ليست كل القرارات التي نتخذها صاخبة أو درامية. أغلبها يحدث في صمت: ساعة تقضيها هنا، كتاب تختاره دون غيره، مسار مهني تلتزم به وتغلق أبوابًا أخرى خلفك. في هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل حياتنا فعليًا.
هنا تحديدًا تظهر تكلفة الفرصة البديلة—ذلك المفهوم الاقتصادي الجاف ظاهريًا، لكنه في الحقيقة أحد أكثر الأفكار العملية التي يمكن أن تغيّر طريقة تفكيرنا في كل شيء تقريبًا.

تكلفة الفرصة البديلة لا تتعلق بالمال فقط، بل بالوقت، والطاقة، والانتباه، والموارد المحدودة التي نملكها.
كل اختيار نقوم به يعني بالضرورة التخلي عن خيارات أخرى. لا شيء مجاني، وكل "نعم" نقولها لشيء ما، هي "لا" نقولها لأشياء أخرى.
فيما يلي تطبيقات واقعية لهذه العقلية في التعلم، والعمل، والاستثمار، والحياة اليومية:
أولًا: التعلم
عندما تخصص وقتك لدراسة التاريخ والجغرافيا، فإن الوقت المتاح لدراسة الفيزياء والكيمياء سيتقلص بالضرورة.
وعندما تقسم وقتك بين تعلم الفرنسية والإسبانية، فإن قدرتك على إتقان الإنجليزية ستتراجع.
مررتُ بفترة كنت فيها شغوفًا بتعلم لغات البرمجة المختلفة. حاولت أن أتقن أكبر عدد ممكن منها، لكنني أدركت لاحقًا أن هذا مستحيل.
إذا أردت تعلم العديد من لغات البرمجة في الوقت نفسه، فلن يكون لديك سوى وقت محدود لكل واحدة، ما يعني معرفة سطحية بلا عمق حقيقي.
عندما كرّست وقتي لتعلم Java، لم يعد لدي الوقت الكافي للتعمق في JavaScript. عندها فهمت أن لغات البرمجة المختلفة تمثل تكاليف فرصة بديلة لبعضها البعض. التخلي عن وهم إتقان كل شيء كان خطوة ضرورية.
على وسائل التواصل الاجتماعي، أرى كثيرين ينشرون قوائم قراءة تضم عشرات الكتب دفعة واحدة. في رأيي، هذا بلا معنى.
عدد الكتب في العالم لا نهائي عمليًا، ولا أحد يستطيع قراءتها كلها. الكتب نفسها تمثل تكاليف فرصة بديلة لبعضها البعض: عندما تقرأ كتابًا، فأنت تتخلى عن قراءة كتب أخرى، أو على الأقل تتخلى عن التعمق فيها.
لسنا بحاجة إلى قراءة عدد هائل من الكتب، بل إلى اختيار عدد قليل يناسبنا جذريًا، ثم دراسته بعمق.
ثانيًا: المسار المهني
لا يمكنك شغل عدة وظائف بدوام كامل في الوقت نفسه. حتى لو انهالت عليك العروض، يمكنك اختيار وظيفة واحدة فقط.
عندما تعمل في Google، لا يمكنك العمل في Microsoft في الوقت نفسه.
وعندما تصبح باحثًا في الذكاء الاصطناعي، لن يتبقى لديك الوقت الكافي للتعمق في تطوير الويب.
كل هذه المسارات تمثل تكاليف فرصة بديلة لبعضها البعض.
مررتُ بفترة كنت متحمسًا فيها لفكرة "المشاريع الجانبية"، وكنت أطمح إلى بناء مصادر دخل متعددة في آن واحد.
لكن التجربة علّمتني أن ذلك غير واقعي. الوقت والطاقة محدودان، ولا يمكن للإنسان أن يتقن أشياء كثيرة في الوقت نفسه. إتقان شيء واحد جيدًا يكفي.
بناءً على ذلك، تخلّيت عن خيارات كثيرة، مثل تطوير المشاريع المستقلة (Indie Development)، لأنها مرهقة ومليئة بتفاصيل لا تنتهي.
وعندما بدأت مسيرتي في الكتابة، كنت أظن أنني أستطيع الكتابة عن كل شيء. لكنني سرعان ما اكتشفت أن ذلك مستحيل. لا يمكن إنتاج هذا الكم من المقالات بجودة حقيقية.
لهذا السبب، لم أعد ألتفت إلى المقالات من نوع: "كيف تنشئ 10 مصادر دخل". هذه المقالات مضللة. في الواقع، لا يمكنك إدارة أكثر من مصدر أو مصدرين نشطين للدخل في الوقت نفسه.
بالنسبة للمبرمجين، فإن تطوير الويب، وتطوير تطبيقات iOS، وإدارة قواعد البيانات، والبحث في الذكاء الاصطناعي، كلها مجالات تقنية مختلفة جذريًا. يمكنك اختيار مجال واحد فقط للتعمق الحقيقي.
وبالنسبة لصنّاع المحتوى، فإن Medium وSubstack وTikTok ليست منصات متكاملة، بل تمثل تكاليف فرصة بديلة لبعضها البعض. يمكنك اختيار منصة واحدة فقط لتكون منصتك الأساسية.

ثالثًا: الاستثمار
حتى في الاستثمار، لا يمكنك الهروب من منطق تكلفة الفرصة البديلة.
عندما تستثمر في السهم (أ)، فلن يتبقى لديك المال الكافي للاستثمار في السهم (ب). قد يقول البعض إن الحل هو التنويع وشراء الاثنين معًا.
لكن في هذه الحالة، تقل كمية السهم (أ) التي يمكنك شراؤها، ويصبح عدم قدرتك على شراء حصة أكبر منه هو تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك السهم (ب).
عندما بدأت الاستثمار في سوق الأسهم، كنت أتوهم إمكانية اقتناص كل الفرص وشراء كل الأسهم ذات الإمكانات العالية. لكنني أدركت لاحقًا أن هذا وهم. أموال الجميع محدودة، حتى بيل غيتس ووارن بافيت. لا أحد يستطيع اغتنام كل الفرص.
رابعًا: الحياة اليومية
حتى في أبسط تفاصيل الحياة، تحكمنا تكلفة الفرصة البديلة.
الطعام اللذيذ والجسم المتناسق يمثلان تكلفة فرصة بديلة لبعضهما البعض. كلما أفرطت في الاستمتاع بالطعام، خسرت جزءًا من لياقتك البدنية.
العلاقات العابرة والحب الصافي النقي هما أيضًا خياران متناقضان؛ لا يمكنك الجمع بينهما في الوقت نفسه.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: ما الذي أستطيع فعله؟
بل: ما الذي أنا مستعد للتخلي عنه؟
فما هو اختيارك؟
المصدر: ميديام
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: