نبض أرقام
02:58 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/24
2026/01/23

الكفاءة إكس .. الشركات وتحديات بيئة العمل

09:56 ص (بتوقيت مكة) أرقام

في عالم الاقتصاد، لا تُفسَّر الفجوات في الأداء دائماً بالأرقام والتكاليف وحدها. أحياناً، يكون السبب أبسط وأعمق في آن واحد: غياب الحافز، وضعف المنافسة، والعامل البشري. من هنا، ظهر مفهوم "الكفاءة إكس" (X-Efficiency)  ليكسر واحدة من أكثر المسلّمات رسوخاً في النظرية الاقتصادية، وهي أن الشركات تتصرف دائماً بعقلانية وتسعى إلى تعظيم الإنتاج والأرباح.

 

 

ما هي الكفاءة إكس؟

 

تشير الكفاءة إكس إلى مدى كفاءة عمل الشركات في بيئات المنافسة غير الكاملة، وهو مفهوم طوّره الاقتصادي هارفي ليبينشتاين لتحدي الفكرة السائدة بأن الشركات تعمل دائماً عند أعلى مستوى من الكفاءة.

 

يوضح هذا المفهوم كيف يمكن لانخفاض حدة المنافسة أن يؤدي إلى تراجع الإنتاجية، وذلك من خلال مقارنة الإنتاج الفعلي بالإنتاج المحتمل. ويساعد فهم الكفاءة إكس في تفسير الفروق في أداء الشركات والقطاعات الاقتصادية.

 

الدلالات والتأثيرات

 

يسلط مفهوم الكفاءة إكس الضوء على السلوكيات غير العقلانية للشركات داخل الأسواق. فقد افترضت المدرسة الكلاسيكية الجديدة في الاقتصاد أن الشركات تتصرف دائماً بعقلانية، أي أنها تعظم الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة، حتى في الأسواق غير الكفؤة.

 

غير أن هارفي ليبينشتاين، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، شكك في هذا الافتراض، واعتبر أن هناك «عنصراً مجهولاً» يؤثر في كفاءة الشركات، وأطلق عليه الرمز (X). ففي غياب المنافسة الحقيقية، تصبح الشركات أكثر تساهلاً مع أوجه القصور وعدم الكفاءة في عملياتها التشغيلية.

 

ويُستخدم مفهوم الكفاءة إكس لتقدير مقدار التحسن المحتمل في كفاءة الشركة لو كانت تعمل في بيئة أكثر تنافسية.

 

وُلد هارفي ليبينشتاين (1922–1994) في أوكرانيا، وكان أستاذاً للاقتصاد في جامعة هارفارد. وإلى جانب إسهامه البارز في تطوير مفهوم الكفاءة إكس وتطبيقاته في مجالات التنمية الاقتصادية وحقوق الملكية وريادة الأعمال والبيروقراطية، يُعد من أبرز منظّري «نظرية الحد الأدنى الحرج للجهد»، التي هدفت إلى كسر حلقة الفقر في الدول النامية.

 

قياس الكفاءة إكس

 

عند حساب الكفاءة إكس، يتم عادة اختيار مؤشر يمثل قطاعاً معيناً، ثم يُحلل باستخدام أساليب الانحدار الإحصائي.

 

فعلى سبيل المثال، قد يُقيَّم أداء بنك ما عبر قسمة إجمالي التكاليف على إجمالي الأصول للحصول على مؤشر واحد. ثم تُقارن هذه المؤشرات بين جميع البنوك لتحديد الأكثر كفاءة إكس، ومعرفة أين يتموضع باقي القطاع.

 

ويمكن تطبيق هذا التحليل على مستوى دولة واحدة لدراسة كفاءة قطاعات محددة، أو عبر دول متعددة لمقارنة الفروق الإقليمية والتنظيمية داخل قطاع بعينه.

 

 

جذور المفهوم وتطوره

 

قدّم ليبينشتاين مفهوم الكفاءة إكس في ورقته البحثية الشهيرة عام 1966 بعنوان:

 

"الكفاءة التخصيصية مقابل الكفاءة إكس"، والتي نُشرت في مجلة أميركان إيكونوميك ريفيو (American Economic Review.).

 

تشير الكفاءة التخصيصية إلى الحالة التي تتساوى فيها التكلفة الحدّية مع السعر، وهي وضعية غالباً ما تتحقق في الأسواق شديدة المنافسة. وقبل عام 1966، كان الاعتقاد السائد أن الشركات تعمل بكفاءة تامة باستثناء حالات الخلل التخصيصي.

 

غير أن ليبينشتاين أدخل «العامل البشري» في التحليل الاقتصادي، موضحاً أن الإدارة أو العمال قد لا يسعون دائماً إلى تعظيم الإنتاج أو خفض التكاليف إلى أدنى حد ممكن.

 

وخلص إلى أن تكاليف الوحدة الإنتاجية لا تعتمد فقط على مبدأ تقليل التكاليف، بل تتأثر بدرجة الكفاءة إكس، التي تعتمد بدورها على مستوى الضغط التنافسي وعوامل تحفيزية أخرى.

 

الاحتكار والكفاءة إكس

 

في الحالة القصوى لهياكل السوق، أي الاحتكار، لاحظ ليبينشتاين انخفاضاً في جهد العاملين والإدارة. فغياب المنافسة يقلل الرغبة في تعظيم الإنتاج وتحسين الأداء.

 

وعلى العكس، عندما تشتد المنافسة، يزداد جهد العمال وتسعى الشركات إلى رفع الكفاءة إكس. واعتبر ليبينشتاين أن المكاسب التي تحققها الشركات من تحسين الكفاءة إكس تفوق في كثير من الأحيان تلك الناتجة عن تحسين الكفاءة التخصيصية.

 

أثار مفهوم الكفاءة إكس جدلاً واسعاً عند ظهوره، لأنه تعارض مع افتراض «تعظيم المنفعة»، وهو أحد الأسس الراسخة في النظرية الاقتصادية.

 

الكفاءة إكس مقابل عدم الكفاءة إكس

 

في جوهرهما، يعبران عن المفهوم نفسه. فـ الكفاءة إكس تقيس مدى اقتراب الشركة من مستوى الكفاءة المثالي.

فعلى سبيل المثال، إذا بلغت كفاءة شركة ما 0.85، فهذا يعني أنها تعمل عند 85% من كفاءتها القصوى.

 

أما عدم الكفاءة إكس، فيركز على الفجوة بين الأداء الحالي والأداء الممكن. فإذا بلغت كفاءة مؤسسة مملوكة للدولة 0.35 فقط، فإنها تعمل عند 35% من كفاءتها المثالية، ويُشار إليها حينها على أنها غير كفؤة إكس لإبراز حجم الفجوة.

 

يوضح مفهوم الكفاءة إكس أن الشركات العاملة في أسواق المنافسة غير الكاملة غالباً ما لا تستغل كامل طاقتها الإنتاجية، وهو ما طرحه هارفي ليبينشتاين لتحدي افتراضات العقلانية الكاملة.

 

ويؤكد المفهوم أن الضغط التنافسي والحافز، وليس خفض التكاليف وحده، هما المحركان الحقيقيان للأداء، ما يساعد على تفسير سبب عمل الاحتكارات والأسواق المشابهة لها دون بلوغ أقصى درجات الكفاءة.

 

المصدر: انفيستوبيديا

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.