في السادسة عشرة من عمره، وبينما كان أقرانه يخططون لمستقبلهم الجامعي، كان "باري مينكو" ذلك الفتى الأمريكي، يفكر في اختصار الطريق إلى القمة وأضواء وول ستريت من خلال مجال يبدو بسيطًا: تنظيف السجاد من مرآب منزل والديه في كاليفورنيا.
لكن بينما كان عالم الأعمال يصفق للعبقري الصغير، كان "مينكو" يدرك في قرارة نفسه أن مملكته ليست سوى قلعة من ورق أو خدعة كبرى، ليبرز هنا السؤال الأكثر إثارة للدهشة: كيف تمكن طالب في المرحلة الثانوية من تضليل شركات التدقيق المحاسبي وخداع كبار المستثمرين؟ وكيف أصبح قدوة في ريادة الأعمال، قبل أن ينهار كل شيء؟

بداية الحكاية
تأسست "زي بست – ZZZZ Best" عام 1982، ولم تكن أعمالها في مجال تنظيف السجاد مربحة، ما اضطر "مينكو" إلى الاقتراض لشراء المعدات وسداد ديونه، ومع اقتراب مواعيد سداد القروض بدأ بتزوير البيانات المالية لخداع المصرفيين، ولإظهار حجم أعمال غير حقيقي، أنشأ شركة وهمية تدعي ترميم المباني المتضررة من الكوارث والمؤمن عليها.
الفتى المعجزة
أدار شركته بعملية احتيال هرمية، انخدع بها مدققو الحسابات والمصرفيون الاستثماريون والمحامون، حتى إن "زي بيست" أعلنت أرباحًا بقيمة 896 ألف دولار من إيرادات قدرها 5.4 مليون دولار في الأشهر الثلاثة المنتهية في يوليو 1986.
أوهام متقنة الصنع
استخدم "مينكو" العديد من الحيل لإقناع المدققين بوجود عملاء (وهميين) من بينها تزوير الشيكات، إذ كان يحرر شيكات لشركته من حساب بلا رصيد، كما لجأ إلى رشوة حارس أمن للسماح له باصطحاب مدققي الحسابات إلى مبنى في كاليفورنيا، زاعمًا أن شركته قامت بترميمه بعد حريق.
مظاهر الثراء
استغل حياته الشخصية كأداة للخداع، فكان يقيم في منزل فخم في وودلاند هيلز بولاية كاليفورنيا، ويقود سيارة "فيراري تيستاروسا" حمراء، وينفق أمواله ببذخ، وكان يتبع استراتيجية ذكية للتلاعب بالمدققين عبر طلب نصائحهم التجارية لتحويل تركيزهم من دورهم الرقابي إلى دور استشاري.

الاكتتاب المزيف
في ديسمبر 1986، طرح "مينكو" شركته في وول ستريت من خلال الاستحواذ على شركة وهمية باسم "مورنينج ستار إنفسمنتس"، وكان حينها أصغر شخص في تاريخ الولايات المتحدة يطرح شركته للاكتتاب العام، وارتفع سعر السهم، ووصلت قيمتها السوقية إلى ذروتها عند حوالي 280 مليون دولار.
قصة نجاح كلاسيكية.. لكن مزيفة!
ووصلت حصة "مينكو" في الشركة إلى أكثر من 100 مليون دولار بعد الاكتتاب، ما جعله يلقب بـ "العبقري الصغير" في وول ستريت، وأصبح محط أنظار وسائل الإعلام وظهر ضيفًا في عدد من البرامج التلفزيونية أبرزها برنامج "أوبر وينفري".

فواتير بسيطة كشفت مخطط
بدأت خيوط الاحتيال في الانكشاف عندما فرض رسومًا زائدة على عملاء يدفعون فواتير تنظيف السجاد ببطاقات الائتمان، فقد فوجئ "جيمس ريتشمان" في سانتا مونيكا بفاتورة بقيمة 1790 دولارًا على كشف حساب بطاقته الائتمانية، في حين أن تكلفة تنظيف السجاد لم تتجاوز 100 دولار.
سمات خادعة
أصبح "مينكو" – الشاب ذو الشخصية الجذابة والحديث البليغ - وشركته محور تحقيقات واسعة النطاق أجرتها السلطات الأمريكية شملت تهماً تتعلق بغسل الأموال والاختلاس وتقديم بيانات مالية مزيفة وانتهاكات متعددة لقوانين الأوراق المالية، وأدين بـ 57 تهمة احتيال، ووجهت اتهامات إلى 10 أشخاص آخرين بالتواطؤ في عملية الاحتيال نفسها.
من القمة إلى الهاوية
وفي 1987، وتحديدًا بعد سبعة أشهر من الاكتتاب، جرى بيع أصول الشركة - التي تضمنت بعض الشاحنات ومعدات التنظيف - في مزاد علني مقابل 64 ألف دولار فقط، وأصبحت أسهمها بلا قيمة بعدما كان السعر قد وصل من 4 دولارات عند الاكتتاب إلى 18.375 دولار، ما أصاب المستثمرين بالذهول.
الإفلاس والحبس
تقدمت الشركة بطلب للحماية من الإفلاس، وحكم على "مينكو" بالسجن 25 عامًا لارتكابه هذه الجرائم، لكن تم تخفيف الحكم إلى سبع سنوات فقط بعد تعاونه مع أجهزة إنفاذ القانون لكشف عمليات احتيال أخرى خلال فترة سجنه.
هوى نجم "مينكو" بنفس السرعة التي صعد بها، لا بفعل تحقيقات معقدة بل بسبب فواتير بسيطة، لتؤكد قصته أن النجاح المبني على الأوهام ينهار أمام أبسط الحقائق، وتتحول مسيرته إلى واحدة من أكبر الفضائح المالية في التاريخ الأمريكي.
المصادر: لوس أنجلوس تايمز – وول ستريت جورنال - بينزينجا – EBSCO
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: