اختيارات القراء .. إفلاس أمريكا المحتوم وفلسفة الإنقاذ غير المنضبطة
في منتصف صيف عام 2011، مر العالم باختبار صعب ذاق فيه مرارة ما سيبدو عليه الأمر إذا تداعى النظام المالي في الولايات المتحدة فجأة، ورغم أنهما عبرا هذا المضيق المضطرب بأمان إلا أن التجربة برمتها كانت بمثابة مشهد ترويجي لعرض لم يحن موعده بعد.

كانت الفترة من 22 يوليو إلى 8 أغسطس، عنيفة للغاية في الأسواق العالمية، حيث خفضت خلالها وكالة "إس آند بي" التصنيف الائتماني للولايات المتحدة من "AAA" إلى "AA+" مع نظرة مستقبلية سلبية، والسبب "المخاوف بشأن عجز الموازنة" بالتزامن مع تفاقم الدين.
كما انخفضت الأسهم العالمية بنسبة 13% والأمريكية بنسبة 17%، وكانت أسهم وعملات الأسواق الناشئة من بين أكبر الخاسرين آنذاك، وقفزت تكاليف التأمين على الديون السيادية لبعض الدول بشكل حاد تجاوز 40%.
ترجع هذه الاضطرابات الحادة إلى السجال السياسي في الكونجرس الأمريكي بشأن سقف الدين، والذي وضع البلاد على حافة التخلف عن سداد التزاماتها لأول مرة. كان الأمر مربكًا بشكل غير مسبوق، حتى أن الساسة شبهوه بمعارك "الحرب الأهلية" خلال القرن التاسع عشر.
لكن قبل 72 ساعة من إعلان تخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها، وهو الأمر الذي قال خبراء إنه كان سيؤدي إلى "كارثة اقتصادية"، نجح الفرقاء في الكونجرس أخيرًا في إبرام صفقة تقضي برفع سقف الدين وخفض الإنفاق.
لم يحدث الإفلاس يومها، لكن مجرد الاقتراب من حافته كان كافيًا ليكشف حقيقة أن استقرار النظام المالي العالمي يعتمد بشكل أساسي على قدرة واشنطن على سداد فواتيرها، واليوم، مع تضخّم الدين بشكل غير مسبوق، يشكك كثيرون في حفاظ الولايات المتحدة على هذه القدرة.
الملياردير "إيلون ماسك" أكد أن الولايات المتحدة تتجه نحو "كارثة مالية حتمية" وأنها ستضطر إلى إعلان إفلاسها بسبب تضخم الدين "بشكل جنوني" وارتفاع مدفوعات خدمته، قائلًا إن الحل لتجنب هذا المصير الدامي هو "الذكاء الاصطناعي والروبوتات"، لكن هل هذا الحل فعال؟

يقول الدكتور "عبد الحميد نوار"، إن طرح "ماسك" غير منضبط من ناحية المفاهيم الاقتصادية، وإنه لا بديل أمام الولايات المتحدة عن "ضبط الإنفاق وإصلاح الضرائب وإدارة الفائدة.." لمعالجة أزمة الدين، فيما قد يكون الذكاء الاصطناعي مجرد "أداة مساعدة لتسريع الحل".
فهل يبالغ "ماسك" في مخاوفه بشأن الضغوط المالية في أمريكا؟ وهل حلوله منطقية أم تأتي من منطلق الترويج لأعمال يستمد منها جزء كبير من نفوذه وتشكل حصة ضخمة في ثروته الهائلة؟
هل الانهيار المالي محتوم؟
- عندما بدأت أزمة عام 2011، كان سقف الدين يتجاوز 14 تريليون دولار بقليل، وأقر المشرعون آنذاك زيادة تدريجية بمقدار 2.4 تريليون دولار. أما الدين نفسه فتجاوز 15 تريليون دولار (90% من حجم الاقتصاد) مع عجز حكومي أكثر من 1.3 تريليون دولار.
- للمقارنة، قفزت ديون الحكومة الفيدرالية إلى قرب 39 تريليون دولار الآن، عند أكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مع عجز موازنة يحوم حول 1.8 تريليون دولار، وبدعم من سقف ديون أكثر تضخمًا يبلغ 41 تريليون دولار (مقارنة بـ تريليونين فقط قبل 40 عامًا).
- نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الحالية تتجاوز تلك المسجلة عقب الحرب العالمية الثانية (مع استبعاد فترة جائحة كورونا)، لكن الأخطر أنها تتجاوز بكثير عتبة البنك الدولي البالغة 77%، والتي يقول البنك إن تجاوزها لفترة طويلة يترتب عليه تباطؤ ملحوظ في النمو الاقتصادي.
- في حين سجلت البلاد فائضًا في عام 2000 (حوالي 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي)، تبلغ تكلفة فوائد الدين اليوم نحو تريليون دولار سنويًا، أي أكثر من ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية بأكملها.
|
|
تطور الدين الأمريكي |
|||||
|
العام |
حجم الدين (تريليون دولار)
|
نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي (%) |
نسبة العجز/ الفائض إلى الناتج المحلي الإجمالي (%) |
|||
|
1980 |
0.91 |
31.8 |
(2.6) |
|||
|
1990 |
3.23 |
53.8 |
(3.7) |
|||
|
2000 |
5.67 |
54.9 |
+2.3 |
|||
|
2010 |
13.56 |
89.9 |
(8.6) |
|||
|
2020 |
26.95 |
125.9 |
(14.7) |
|||
|
2025 |
38.5 |
120.0 |
(6.1) |
|||

لماذا يخشى العالم تعثر أمريكا؟
- واجهت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا خطر الأزمات المالية، ومن أبرز هذه الحالات التاريخية المواجهة الحادة بين الكونجرس والرئيس "بيل كلينتون" بشأن سقف الدين وأهداف الإنفاق بين عامي 1995 و1996.
- آنذاك، حافظت الأسواق على هدوئها، واعتبر المستثمرون التخلف عن السداد أمرًا "غير وارد" ولم يأخذوا في الحسبان أي مخاطر تُذكر، حتى أن عوائد سندات الخزانة انخفضت إلى أدنى مستوياتها في 21 شهرًا بفضل مخاوف الركود وليس التخلف عن السداد.
- خلال أزمة سقف الديون في 2011، كانت الأزمة أشد وطأة، حيث تراجعت الأسهم بنحو 4% في جلسة 8 أغسطس، وارتفع مؤشر الخوف في وول ستريت "فيكس" فوق 40 نقطة.
- تجدد القلق في عام 2013 خلال نوبة الهلع أو ما يعرف بـ "التايبر تانتروم" إضافة إلى الإغلاق الحكومي وتأجيل رفع سقف الديون، حيث توقع اقتصاديون تباطؤًا حادًا وفوريًا في النمو وارتفاع أسعار الفائدة مع تراجع المزايا الاجتماعية.
- في 2023، تكررت اضطرابات الأسواق لفترة وجيزة بسبب المخاوف بشأن الديون وسياسات الفيدرالي، حيث زادت عوائد السندات (بشكل محدود) تحسبًا لمخاطر التخلف عن السداد، لكن هذه التحركات الطفيفة دائمًا ما كانت كافية لإثارة قلق عالمي.
ماذا يعني التعثر الأمريكي للعالم؟
- نظرًا لأن الدين الأمريكي يُشكل ركيزة النظام المالي العالمي الذي يقوم على الدولار والبنوك في الولايات المتحدة، فإن أي تخلف مؤقت عن السداد قد يُؤدي إلى اضطرابات عالمية.
- تُشير مؤسسة "بروكينجز" إلى أن التخلف الكامل عن سداد الديون الأمريكية "سيُؤدي حتمًا إلى أزمة مالية عالمية"، حيث تُعد سندات الخزانة الأمريكية الملاذ الآمن القياسي للمستثمرين في كل مكان، وفقدان الثقة في هذا الملاذ سيُثير الذعر على نطاق واسع.

- يُحذر تحليل أجرته "تومسون رويترز" من أن التخلف الفعلي عن السداد سيُؤدي إلى انهيار الدولار، وإجبار السوق على بيع سندات الخزانة الأمريكية، وبالتبعية إشعال تقلبات حادة في أسعار العملات.
- كما ستشهد أسواق الأسهم العالمية انهيارًا حادًا، وستتعطل سوق الائتمان، وقد تتوقف التجارة تمامًا، حيث سيكون من الصعب إتمام عمليات الاستيراد الحيوية مع اختفاء الدولار من أنظمة الدفع العالمية.
- إلى جانب ذلك، فإن إعطاء الأولوية للسندات سيتطلب من الحكومة الفيدرالية إجراء تخفيضات جذرية في الإنفاق، وفي هذا السيناريو سيدفع اقتصاد الولايات المتحدة إلى ركود فوري مع ارتفاع معدلات البطالة.
- تحذر "موديز" من أن عدم رفع سقف الدين سيؤدي إلى "القضاء شبه التام على النمو الاقتصادي"، حيث ستتلاشى الثقة، ويتوقف التوظيف والإنفاق، وترتفع تكاليف الاقتراض للأسر والشركات بشكل حاد، ويقول "بول كروغمان"، الحائز على جائزة نوبل، إن هذه الأزمة "ربما ستكون أسوأ من أزمة 2008".
- الثغرة الأخطر المرتبطة بالتخلف عن سداد الديون والتي قد يترتب عليها عدوى واسعة النطاق هي تراجع مكانة الدولار كعملة احتياطية، حيث يمكن أن يتحول المستثمرون إلى عملات وأصول أخرى، مما يرفع تكاليف الاقتراض في كل مكان، و"يُفتت النظام المالي العالمي".
كيف تجنب أمريكا العالم شر انهيارها؟
- يجادل "إيلون ماسك" بأنه دون طفرة إنتاجية في المستقبل ستكون أمريكا "في ورطة" وستواجه هلاكها المُحَتَّم، ويرى أن الحل يكمن في الأتمتة واسعة النطاق والاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاج، ما يؤدي بدوره إلى خفض الأسعار وتقليص عبء الدين بشكل فعال.
- صحيح أن الذكاء الاصطناعي قد يُعزز الإنتاجية بمرور الوقت، لكنه ليس حلاً فوريًا، خاصة أن الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي والروبوتات لا يزال في مراحله الأولى.
- بعبارة أخرى، لن يشهد الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي قفزة نوعية بين عشية وضحاها، حيث ستواجه الشركات عقبات تنظيمية ومهارية كبيرة قبل أن تتمكن من تسخير الذكاء الاصطناعي بشكل كامل.

- حتى التوقعات المتفائلة للنمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي ستستغرق عقودًا لإحداث تغيير ملموس في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ومن الناحية العملية، سيعتمد استدامة الصحة المالية على إصلاحات صارمة للموازنة، وليس على مجرد "تمني معجزة تكنولوجية".
- يتفق الخبراء مع دكتور "عبد الحميد" على أن حل أزمة الديون يتطلب تدابير مالية تقليدية (مثل ضبط دقيق للإنفاق، وإصلاحات ضريبية، وتغييرات في السياسات)، إلى جانب نمو اقتصادي مدروس ومبني على الاستثمار.
- إن الانهيار المالي الأمريكي ليس حتميًا، ولكنه يتطلب إرادة سياسية لمواجهة الاحتمالات الصعبة، وفي حين يمكن للتقنيات الحديثة دعم الناتج الاقتصادي، فإن السبيل الحقيقي لتجنب أزمة مالية هو الوصول بالدين إلى مستويات يمكن السيطرة عليها.
- في حين يؤكد التاريخ قدرة الولايات المتحدة على تجاوز مخاوف الديون، فإن الأرقام الحالية تفوق بكثير أزمات الماضي، لكن إذا طبقت التدابير المالية متعددة الجوانب مع سياسات رشيدة في الوقت المناسب، ستتجنب الولايات المتحدة التخلف عن السداد.
- كما ستحمي نفسها (والعالم أجمع) من اضطرابات الأسواق والاقتصاد المتكررة في السنوات الأخيرة، والتي عادة ما تنطلق من وول ستريت.. فقط يكمن السرّ في العمل الاستباقي، لا في انتظار "سحر التكنولوجيا".
المصادر: أرقام- الكونجرس الأمريكي- مكتب الموازنة التابع للكونجرس- بيانات البنك الدولي- الفيدرالي في سانت لويس- الفيدرالي- مؤسسة "بيتر جي. بيترسون"- بروكينجز- بلومبرج- الجارديان- بي بي سي - إيه بي سي نيوز- رويترز- بولتيكيو- إنفستوبيديا- فوكس نيوز- لوس أنجلوس تايمز- بزنس إنسايدر- ستانفورد نيوز- مركز أبحاث CRFB
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: