالعودة الى اتفاقية ماسترخت عام 1992 (معاهدة الاتحاد الأوروبي)، نجد أنها فرضت 5 شروط، أبرزها نسبة الدين العام الى اجمالي الناتج المحلي التي يجب ألا تتعدى %60، ونسبة العجز في الميزانية التي يجب ألاّ تتخطى %3 من اجمالي الناتج القومي.
وكان هناك شروط أخرى بالنسبة للتضخم وأسعار الفوائد وأسعار الصرف. في نهاية التسعينات، أقرّت الدول الأوروبية اتفاق الاستقرار المالي والنمو (Financial stability and growth pact) وهو اتفاق لاجبار الدول على الاستمرار بتطبيق المعايير وشروط الاتحاد. لكن حتى اليوم نجد أن جميع دول منطقة اليورو لا تلتزم بنسبة العجز المالي مثلا، بما فيها المانيا وفرنسا. وكذلك هو الامر بالنسبة للديون الى الناتج القومي. فصحيح أن الشروط كانت موجودة، لكنها فرضت كتمنيات أكثر منها كضوابط والتزامات وشروط قانونية.
والأصح برأيي أن تكون هناك آلية لطرد الدول من الاتحاد تلقائيا اذا لم تطبق هذه الشروط والالتزامات. فالدول الأوروبية الصغيرة، خصوصا الجنوبية منها، لن تترك اتحاد اليورو من تلقاء نفسها. لماذا؟ بالعودة الى منتصف التسعينات، نجد أن أسعار فائدة اقتراض هذه الدول مثل اليونان كانت تبلغ %20، بينما كانت ألمانيا تقترض عند %6 أو %7، فكان الفارق بين قدرة ألمانيا على الاقتراض أفضل بكثير من قدرة اليونان.
لكن عندما انضمت هذه الأخيرة الى منطقة اليورو، وجدت فجأة أنها تستطيع الاقتراض بمعدلات تقارب معدلات ألمانيا وفرنسا المتدنية. فكان هذا الأمر بمنزلة جائزة بالنسبة اليهم، خصوصا أن اليونانيين غير معتادين على الانضباط المالي بطبيعتهم، وذلك بسبب النسيج الاجتماعي والنظام الاشتراكي اليساري الذي يوفر سن تقاعد منخفضة وساعات عمل قليلة وامتيازات أخرى مختلفة. وفجأة، وجدت الحكومة اليونانية نفسها بموقع مريح، فباتت تستطيع الاقتراض لمواصلة الانفاق، وبدأت الاستدانة بشكل غير مسؤول، لتصل كمية الديون إلى مئات المليارات، وتصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى %120، وتصل نسبة العجز في الميزانية إلى حوالى %13.6.
غير أن الطامة الكبرى كانت عندما استلمت الحكومة اليونانية الجديدة السلطة في أكتوبر الماضي، وكشفت للمرة الأولى أن الحكومة السابقة كانت تتستر على أرقام الموازنة، إذ كانت تدّعي أن العجز في الميزانية كان في حدود %6 بينما كان في الواقع يتعدى %12. إذا الأزمة كبيرة جدا بالنسبة لليونان.
حلّان فقط
* ما الحل برأيك؟
لا تستطيع اليونان معالجة أزمة ديونها. فالحلان الوحيدان اللذان توافرا في الماضي هما إما عبر خلق تضخم بحيث تقلّ قيمة الدين وبالتالي تخف الأعباء، أو عبر تخفيض قيمة العملة. وهذا الحل لجأت إليه أغلب الدول التي سقطت في مصيدة الدين لأنه مع التقشف وضبط النفقات من الصعب أن توجد تضخّما، فتلجأ الدول للعامل الخارجي وهو التصدير. فتعمل الحكومات على زيادة تنافسية صادراتها عبر تخفيض قيمة العملة. لكن هذه الطريقة ليست متوافرة اليوم لليونان بسبب وجوده ضمن الاتحاد واستخدامه لليورو. فلو استمر اعتماد الدراخما لغاية اليوم، لكانت الأمور أسهل بالنسبة لليونان لحل أزمة ديونها الحالية.
* وكيف تتم عملية خلق التضخم، إذا أرادوا اللجوء للحل الأول؟
عبر سياسة نقدية، منها تخفيض الفائدة للحد الأدنى.
* هل وصلت فعلا اليونان إلى حافة الافلاس؟
نعم، وصلت إلى حافة الافلاس. فخلال السنوات الثلاث المقبلة، يستحق على الحكومة اليونانية 160 مليار يورو. وأتت خطة الانقاذ الأوروبية لمعالجة ديون سنتين، أو ثلثي القروض المستحقة خلال السنوات الثلاث المقبلة. لكن ما الهدف من خطة الانقاذ التي تبلغ قيمتها 110 مليارات يورو لليونان، او خطة الدعم الأكبر والبالغة 750 مليار يورو لكافة دول الاتحاد الاوروبي؟ الهدف برأيي هو فقط كسب الوقت، لربما تعود مع الأيام ثقة المستثمر بالاتحاد الأوروبي، ويعود الاقراض.
* برأيك هل عودة الثقة هي سبيل الانقاذ الوحيد؟
طبعا، إذ ليس هناك ثقة بسندات الدول ولا بقروض بعض البنوك الاوروبية. فأسعار العوائد على سندات اليونان وصلت إلى %16 و%18. هذا افلاس بالكامل. في الحقيقة، سمحت خطة الانقاذ بعدم لجوء اليونان مرة أخرى إلى الأسواق لطرح سندات والاقتراض من الاسواق خلال هذه الازمة والى حين. فالخطة عزلت أثينا عن أسواق الدين الى حد ما، لأنها ستحصل على ما تريده من أموال الخطة.
وبالتالي، لن تلجأ إلى الأسواق التي قد تمتنع عن تمويلها، ما قد يخلق بلبلة وحالة من عدم اليقين. إذا الهدف من الخطة هو توفير السيولة وابعاد اليونان عن الأسواق لحين عودة الثقة إلى هذه الأخيرة رويدا رويدا.
عملة احتياط
* لكن بالطبع مع انهيار اليورو، ستنهار عملة احتياط العالم الثانية. ما رأيك؟
أحد أهداف تأسيس اليورو هو خلق عملة احتياط عالمية إلى جانب الدولار الأميركي والين الياباني. وكانت حصة اليورو من احتياطيات الصرف العالمية عند بدايته حوالي %19، وصلت في 2009 إلى حوالي %28، بعد أن استحوذ على جزء من حصة الدولار، التي انخفضت من ما يقارب %70 إلى %63 خلال الأعوام العشرة الماضية. والأزمة الحالية ستؤثر في نظرة الدول إلى اليورو كعملة احتياط وتخفف من رغبتها في مراكمة اليورو كاحتياط. لكن هذا الأمر سيستغرق وقتا غير قليل حتى نلمسه بالارقام.
ومع أزمة اليونان، لجأ المستثمرون الى الدولار على اعتبار أنه ملاذ آمن، لكن هذا لا يعني أن مشاكل أميركا قليلة. بالعكس مشاكل الولايات المتحدة كبيرة جدا.
لكن مع غياب البديل الحقيقي للدولار، تحولت أميركا الى «أعور بين العميان». فديونها ضخمة وعجزها مرتفع، لكن المستثمرين اتجهوا أيضا للسندات الأميركية التي انخفضت عوائدها أخيرا. وفي نهاية المطاف، سيصحو المستثمر على مشكلة جديدة. ولا أحد يعرف ماذا سيحصل حينها، خصوصا أن العالم يعيش خبرة جديدة كليا. فالأزمة ليست أزمة سيولة فقط، بل أزمة ائتمان عالمي، والجميع بانتظار الوقت.
* ما تأثير أزمة اليورو على دول مجلس التعاون الخليجي؟
بالنسبة لاحتياطيات الدول الخليجية، أتصور أن أغلب احتياطياتها بالدولار، كما مداخيلها النفطية أيضا. وقد يكون أحد تأثيرات الأزمة أيضا اذا دخلنا في ركود اقتصادي عالمي انخفاض الطلب على الطاقة بسبب سياسات التقشف في كثير من دول العالم، ما سيؤثر في أسعار النفط. وأعتقد أن الدول الناشئة مثل الصين والهند لن تستطيع تعويض فجوة الطلب الذي خلقته الدول المتقدمة.
سعر الصرف
* ما مدى تأثير ارتفاع الدولار وانخفاض اليورو على عملات المنطقة المرتبطة بالعملة الخضراء، باستثناء الدينار الكويتي؟
لا تأثير كبيرا يذكر. فالمنطقة مرت بأزمات مختلفة منذ عشرات السنين. أما الكويت فهي في موقف تقدر عليه، لأن سلة العملات أوجدت لها آلية للتعامل مع الأزمات أكثر ديناميكية من ميكانيكية الربط بالدولار. فالسلة تمنح متنفسا للتحرك صعودا وهبوطا، لذا كان تقلب سعر صرف الدينار قليلا، حيث لدى السلطات النقدية في الكويت قدرة على التحكم بأسعار الفائدة بحرية أكبر، وذلك بسبب عدم ربطها الدينار بالدولار بل اعتمادها سلة عملات لتسعير الدينار.
* هل ستستمر برأيك أسعار الفائدة منخفضة في المنطقة والعالم؟
من دون شك، ستبقى أسعار الفوائد الرسمية منخفضة. لا أرى تغييرا في المدى القريب.
* ما مدى تأثر استثمارات الكويت بالسندات الأميركية بهذه الأزمة؟
معظم استثمارات الصناديق السيادية في العالم بالسندات الأميركية هي استثمارات طويلة المدى. وعادة ما تحمل هذه الصناديق والحكومات هذه السندات حتى النهاية، وتتقاضى العوائد منها. وبالتالي، لا اعتقد ان هناك تأثيرا للأزمة على عوائد السندات التي تحصل عليها الحكومة، فهي ليست محافظ للمتاجرة، بل محافظ استثمارية ذات استراتيجيات طويلة الاجل.
* هل لأزمة اليونان أي تأثير في سيولة المصارف الكويتية، كما حصل مع أزمة الرهن العقاري؟
لم تؤثر أزمة ليمان براذرز في سبتمبر 2008 برغم حدتها في سيولة البنوك المحلية اطلاقا، لكنها اثرت في الثقة حينها بين البنوك العالمية، ما جمد أسواق الانتربنك العالمية. وحاليا، مع أزمة اليونان، تأثرت البنوك الأوروبية أكثر من غيرها، خاصة البنوك الصغيرة المنكشفة على ديون أثينا ومدريد وغيرها من الدول الاوروبية المهددة بالتعثر.
ويمكن القول ان الأسواق العالمية ما بين البنوك ليست مرتاحة تماما اليوم. أما بالنسبة للكويت، فالسيولة متاحة بين البنوك، ويوفر البنك المركزي السيولة بشكل ممتاز للأسواق، كما أن المؤسسات شبه الحكومية ما زالت تضخ سيولة بكميات في القطاع المصرفي المحلي. ويمكن اعتبار أن البنوك الكويتية تعيش في عالم آخر، إذ لم تتأثر على الإطلاق بالازمة الاوروبية.
90%
ينتقد جورج ريشاني مؤسسات التصنيف العالمي التي لعبت، برأيه، دورا في عدم تصنيف المخاطر بشكل سليم، وكانت الى حد ما غير استباقية في تقديراتها على مستوى الدول والبنوك والمؤسسات. فهل يعقل أنه عشية الأزمة المالية في نهاية 2007، كان 64 ألف منتج مهيكل مسمى CDO (التزامات الدين المضمونة) مصنف AAA؟ واليوم، %90 من هذه المنتجات باتت خردة.
انهيار اليورو انهيار للنموذج لا للدول
تحدث جورج ريشاني عن صراع تاريخي قائم بين فرنسا والمانيا. فقد قامت فكرة الاتحاد الاوروبي على اساس تنافس فكرتين ايديولوجيتين: الاولى نموذج الامبراطورية الرومانية حيث تكون الدولة المركزية قوية وتدار من قبل مجموعة تكنوقراط وتتفوق فيها سلطة المركز على الاطراف، وتكون هناك قوانين مشتركة ومؤسسات مركزية قوية مثل المفوضية الاوروبية والبرلمان الاوروبي وغيرهما.
واهم ما يعيب هذا النموذج انه يبعد هذه المؤسسات عن الناخب ولا يحد من طموح التمدد الجغرافي لهذا النموذج. والثاني نموذج الكنيسة الكاثوليكية الذي يعتمد اساسا على مركزية النظام السياسي رغم اتحاد العقيدة، وينتشر نظام المقاطعات مثلا التي تحتفظ بسلطاتها السياسية وتكون قريبة من الناخب، وتبقى حدود التمدد في هذا النموذج محدودة. والواقع انه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتوحيد الالمانيتين، كانت الغلبة في الاتحاد الاوروبي لاتباع النموذج الروماني، الذي دعمته فرنسا من اجل احتواء المانيا ضمن الاتحاد الاوروبي وقبلته المانيا حينها ولو على مضض لتسهيل عملية توحيد الالمانيتين.
وبناء على ما تقدم من خلفية تاريخية، يمكن ان نرى ان زوال اليورو اليوم في حال تفاقم الازمة لا يعني زوال اوروبا، بل هو استبدال للنموذج الروماني للاتحاد الاوروبي. فدول اوروبا القوية ستبقى كذلك، لكن ربما على حساب دول اوروبا الاضعف اقتصاديا.
خطورة مصيدة الدين
يشرح جورج ريشاني عندما نتحدث عن الأزمة، يجب متابعة حجم العجز المالي ومقارنته كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. ولتحسين هذه النسبة، إما أن تقوم الدول بتخفيض العجز عن طريق ضبط الإنفاق وزيادة الضرائب، أو عن طريق خلق النمو الاقتصادي. لكن مع خطط التقشف وشد الحزام التي فرضت في اليونان وإيرلندا واسبانيا والبرتغال، سينخفض الناتج القومي وتسوء نسبة العجز إلى الناتج، مما سيدفع بهذه الدول إلى الدوران في دائرة مفرغة بعد سقوطها في مصيدة الدين (Debt Trap). فهناك الدين الأولي والفوائد عليه وخدمته، وإذا وصلت الدول إلى مرحلة تتعدى فيها خدمة الدين أو الفوائد عليه نسبة النمو الاقتصادي، تدخل هذه الدول في ما يسمى مصيدة الدين العام، حيث يصعب الخروج منها.
علاج الأعراض لا الجذور
يقول جورج ريشاني: ان السلطات حول العالم عالجت أعراض الأزمة، لكنها لم تعالج جذور الأزمة. ففي الحقيقة أحد هذه الجذور يعود الى عدم التوازن بين الغرب والشرق. فالاتفاق بين الصين والولايات المتحدة كان كالتالي: رخص اليوان يؤدي الى صادرات رخيصة الى أميركا، فترتفع الفوائض في الصين التي تشتري بدورها سندات من الولايات المتحدة حيث المال الرخيص أيضا والاقتراض سهل. ويضيف: الحل بنظري هو اعادة التوازن، عبر نمو الصين من خلال الاستهلاك الداخلي لا الصادرات، واتباع الأميركيين لسياسات تؤدي الى انخفاض الانفاق الفردي وزيادة الادخار، وهو ما لم يحصل لغاية اليوم.
بقاء الاتحاد الاوروبي يعتمد على الفرد اليوناني المسكين
حول مدى التزام اليونان بسياسات تقشف طلبها الاتحاد الأوروبي، يقول جورج ريشاني: لست متأكدا من ذلك. لكن القرار السياسي موجود بلا شك، غير أن الشعب اليوناني لم يتقبل الوضع بسهولة بعد، حسب ما نشهد من أعمال شغب. وللسخرية، يبدو ان بقاء الاتحاد الاوروبي بات يعتمد على الفرد اليوناني المسكين، الذي يجب أن يرضى بتخفيض راتبه وزيادة سن تقاعده والضرائب المفروضة عليه.
ويعتبر ريشاني أن خروج اليونان من منطقة اليورو يهدد العملة الموحدة. فاليونان تتمتع بخامس أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، لذا هي تهدد مصداقية نموذج الاتحاد النقدي الذي تتبعه الدول الأوروبية.
فالسؤال المطروح اليوم هو الى اين نحن ذاهبون، خصوصا أن آلية الخروج التلقائي من الاتحاد غير موجودة. صحيح أن خطة الانقاذ قد تكسب اليونان بعض الوقت، لكن بعد عامين، سيقيّم الاتحاد الاوروبي اجراءات التقشف اليونانية ومدى نجاحها مرة اخرى، وكذلك ستفعل الاسواق. وعندها سيكون لكل حادث حديث. عندها سيكون اليونان أمام خيارين: اما الاستمرار باليورو، واما الخروج منه.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: