نبض أرقام
09:07 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/06
2026/02/05

اختيارات القراء .. هل الحظ هو سر النجاح في سوق الأسهم؟

03:31 م (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

في عام 2012، أجرت صحيفة "ذا أوبزرفر" البريطانية تجربة غير عادية امتدت على مدار العام بأكمله لمعرفة من يستطيع اختيار أفضل مجموعة من الأسهم من حيث العائد.

 

في هذه التجربة تنافس مجموعة من خبراء الاستثمار المحترفين ضد مجموعة من الطلاب، وفي حين يبدو ذلك أمرًا عاديًا، فإن الطرف الثالث من المنافسة لم يكن كذلك، حيث وقع اختيار المنظمين على القط البرتقالي "أورلاندو".

 

 

حصل كل فريق من المنافسين على 5 آلاف جنيه إسترليني لاستثمارها في 5 شركات من مؤشر "فوتسي أول شير" في بداية العام، وكان بإمكان كل مجموعة تداول الأسهم بمرور كل 3 أشهر.

 

وقع اختيار "أورلاندو" على مجموعة عشوائية من الأسهم (عبر رمي فأره اللعبة على الاختيارات)، وبحلول نهاية العام حقق ربحًا قدره 5542 جنيهًا إسترلينيًا، مقابل 5176 إسترلينيًا لفريق الخبراء و4840 إسترلينيًا للطلاب.

 

هذا القط لم يمتلك استراتيجية على الإطلاق، ولم يُخضع الشركات التي اختارها للتحليل الأساسي أو الفني، ولم يكلف نفسه عناء متابعة تغيرات السوق لحظة بلحظة، فإن كنت تتساءل عن كيف تفوق على البشر الأذكياء بمن فيهم من خبراء؟ فالإجابة ببساطة: "الحظ".

 

لكن بعيدًا عن استثمارات القطط في سوق الأسهم، هل يمكن أن يلعب الحظ دورًا رئيسيًا في تحقيق النجاح الاستثماري؟ الإجابة المختصرة هي "نعم"، على الأقل من وجهة نظر كثيرين مثل الأخ "اسهمكو" الذي يقول: "الحظ هو رقم واحد وليس التحليل ولا الرسومات البيانية ولا الدراسات.. أنت محظوظ أبشر بالخير".

 

يتفق مع هذا الرأي، الباحث والأكاديمي "مايكل موبوسين"، والذي قال  قبل أكثر من عقد من الزمان، إن الصدفة أو الحظ عنصر أساسي في نجاح أي مستثمر بارع، وإنه أكثر أهمية في تحديد النتائج مما كان عليه قبل جيل أو جيلين.

 

لكن هل تتفق التجارب الفعلية مع هذه الآراء؟ وهل كان الحظ فعلًا حليف أنجح المستثمرين؟ وهل يعني هذا بالضرورة تجاهل التحليل والدراسة؟

 

 

ما الحظ أصلًا؟

 

- في الاستثمار (وحتى في الحياة العادية) قد ينظر البعض إلى الحظ باعتباره حدثًا عشوائيًا، فيما يراه آخرون نتاج عقلية وعمل ومثابرة، و"التقاء الاستعداد الجيد بالفرصة المناسبة" أو حتى البحث عن هذه الفرصة.

 

- توصلت أبحاث عالم النفس "ريتشارد وايزمان" حول الحظ، التي استمرت عقدًا من الزمن، إلى أن الأشخاص الذين يُوصفون بـ"المحظوظين" يتشاركون عاداتٍ ووجهات نظرٍ مشتركة تجعلهم أكثر عرضةً لتحقيق نتائج إيجابية.

 

- هؤلاء يكونون منفتحين على الاحتمالات، ويثقون بحدسهم، ويحولون المحن إلى فرص، وفي المقابل، غالبًا ما يُفوّت الأشخاص "غير المحظوظين" الفرص لأنهم يُركزون بشدة على ما قد يسوء أو يُعلّقون آمالهم على مصائب الماضي.

 

- يقول "وايزمان": "كلما زاد تركيزك على شيء ما، قلّت احتمالية رؤيتك لفرص أخرى، الأمر يتعلق بالانفتاح والإبداع، لا توجد قواعد ثابتة، لكن الحالة المزاجية مهمة لتعزيز حظك، فعندما تكون في حالة جيدة أو مسترخيًا، يصبح ذهنك أكثر اتساعًا".

 

ماذا عن حظ المستثمرين؟

 

- تؤكد الإحصاءات هيمنة عنصر الصدفة في الإدارة النشطة، ففي الأسواق العالمية، يتفوق عدد قليل جدًا من مديري صناديق الأسهم النشطة على المؤشرات القياسية على المدى الطويل، رغم أن هؤلاء المحترفين يبذلون جهدًا مضنيًا في دراسة اختياراتهم.

 

- خلال فترة عشر سنوات انتهت في منتصف عام 2024، كان أداء ما يقارب 90% من مديري صناديق الأسهم النشطة حول العالم أقل من أداء المؤشرات التي يستهدفونها، وفقًا لبيانات "إس آند بي".

 

- أما في الولايات المتحدة، فتُظهر البيانات التي غطت فترة 20 عامًا، أن 65% من الصناديق التي تستثمر في الشركات الكبيرة قدمت أداءً أضعف من مؤشر "إس آند بي 500".


- دراسة أخرى لـ "مورنينج ستار" أظهرت أنه خلال العقد المنتهي في يونيو 2025، لم ينجح سوى 21% من جميع الصناديق النشطة (و8% فقط من صناديق الأسهم الأمريكية الكبيرة) في البقاء بالسوق والتفوق على نظيراتها السلبية في نفس الوقت.

 

- تشير شركة "إندكس فاند أدفايزرز" إلى أن معدلات ضعف الأداء عادة ما تزداد مع "طول الأفق الزمني"، فعلى سبيل المثال، بعد 15 عامًا، لم تتفوق معظم الصناديق في أي فئة. إن كان ذلك يعني شيئًا فسيكون أن الأداء اللافت لفترة قصيرة من الزمن ليس معيارًا للمهارة.

 

ماذا يقول الناجحون عن الحظ؟

 

- يمكن أن ينجح اختيار الأسهم بناءً على الأسس أيضًا، عند تطبيقه بصدق، ويعزو مستثمرون مخضرمون مثل "وارن بافت"، الذي حققت شركته "بيركشاير هاثاواي" نموًا سنويًا متوسطًا بنحو 20% منذ عام 1965 حتى عام 2020، نجاحهم إلى التحليل الدقيق للقيمة والنظرة طويلة الأجل.

 

- بالتأكيد، يُجري "بافت" تحليلًا أساسيًا دقيقًا لتحديد الشركات المتميزة للاستثمار فيها، ومع ذلك، يؤكد على محدودية المهارة، وقال ذات مرة إن نجاحه طوال حياته لم يكن سوى نتيجة "نحو 12 قرارًا صائبًا - قرار واحد كل خمس سنوات تقريبًا".

 

- بعبارة أخرى، كان لعدد قليل من الاستثمارات الناجحة (مثل استثماراته المبكرة في "كوكاكولا" أو "أمريكان إكسبريس") دور حاسم، فيما فشلت العديد من الاستثمارات الصغيرة.

 

- في خطابه للمساهمين في نوفمبر الماضي، ذكر "بافت" كلمة "الحظ" 12 مرة، غالبًا في سياق تأثيره على حياته الشخصية وعلاقاته، وقال مازحًا: "وُلدتُ عام 1930، بصحة جيدة، وذكي إلى حد معقول، وأبيض، وذكر، وفي أمريكا، يا للعجب شكرًا لك يا حظي".

 

- إن رحلة "بافت" بأكملها منذ البداية، وحتى مغامرة "بيل جيتس" بترك الجامعة وتصميم نظام حاسوبي، وكذلك مسيرة "جيف بيزوس" مع "أمازون" قبل فقاعة "دوت كوم"، من أبرز الأدلة على كيف يمكن للحظ أن يلعب دورًا عظيمًا في بناء الثروة.

 

- في رسالته للمستثمرين عام 2020 قال "بافت" إن "قردًا صبورًا ومتزنًا" إذا بنى محفظة استثمارية تراهن على مؤشر "إس آند بي 500" (عبر صندوق مؤشرات منخفض التكلفة)، سيستمتع مع مرور الوقت بأرباح الأسهم ومكاسب رأس المال، طالما لم يغره التغيير.


لا إفراط ولا تفريط

 

- يحذر مفكرون أمثال "نسيم طالب" من الثقة المفرطة والاكتفاء بالرهان على الاحتمالات بعيدة المنال بدلًا من الاستناد إلى المهارة والاستعداد الجيد، فمثل هذه السمات ثبت أنها تعمق الخسائر وتدمر الثروات.

 

- في استطلاع أجرته هيئة التنظيم المالي في الولايات المتحدة، اعتبر 64% من المستثمرين أنفسهم على معرفة واسعة بالاستثمار، لكن عند خضوعهم لاختبار استثماري حصلوا على درجات سيئة.

 

- يعاني المستثمرون الأفراد أيضًا من "تأثير الحظ"، وتُظهر الأبحاث السلوكية أن أداء معظم المستثمرين الأفراد أقل بكثير من أداء السوق، ويعود ذلك في الغالب إلى سوء التوقيت والثقة المفرطة.

 

- تشير "مورنينج ستار" في تقرير لها إلى أن المستثمرين عادة ما يميلون إلى شراء الأصول بعد الأداء القوي، وبيعها بعد الأداء الضعيف، ما ينتج عنه "فجوة أداء" تكلفهم 1-2% من العوائد الضائعة سنويًا، لكن هذه النسبة المتواضعة تتراكم بمرور السنوات لتشكل عبئًا ضخمًا.

 

- قد يكون من الحكمة الاعتماد على مزيج "الحظ والاختيار" لتحقيق النجاح النسبي، ولا ننسى أن العشوائية سيكون لها تأثير على أي حال، فالأخبار غير المتوقعة، والصدمات الاقتصادية، أو حتى الأحداث غير المحتملة، قد تخلق رابحين وخاسرين خارج نطاق أي خطة مُحكمة.

 

 

- على المدى الطويل جدًا، تُؤتي الاستراتيجيات المنضبطة القائمة على العوامل الأساسية ثمارها، فالمستثمرون الذين يلتزمون بعملية قائمة على الأدلة (التنويع، والتقييمات المعقولة، والتكاليف المنخفضة) يُرجّحون كفة الميزان لصالحهم، حتى لو كان العائد في فترة ما غير قابل للتنبؤ.

 

- تقول النصيحة الشهيرة لـ "مايكل موبوسين": "في مجالٍ يكثر فيه الاعتماد على الحظ، تُعدّ العملية المُحكمة الطريق الأضمن للنجاح على المدى الطويل".

 

- لا شك أن الحظ يلعب دورًا كبيرًا في حياة الإنسان، لكن يبقى السؤال مطروحًا: هل هذا يعني أن العوائد السوقية المرتفعة مجرد صدفة، أم أنها أيضًا نتيجة للمهارة والتحليل السليم؟

 

- وإن كان ذلك صحيحًا فهل يعني أن القط المحظوظ مستثمر أفضل من الخبراء المحترفين؟ في عالم الأسهم المتقلب والآخذ في الاتساع والتطور، يظل اليقين الكامل بعيد المنال، وربما تبتسم النتائج للحظ، لكن يبقى التفوق معتمدًا على المعرفة والاجتهاد.

 

المصادر: أرقام- فوربس- إنفستوبيديا- بيانات بيركشاير هاثاواي- جروفوكاس- بي بي سي- إيه بي سي نيوز- أبولو أكاديمي- إندكس فاند أدفايزرز- تشارلز شواب- أويلث أوف كومن سينس- شات جي بي تي.

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.