كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طرق اكتشاف العلاجات وصناعة الدواء نفسها.
تشهد صناعة الأدوية واحداً من أعمق التحولات في تاريخها، مدفوعة بتقدم متسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
هذه الثورة لا تغيّـر فقط كيفية اكتشاف الأدوية وتطويرها، بل تعيد رسم ملامح الصناعة بأكملها، من المختبرات إلى التجارب السريرية، ومن نماذج الاستثمار إلى فرص علاج الأمراض المستعصية.
باتريك شواب ليس باحثًا دوائيًا تقليديًا، كما أن مكان عمله لا يشبه المختبرات التي نراها في الأفلام. لا طاولات مختبر، ولا أنابيب زجاجية، ولا معاطف بيضاء.
يعمل شواب في مكاتب حديثة بمنطقة كينغز كروس في لندن، التي تحولت من منطقة صناعية قديمة إلى أحد أكثر أحياء المدينة عصرية.
شواب يعمل لدى شركة «غلاكسو سميث كلاين» (GSK)، ويتمثل دوره في إعادة تخيّل مستقبل صناعة الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي، عبر نقل الجزء الأكبر من العمل من المختبرات الفيزيائية إلى الحواسيب، فيما يُعرف بتصميم الأدوية «رقميًا» بدلًا من اختبارها فقط في المختبرات التقليدية.

في هذا الإطار، يعمل شواب على تطوير أداة برمجية تُدعى "فينفورمر" (Phenformer)، قادرة على قراءة الجينومات البشرية وربطها بالأنماط الظاهرية، أي النتائج البيولوجية والسلوكية الناتجة عن تركيبات جينية محددة.
ومن خلال هذا الربط، يتعلم النظام كيف تقود الجينات إلى الأمراض، ما يسمح بتوليد فرضيات جديدة حول آليات المرض وأسبابه، وهي خطوة كانت تستغرق سنوات من العمل البشري المكثف.
نماذج "المحوّلات" تدخل صناعة الدواء
كانت شركة "إنسيليكو ميديسن "» (Insilico Medicine)، وهي شركة تكنولوجيا حيوية مقرها بوسطن، من أوائل الجهات التي استخدمت الجيل الجديد من نماذج الذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم "نماذج المحوّلات" (Transformers)، في اكتشاف الأدوية.
في عام 2019، تساءل باحثوها عما إذا كان بالإمكان استخدام هذه النماذج لابتكار أدوية جديدة اعتمادًا على بيانات بيولوجية وكيميائية ضخمة. واختاروا مرض التليّف الرئوي مجهول السبب كنقطة انطلاق.
بدأت الشركة بتدريب نظام ذكاء اصطناعي على مجموعات بيانات مرتبطة بالمرض، فحدّد بروتينًا يحتمل أن يكون هدفًا علاجيًا. ثم تولّـى نظام ثانٍ اقتراح جزيئات قادرة على الارتباط بهذا البروتين وتعديل سلوكه، مع تجنّب السمية وعدم الاستقرار.
بعد ذلك، تدخل الكيميائيون البشر لتصنيع الجزيئات المختارة واختبارها. وكانت النتيجة دواءً يُدعى «رينتوسيرتيب»، الذي أنهى بنجاح تجاربه السريرية المتوسطة المرحلة.
وتؤكد الشركة أن الوصول إلى مرشح دوائي استغرق 18 شهرًا فقط، مقارنة بمتوسط تقليدي يبلغ أربع سنوات ونصف السنة.
اليوم، تمتلك إنسيليكو خط تطوير يضم أكثر من 40 دواءً صُممت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، تستهدف أمراضًا مثل السرطان وأمراض الأمعاء والكلى.
وتشير تقديرات إلى أن الاستثمارات السنوية في هذا المجال سترتفع من 3.8 مليار دولار إلى أكثر من 15 مليار دولار بين عامي 2025 و2030.

شراكات استراتيجية وتحوّل اقتصادي
تزايدت الشراكات بين شركات الأدوية التقليدية وشركات الذكاء الاصطناعي بشكل ملحوظ.
ففي عام 2024 وحده، أُعلن عن نحو 12 صفقة تعاون بقيمة إجمالية بلغت 10 مليارات دولار، بحسب شركة «آي كيو فيا» المتخصصة في معلومات الرعاية الصحية.
وفي أكتوبر من العام نفسه، أعلنت شركة «إيلي ليلي» تعاونًا مع «إنفيديا» لبناء أقوى حاسوب فائق في قطاع الأدوية، بهدف تسريع اكتشاف الأدوية وتطويرها.
تكمن أهمية هذه التطورات في طبيعة اقتصاد صناعة الأدوية، حيث يفشل نحو 90% من الأدوية التي تدخل التجارب السريرية، ما يرفع تكلفة تطوير دواء ناجح واحد إلى نحو 2.8 مليار دولار. لذلك، حتى التحسينات الطفيفة في الكفاءة قد تُحدث أثرًا ماليًا هائلًا.
وتشير تقارير عدة إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تحقيق هذه المكاسب، إذ خفّض مدة المرحلة ما قبل السريرية إلى ما بين 12 و18 شهرًا، مقارنة بثلاث إلى خمس سنوات سابقًا، كما رفع معدلات النجاح في التجارب المبكرة إلى 80–90%، مقابل متوسط تاريخي يتراوح بين 40 و65%.
من تصميم الجزيئات إلى إدارة التجارب
تقليديًا، يبدأ تصميم الدواء بفحص آلاف أو ملايين الجزيئات الصغيرة بحثًا عن نشاط بيولوجي واعد.
أما اليوم، فيمكن للذكاء الاصطناعي تحليل مكتبات تضم عشرات المليارات من الجزيئات افتراضيًا، وتقييم خصائصها مثل الفاعلية والذوبانية والسمّية، دون الحاجة إلى تصنيعها فعليًا.
ويؤكد مسؤولون في شركة «أسترازينيكا» أن هذه التقنيات ضاعفت سرعة فرز الجزيئات الواعدة، وأن أكثر من 90% من خط تطوير الجزيئات الصغيرة لديهم بات يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على الاكتشاف، بل يمتد إلى تحسين تصميم التجارب السريرية.
ففي GSK، عرض رئيس الذكاء الاصطناعي نظامًا قائمًا على «وكلاء» ذكيين قادرين على كتابة شفراتهم البرمجية ذاتيًا، وجمع البيانات المناسبة، وتحليلها، ثم إنتاج عروض تقديمية تتضمن استنتاجات ورسومًا بيانية.
كما يمكن للنظام توليد فرضيات علمية، ثم اختبارها عبر البحث في الأدبيات العلمية، باستخدام وكلاء مخصصين للدفاع عن الفرضية أو دحضها، مع وجود وكيل ثالث لتقييم أي الطرفين أكثر إقناعًا.

المرضى الافتراضيون ومستقبل التجارب
أحد أكثر الاستخدامات إثارة هو إنشاء «مرضى افتراضيين» أو «توأم رقمي» ليكونوا مجموعة مقارنة في التجارب السريرية.
يتعلم النظام من بيانات تجارب سابقة كيف سيتطور المرض طبيعيًا دون علاج، ثم ينشئ مريضًا افتراضيًا مطابقًا لكل مشارك حقيقي في التجربة. ويُقارن تأثير الدواء على المريض الحقيقي بمسار الحالة الافتراضية.
تشير نماذج نشرتها شركة Unlearn.AI عام 2025 إلى أن هذه التقنية كان يمكن أن تقلل حجم مجموعة التحكم في تجربة مبكرة لمرض باركنسون (الشلل الرعاش) بنسبة 38%، وبنسبة 23% في دراسة أخرى حول ألزهايمر.
وقد يؤدي اعتماد هذه المقاربة إلى تقليل حجم التجارب وتسريعها وخفض تكلفتها، مع زيادة جاذبيتها للمرضى المشاركين.
نحو فهم أعمق للبيولوجيا
يساعد الذكاء الاصطناعي أيضًا في فهم البنى البيولوجية المعقدة، مثل البروتينات المتحركة، وجزيئات RNA، والبُنى الخلوية المعقدة.
وقد باتت النماذج قادرة على محاكاة تفاعلات البروتينات، والتنبؤ بطيّ RNA، بل وحتى بناء خلايا افتراضية. شركات مثل «ريكيرجن» و«أوكن» تستخدم ملايين الصور الخلوية والبيانات الجزيئية لتعليم الأنظمة أنماطًا لا يستطيع البشر اكتشافها بسهولة.
هل تُهدَّد شركات الأدوية التقليدية؟
تثير هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل شركات الأدوية التقليدية في مواجهة شركات التكنولوجيا العملاقة.
حتى الآن، لا تزال شركات الأدوية تمتلك ميزة البيانات البيولوجية العميقة والخبرة التنظيمية، ما يجعل التعاون هو السائد. لكن هذا التوازن قد يتغير.
ومع ذلك، إذا نجح الذكاء الاصطناعي في مضاعفة كفاءة التجارب السريرية، فقد ترتفع احتمالات نجاح الأدوية من 5–10% إلى 9–18%، وهو تحسن كفيل بإحداث نقلة نوعية في صحة الإنسان، وفتح آفاق تكاد تكون بلا حدود.
المصدر: ذي إيكونوميست
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: