نبض أرقام
04:03 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/17
2026/01/16

المال .. اختراع غيّـر البشرية

09:57 ص (بتوقيت مكة) أرقام

أحيانًا قد تقع بين يديك ورقة نقدية قديمة، متسخة ومهترئة، فتبدو وكأنها رافقت البشرية منذ فجر التاريخ. صحيح أن هذا الانطباع مبالغ فيه، لكن الحقيقة أن استخدام البشر للنقود يعود إلى زمن سحيق فعلًا، يمتد إلى نحو 40 ألف عام. فالتاريخ الطويل للتبادل والتجارة يكشف أن المال لم يكن اختراعًا مفاجئًا، بل نتيجة تطور تدريجي لاحتياجات الإنسان الاقتصادية والاجتماعية.

 

تمكّن العلماء من تتبع بدايات التبادل التجاري عبر السجل الأثري، بدءًا من العصر الحجري القديم الأعلى، حين كانت جماعات الصيادين تتبادل أفضل أدوات الصوان والأسلحة وغيرها من الأدوات الضرورية للبقاء.

 

 

المقايضة

 

في تلك المرحلة، اعتمد الناس على المقايضة، أي التبادل المباشر بين طرفين يملكان سلعًا مرغوبة. لكن هذا النظام كان محدودًا، ومع ازدياد تعقيد المجتمعات وتوسع شبكات التفاعل، ظهرت الحاجة إلى وسيط أكثر كفاءة.

 

هنا بدأ المال في الظهور، وإن لم يكن بشكله المعروف اليوم. على مرّ آلاف السنين، تطور المال من أشياء طبيعية نادرة، إلى عملات معدنية، ثم أوراق نقدية، وصولًا إلى الأشكال الرقمية الحديثة.

 

وبغض النظر عن شكله، ظل المال يؤدي وظائف أساسية في حياة البشر: وسيلة للتبادل، وأداة للدفع، ومعيارًا للقيمة، ومخزنًا للثروة، ووحدة للحساب.

 

من منظور أنثروبولوجي، تكشف الاكتشافات الأثرية للعملات القديمة الكثير عن طبيعة التفاعل بين المجتمعات البعيدة جغرافيًا.

 

السؤال عن أصل المال ليس بسيطًا، لأن المال يؤدي وظائف متعددة. فهو يسهل التبادل عبر تحديد القيمة، ويقرب بين المجتمعات المختلفة من خلال الهدايا والمعاملة بالمثل، كما يكرّس أحيانًا التراتبية الاجتماعية، ويعمل كأداة من أدوات السلطة السياسية.

 

وتشير الأدلة إلى أن بدايات المال ارتبطت بتبادل الهدايا وتسوية الديون، قبل أن يتحول إلى نظام أكثر رسمية.

 

وحدات القيمة

 

اعتمدت المجتمعات القديمة على أشياء نادرة في الطبيعة، يسهل التحكم في تداولها، لتكون وحدات للقيمة. من بينها أصداف اللؤلؤ التي انتشرت في الأميركيتين، وأصداف الكاوري التي استُخدمت في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأستراليا.

 

كما استُخدم النحاس الطبيعي، والحديد النيزكي، والسبج، والعنبر، والخرز، وسبائك النحاس والذهب والفضة والرصاص كوسائل للتبادل.

 

وفي بعض المجتمعات الرعوية، استُخدمت الحيوانات الحية، مثل الأبقار، كعملة حتى فترات قريبة نسبيًا.

 

يُعد الشيكل الرافدي أقدم شكل معروف للعملة، إذ ظهر قبل نحو خمسة آلاف عام في بلاد ما بين النهرين.

 

 

دور سك العملات

 

أما أقدم دور سكّ العملات المعروفة، فتعود إلى الفترة بين 650 و600 قبل الميلاد في آسيا الصغرى، حيث استخدمت نخب ليديا وإيونيا عملات ذهبية وفضية مختومة لدفع أجور الجيوش. ومع مرور الوقت، انتشرت العملات المعدنية في مناطق واسعة من العالم.

 

اكتشاف كنوز من العملات المصنوعة من الرصاص والنحاس والفضة والذهب في مختلف القارات يدل على أن سكّ النقود، خصوصًا في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا، أصبح وسيلة معترفًا بها للتبادل مع بداية الألفية الأولى الميلادية.

 

كما تشير العملات الرومانية والإسلامية والهندية والصينية إلى ازدهار التجارة في العصور السابقة للحداثة، بين عامي 1250 قبل الميلاد و1450 ميلاديًا.

 

العملات المعدنية

 

نجاح العملات المعدنية كمالٍ سلعي يعود إلى خصائصها العملية: فهي صغيرة الحجم، سهلة الحمل والنقل، متينة، وتملك قيمة ذاتية. إضافة إلى ذلك، استطاعت السلطات السياسية التحكم في إنتاجها، من التعدين والصهر إلى السكّ والتداول.

 

وعلى الرغم من أن أشكالًا أخرى من الثروة، مثل الأبقار، نجحت في مجتمعات معينة، فإنها كانت صعبة النقل ومعرضة للمخاطر البيئية.

 

سرعان ما تحول المال إلى أداة للسيطرة السياسية. فبواسطته فُرضت الضرائب لدعم النخب الحاكمة، وجُمعت الموارد لتكوين الجيوش. لكنه في الوقت نفسه لعب دورًا استقراريًا، إذ شجّع على التبادل السلمي للسلع والمعلومات والخدمات داخل المجتمعات وبينها.

 

وعلى امتداد التاريخ، عمل المال أيضًا كسجل للمعاملات وذاكرة جماعية للتفاعل الاقتصادي، كما في استخدام الأوروبيين في العصور الوسطى لعصيّ العدّ لتوثيق الديون.

 

من خلال تتبع حركة المال، يمكن رسم خرائط طرق التجارة القديمة. فلم تكن أي حضارة مكتفية ذاتيًا بالكامل، وكان المال أداة أساسية للتفاعل مع الآخرين.

 

استخدمت المجتمعات أشكالًا مختلفة من العملة لحشد الموارد وتقليل المخاطر وبناء التحالفات، استجابة لظروف اجتماعية وسياسية محددة.

 

لغة مشتركة

 

وتُظهر الأدلة الأثرية الوفيرة على انتقال السلع النادرة عبر مسافات شاسعة أهمية المال بوصفه لغة مشتركة بين شعوب لا يجمعها نظام سياسي واحد.

 

على سبيل المثال، استخدمت مجتمعات الأميركيتين خلال الفترة التكوينية المبكرة، بين 1450 و500 قبل الميلاد، مواد مثل السبج وأصداف اللؤلؤ وخام الحديد وأنواع معينة من الفخار كوسائل للتبادل عبر القارة.

 

وفي الفترة بين 700 و1450 ميلاديًا، ربطت تجارة طريق الحرير البحري بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وأسست لشبكة عالمية غيّرت مسار التاريخ الاقتصادي.

 

وفي إحدى عمليات التنقيب عام 2012، عُثر على عملة صينية تعود إلى 600 عام في ميناء ماندا الكيني القديم على المحيط الهندي.

 

هذه العملة، المعروفة باسم «يونغله تونغباو»، صدرت في عهد إمبراطور صيني من أسرة مينغ، الذي أرسل بعثات سياسية وتجارية بقيادة الأميرال تشنغ خه قبل عقود من وصول فاسكو دا غاما إلى الهند.

 

اندماج أفريقيا

 

ويكشف هذا الاكتشاف مدى اندماج أفريقيا في شبكات التجارة العالمية، وتطور اقتصاد نقدي قائم على التعامل بالعملات.

 

لم يكن استخدام النقود مجرد مسألة محلية، بل كان وسيلة لترك بصمة رمزية ودليلاً على الروابط التجارية والسياسية.

 

ومع ذلك، فإن تاريخ المال يُظهر طبيعته المزدوجة: فقد سهّل حركة السلع والخدمات والهجرة، وجلب الثروة للبعض، لكنه في الوقت نفسه عمّق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

 

واليوم، لا يزال المال يميز بين الغني والفقير، وبين الشمال والجنوب، وبين الدول المتقدمة والنامية.

 

ورغم تطوره في العصر الرقمي، فإن وظائفه الأساسية ما زالت مألوفة لمن استخدموه لأول مرة قبل آلاف السنين.

 

المصدر: ذا كونفيرزيشن

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.