تحليل: تذبذب حاد في أسعار النفط.. ماذا يعني طرح أرامكو شحنات فورية للأسواق؟

شهدت أسعار النفط تقلبات حادة خلال الأيام الأخيرة بعد أن قفزت إلى مستويات تجاوزت 110 دولارات للبرميل قبل أن تتراجع لاحقاً إلى نحو 91 دولاراً للبرميل، في ظل تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات العالمية وتعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار خام برنت وخامات الشرق الأوسط.
وأشارت وكالة بلومبرغ، نقلاً عن تجار، إلى أن شركة أرامكو السعودية عرضت إمدادات فورية من النفط الخام عبر سلسلة من العطاءات النادرة، في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الذي عطل الشحنات وأدى إلى إعادة توجيه التدفقات عبر البحر الأحمر، مشيرة إلى أن الكميات المعروضة بلغت نحو 4.6 مليون برميل من درجات النفط العربي.
وقال خبراء لـ أرقام، إن تقلبات أسعار النفط تعكس حالة عدم اليقين في السوق مع تعطل تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، مشيرين إلى أن طرح أرامكو شحنات في السوق الفورية قد يساعد في تخفيف الضغط على الإمدادات، لكنه يظل محدود التأثير مقارنة بحجم التدفقات النفطية المتأثرة.
تضييق الإمدادات وراء ارتفاع الأسعار
علي بن عبدالله الريامي المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز بوزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان
وقال علي الريامي المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز في وزارة الطاقة والمعادن بسلطنة عمان، إن الارتفاعات القياسية التي شهدتها الأسعار جاءت نتيجة تضييق فعلي في الإمدادات النفطية من المنطقة، مشيراً إلى أن شبه إغلاق مضيق هرمز وصعوبة مرور الناقلات يمثلان العامل الرئيسي وراء هذه القفزة السعرية.
وأضاف في لقاء مع أرقام، أن نحو 22 مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر مضيق هرمز، ما يعني أن أي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية.
طرح الشحنات الفورية لضمان الإمدادات

نادر إيتيم محرر أسواق الخليج والشرق الأوسط في أرغوس ميديا
وقال نادر إيتيم، محرر أسواق الخليج والشرق الأوسط في "أرغوس ميديا"، إن طرح أرامكو شحنات في السوق الفورية يمكن تفسيره على أنه محاولة لضمان حصول المصافي على الإمدادات السعودية خلال الفترة التي توقفت فيها حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى حد كبير.
وأضاف في لقاء مع أرقام، أن أحد العطاءات يبدو أنه يتعلق بشحنة نفط تم تحميلها على ناقلة قبل اندلاع الحرب وكانت في طريقها إلى مرافق التخزين السعودية في أوكيناوا في اليابان قبل أن يتم عرضها لاحقاً في السوق.
وأشار إلى أن طرح هذه الكميات عبر العطاءات الفورية بدلاً من تخصيصها لعملاء العقود طويلة الأجل قد يكون اختباراً للسوق لقياس الطلب ، رغم عدم تأكيد ذلك حتى الآن.
وأوضح أن الكميات المعروضة، البالغة 4.6 مليون برميل، تمثل جزءاً محدوداً من الإمدادات المتعطلة، إذ تشير تقديرات أرغوس ميديا إلى أن إنتاج السعودية بلغ نحو 10.88 مليون برميل يومياً في فبراير، فيما بلغ متوسط الإمدادات للأسواق نحو 10.1 مليون برميل يومياً.
وأضاف أن هذه الكميات لن تكون كافية لتعويض النقص الفوري الناتج عن تعطل الشحن عبر مضيق هرمز.
من جانبه، أوضح الريامي أن خطوة أرامكو تمثل إجراءً احترازياً لتخفيف الضغط على الأسواق وعلى عملائها في آسيا، في ظل القيود التي تواجه عمليات التصدير عبر المضيق.
وأشار إلى أن المملكة استخدمت أيضاً ميناء ينبع على البحر الأحمر كمسار بديل لتصدير جزء من إنتاجها، إلا أن هذه البدائل تبقى محدودة مقارنة بالكميات التي تمر عادة عبر مضيق هرمز.
وأضاف أن السعودية تنتج عدة أنواع من النفط الخام تشمل الثقيل والخفيف والخفيف جداً لتلبية احتياجات الأسواق الآسيوية التي تواجه بدورها محدودية في مصادر الإمداد البديلة.
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار خامات الشرق الأوسط مثل خام دبي ومربان وخام عمان يعد مؤشراً إضافياً على حجم الضغوط التي تواجه الدول الآسيوية في تأمين احتياجاتها النفطية، موضحاً أن خطوة طرح كميات إضافية في السوق تستهدف أيضاً الحد من الارتفاعات الحادة في الأسعار العالمية.

عبدالعزيز البغدادي مدير أبحاث السوق واستراتيجية التكنولوجيا المالية في شركة FXEM
من جانبه، قال عبدالعزيز البغدادي، مدير أبحاث السوق واستراتيجية التكنولوجيا المالية في شركة FXEM، إن طرح الشحنات في السوق الفورية قد يساعد على تصريف الكميات المتاحة من النفط والحد من الضغوط على طاقات التخزين، إضافة إلى الحفاظ على التدفقات النقدية واستمرارية الإمدادات.
وأوضح أن هذه الكميات قد تسهم مؤقتاً في تخفيف نقص الإمدادات في السوق الفورية، لكنها لن تكون كافية لتعويض التعطل الكبير في التدفقات اليومية الناتج عن استمرار التوترات ومحدودية طاقات التخزين.
حالة القوة القاهرة .. ماذا تعني للسوق؟
وأشار الريامي إلى أن إعلان بعض الدول مثل الكويت وقطر والعراق حالة القوة القاهرة على بعض الشحنات النفطية، يعكس محدودية الطاقة التخزينية وصعوبات التصدير في ظل تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، ما قد يدفع بعض المنتجين إلى خفض الإنتاج أو إيقافه مؤقتاً.
وأضاف أن استمرار هذه التطورات قد يؤدي إلى نقص فعلي في الإمدادات النفطية العالمية، خاصة مع احتمال خفض الإنتاج في بعض الدول، مشيراً إلى أن دول الخليج تمثل نحو 20% إلى 25% من الإنتاج العالمي، وهو ما يجعل أي تعطيل في الإمدادات من المنطقة مؤثراً بشكل كبير على السوق، في وقت يصعب فيه على منتجين آخرين مثل الولايات المتحدة وكندا والنرويج والبرازيل تعويض هذا النقص سريعاً.
الأسواق قد تبالغ في رد الفعل
وفيما يتعلق بحركة الأسعار، قال إيتيم إن الأسواق التي قللت خلال العامين إلى الثلاثة أعوام الماضية من أهمية المخاطر الجيوسياسية قد تكون الآن تبالغ في رد فعلها تجاه هذه المخاطر.
وأوضح أن العامل الحاسم يتمثل في الإمدادات، حيث كانت الصراعات في المنطقة خلال السنوات الماضية لا تؤثر بشكل كبير على تدفقات النفط، إلا أن الوضع الحالي اختلف مع تحول منشآت الطاقة إلى أهداف مباشرة وتوقف تدفقات النفط عبر المضيق تقريباً.
وقدّرت أرغوس أن ما بين 6.2 إلى 6.9 مليون برميل يومياً من الإنتاج في السعودية والإمارات والبحرين والعراق والكويت أصبح خارج الخدمة بالفعل حتى يوم الإثنين، مرجحة أن يتراجع هذا الرقم أكثر خلال الأيام المقبلة.
وأضاف أن التراجع السريع في الأسعار بعد ارتفاعها قد يكون نتيجة رد فعل مبالغ فيه على تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول انتهاء الحرب، وهو ما لا يتماشى مع التطورات الفعلية على الأرض، ما قد يدفع السوق إلى إعادة التكيف مع الواقع مرة أخرى.
وقال عبدالعزيز البغدادي، إن تعطل الشحنات وخفض الإنتاج في الشرق الأوسط نتيجة إغلاق مضيق هرمز والتوترات الجيوسياسية دفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد قبل أن تتراجع لاحقاً مع آمال تراجع المخاطر على الإمدادات.
وأضاف أن الأسواق تفاعلت أيضاً مع توقعات دول مجموعة السبع استخدام احتياطيات النفط الاستراتيجية، إضافة إلى تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب بشأن احتمال اقتراب نهاية التوترات.
توقعات السوق
وتوقع الريامي أن تستقر أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل مع استمرار الحرب وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، مع إمكانية تجاوز 120 دولاراً وربما الوصول إلى 150 دولاراً خلال الأسابيع المقبلة إذا استمرت الأوضاع الحالية دون حل.
كما توقع إيتيم أن تشهد الأسعار ارتفاعاً إضافياً محدوداً مع تراجع المخزونات خارج المنطقة، مرجحاً أن تستقر الأسعار قرب 100 إلى 105 دولارات لخام برنت طالما استمر إغلاق مضيق هرمز.
وأشار البغدادي إلى أن أسعار النفط ستظل مرتبطة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، موضحاً أنه في حال استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز فقد ترتفع الأسعار مجدداً، نظراً لأهمية المضيق الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
وأوضح أن أي إغلاق مطول للمضيق قد يؤدي إلى تشديد كبير في المعروض النفطي وارتفاع علاوات المخاطر في الأسواق، في حين قد تسهم إجراءات مثل السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في الحد من ارتفاع الأسعار لكنها لن تعوض بالكامل تعطّل هذا الممر الحيوي.
خيارات محدودة أمام أوبك بلس
وفيما يتعلق برد فعل تحالف أوبك بلس، قال إيتيم إن قدرة التحالف على التدخل في السوق ستظل محدودة طالما بقي المضيق مغلقاً، موضحاً أنه حتى لو أعلن التحالف زيادة الإنتاج بشكل رمزي لتهدئة الأسواق، فإن تنفيذ ذلك عملياً سيظل مقيداً في ظل صعوبة تصدير كميات إضافية من الخام.
وأضاف أن الجزء الأكبر من الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى التحالف يتركز في دول خليجية تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز لتصدير نفطها.
من جهته، أشار عبدالعزيز البغدادي إلى أن المنتجين في الخليج قد يواجهون قيوداً لوجستية حتى في حال زيادة الإنتاج، إذ إن خطوط الأنابيب المتاحة قد تحدّ من الكميات التي يمكن نقلها إلى الأسواق، في وقت خفضت فيه بعض الدول إنتاجها بالفعل نتيجة محدودية الطاقة التخزينية.
وأضاف أن أي تراجع في الاضطرابات أو تخفيف لبعض العقوبات النفطية قد يسمح بعودة كميات إضافية من الخام إلى السوق، ما قد يساعد على إعادة التوازن للأسعار.
بدوره، شدد علي الريامي على أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط لا يرتبط باعتبارات العائدات بقدر ما يعكس تداعيات الحرب وتعطل الإمدادات، مؤكداً أن استقرار السوق سيظل مرهوناً بعودة حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: