في مكاتب اليوم، لم يعد منح الموظف الشاب جهاز لاب توب وبطاقة دخول وبضع كلمات ترحيب أمراً كافياً. تشير الملاحظات الميدانية إلى أن الجيل الجديد من الموظفين يتجه لطلب خريطة طريق واضحة، ومعنى مهني محسوس، وإرشاد يساعده على التنقل بين ثقافة “الهاسل” (المعلومات الكثيرة غير المهمة) وضغوط الإنجاز السريع.
وتظهر المفارقة في أن الحلول الفعّالة لا تأتي دائماً من المديرين الأصغر سناً، بل من جيلٍ كان يُتهم سابقاً بأنه «الأقل التزاماً»: جيل “إكس”.
تُظهر إحدى التجارب المتداولة في بيئات العمل استخدام أدوات توظيف مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعتمد على اختبارات سرعة الاستجابة وقوة الذاكرة، ما يجعل كثيراً منهم يشعرون بالتوتر بسبب ارتفاع مستوى التحدي.

مهام عملية
أصبحت هذه المهام العملية أداة يعتمد عليها مسؤولو التوظيف للمساعدة في اختيار المرشحين المناسبين وسط الارتفاع الكبير في حجم طلبات العمل المكتوبة بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل "تشات جي بي تي".
وتشير تقارير إعلامية إلى أن مئات المتقدمين يتنافسون على كل وظيفة شاغرة، مع استخدام ما يصل إلى 50% من هؤلاء الذكاء الاصطناعي في كتابة السير الذاتية وخطابات التقديم وحتى اختبارات التقييم. هذا الواقع خلق حالة من الإحباط بين الباحثين عن العمل، الذين يرون أن نظام التوظيف أصبح أقل قدرة على التمييز بين المهارات الحقيقية والمحتوى المصنوع آلياً.
وفي ظل هذا المشهد المزدحم، تواجه المؤسسات تحديات إضافية تتعلق بالاحتفاظ بالمرشحين الذين نجحوا فعلاً في اجتياز “فخاخ الذكاء الاصطناعي”، خصوصاً من جيل “زد”، ومعهم قريباً الجيل القادم: جيل ألفا.
هل مفتاح سعادة جيل “زد” في العمل؟
تشير دراسات خبراء سوق العمل إلى أن موظفي جيل “زد” يتميزون برغبة واضحة في وجود مسار وظيفي مُحكم منذ اليوم الأول، يتضمن تدريباً ممولاً من جهة العمل. وتشير تحليلات الباحثين، ومنهم الكاتبة والباحثة كلوي كومبي، إلى أن هذه التطلعات مرتبطة بثقافة الإنترنت التي وسّعت طموحات الشباب إلى مجالات غير تقليدية خارج المسارات المهنية الكلاسيكية.
فقد أصبح بعضهم يتأثر بالمؤثرين في المجال المالي وريادة الأعمال، مثل متداولي العملات الرقمية ومؤسسي شركات التجميل الناشئة، ما جعلهم أكثر حذراً عند الاندماج في بيئة مؤسسية تقليدية.
ومع ذلك، توضح الأبحاث أن المسارات المهنية التقليدية لا تزال جذابة لجيل “زد”، لأنها توفر فرصاً فعلية للتعلم والتطور. وتوصي الجهات المتخصصة بتشجيع هذا الجيل على الجمع بين روح المبادرة والواقعية العملية.

لماذا يفشل بعض برامج التوجيه؟
تؤكد البيانات المتاحة أن برامج التوجيه (Mentoring) تلعب دوراً مهماً في دمج الموظفين الشباب ورفع مستويات الالتزام لديهم. لكن تبرز مشكلة متكررة تتمثل في إقران المتدرّبين بمرشدين من جيل الألفية حصراً.
هذا النوع من المطابقة قد يفشل بسبب الفجوة الثقافية، إذ يظهر جيل الألفية تأثراً كبيراً بثقافة “الهاسل”، التي تمجّد العمل الطويل بلا توقف. وفي المقابل، يعبّر موظفو جيل “زد” عن أهمية “الحدود” المهنية والتوازن بين الحياة والعمل، ما يخلق اصطداماً بين الجانبين.
وتظهر الحالات الأكثر نجاحاً في البرامج التي تعتمد على إشراك جيل “إكس” كمرشدين. فالفئة العمرية التي تتراوح بين منتصف الأربعينيات وأواخر الخمسينيات غالباً ما تكون في مرحلة مهنية مستقرة، لا تشعر فيها بتهديد أو منافسة مباشرة مع الموظفين الأصغر سناً. كما أن كثيراً من أفراد جيل “إكس” لديهم أبناء مراهقون، ما يمنحهم قدراً إضافياً من الصبر وفهماً لأفكار الجيل الجديد.
ويرتبط جيل “إكس” أيضاً بخبرات سابقة مشابهة، إذ سبق أن وُصف هذا الجيل في شبابه بأنه جيل «متراخٍ» بعد أعمال ثقافية مثل فيلم ريتشارد لينكليتر الشهير، أو رواية دوغلاس كوبلاند حول عالم التكنولوجيا في التسعينيات. وعاد هذا النوع من المقارنات إلى الواجهة اليوم، في ظل ظروف اقتصادية وتقنية متقلّبة تشبه تلك التي دخل فيها جيل “إكس” سوق العمل قبل عقود.
من ينسجم مع من؟
تُظهر الممارسات التنظيمية أيضاً أن جيل الألفية ينسجم بشكل أفضل مع جيل الطفرة (Baby Boomers)، الذين يشغل معظمهم مناصب عليا داخل المؤسسات. ويستفيد موظفو الألفية من هذا الارتباط، إذ يمنحهم فرصة الوصول إلى مرشدين ذوي نفوذ داخل الهياكل الإدارية.
وخلاصة معادلة النجاح بحسب هذه المقاربات: زد + إكس = نجاح وازدهار.
المصدر: فايننشال تايمز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: