نبض أرقام
11:42 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/06

خريف نيو ستارت.. العالم بلا حدود نووية

2026/02/06 أرقام - خاص

في المشهد الختامي لفيلم "أوبنهايمر"، يجمع مشهد مهيب بين "روبرت أوبنهايمر" و"ألبرت آينشتاين" على ضفاف بركة هادئة، ليتحول الصمت إلى بوح مرير، حيث يستحضر "أوبنهايمر" ذكرى "ترينيتي" (Trinity) —وهو الاسم الرمزي لأول تفجير نووي شهده التاريخ— مذكراً "آينشتاين" بالرعب الذي سبقه: "ألبرت.. عندما أتيت إليك بتلك الحسابات، كنا نخشى أننا قد نطلق تفاعلاً متسلسلاً لا يتوقف حتى يدمر العالم بأسره".
 

يسأله "آينشتاين": "أتذكر ذلك جيداً.. ماذا في ذلك؟"؛ فيجيبه "أوبنهايمر" بكلمات تزلزل الوجدان: "أعتقد أننا فعلنا ذلك".

 

لم يكن يقصد اشتعال الغلاف الجوي الذي أثبتت الحسابات بطلانه، بل "التفاعل المتسلسل السياسي" لسباق التسلح الذي لا ينتهي!

 

واليوم، في فبراير 2026، يبدو أن هذا التفاعل وصل ذروته بتبخر معاهدة "نيو ستارت" بين واشنطن وموسكو، ليدفع هذا الفراغ القانوني عقارب "ساعة القيامة" -وهي مقياس رمزي لعلماء الذرة منذ 1947 يحدد مدى قربنا من الفناء- لتستقر عند 85 ثانية فقط قبل منتصف الليل.

 

 

بلا قيود

- انتهت رسمياً معاهدة "نيو ستارت" (New START)، التي كانت تضع سقفاً لا يتجاوز 1550 رأساً نووياً استراتيجياً لكل من واشنطن وموسكو، ويعني هذا السقوط غياب نظام "التحقق الميداني" الذي سمح بـ 328 عملية تفتيش ميدانية مفاجئة منذ عام 2011.

 

ورغم أن "جو بايدن" أنقذ المعاهدة في عام 2021 بتمديدها لخمس سنوات، إلا أن العالم اليوم يواجه للمرة الأولى منذ نصف قرن غياباً تاماً لأي قيود قانونية ملزمة على القوتين الأعظم.

 

عدم اليقين

- تلك المعاهدة، التي ولدت في عام 2010 بين رئيسي الولايات المتحدة وروسيا آنذاك، "باراك أوباما" و"ديمتري ميدفيديف"، كانت الخيط الأخير الذي يربط القوتين النوويتين الأعظم بنظام من القدرة على التنبؤ والشفافية.

 

فقد تبادل الطرفان أكثر من 25,449 إخطاراً دورياً حول تحركات ومواقع ومكونات أسلحتهم النووية، ومع انهيار هذا الجدار الدبلوماسي، تدخل العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا في نفق من العتمة المعلوماتية، حيث سيضطر كل طرف للاعتماد على تقديرات استخباراتية قد تكون مشوبة بالمبالغة أو سوء التقدير، مما يفتح الباب أمام "تفكير السيناريو الأسوأ" الذي ميز ذروة الحرب الباردة.

 

عقارب الفناء

- في السابع والعشرين من يناير، اجتمع أعضاء "نشرة علماء الذرة" في جامعة شيكاغو لإصدار إعلانهم السنوي الذي ينتظره العالم بأنفاس محبوسة، وكانت النتيجة صاعقة: عقارب "ساعة القيامة" تحركت للأمام أربع ثوانٍ مقارنة بالعام الماضي، وهو ما لم يكن مجرد استجابة لانتهاء معاهدة "نيو ستارت"، بل كان "صرخة استغاثة" أمام تآكل النظام الدولي.

 

إن الأسباب الكامنة وراء هذا التحرك الخطير للساعة تتجاوز البعد العسكري لتشمل الفشل العالمي في مواجهة التغير المناخي والتهديدات البيولوجية والتقنيات التخريبية، ووفقاً لبيان اللجنة، فإن الأنظمة المصممة لتقليل المخاطر الوجودية تنهار بشكل أسرع من قدرة الدبلوماسية على إصلاحها.

 

ويبرز الصراع في أوكرانيا والتوترات بين الهند وباكستان، بالإضافة إلى طموحات إيران النووية، كعوامل ضغط هائلة تجعل من احتمال استخدام السلاح النووي - ولو عن طريق الخطأ - أمراً وارداً بشكل يومي.

 

 

المثلث الملتهب

- دخلت الصين كطرف ثالث حاسم، حيث تجاوزت ترسانتها 600 رأس حربي، مع توقعات ببلوغها 1000 رأس بحلول 2030، وفي حين يرفض "ترامب" العودة للقيود الثنائية دون إدراج بكين، ترفض الأخيرة الانخراط في أي اتفاقيات بينما لا تزال ترسانتها في طور النمو.

 

ليخلق هذا "المثلث" معضلة أمنية مركبة، حيث يغذي قلق كل طرف توسع الآخر، ما يجعل الدبلوماسية النووية اليوم أكثر تعقيداً من عصر الحرب الباردة ثنائي الأطراف.

 

تكنولوجيا الموت

- يحذر المحللون في معهد "كارنيجي" من "عصر نووي جديد" يتسم بالتعقيد وعدم اليقين، حيث تدخل التكنولوجيا السيبرانية والذكاء الاصطناعي في صلب أنظمة القيادة والسيطرة، حيث إن دمج هذه التقنيات يعني أن الهجمات السيبرانية على أقمار التجسس أو شبكات الاتصال قد يتم تفسيرها كتمهيد لضربة نووية، مما يشعل فتيل "التصعيد غير المقصود".

 

علاوة على ذلك، فإن سعي روسيا لامتلاك أسلحة نووية في الفضاء، كما ورد في بعض التقارير الاستخباراتية، يضيف بعداً رابعاً لهذا المثلث، ما يحول المدار الأرضي إلى ساحة معركة محتملة يمكن أن تترك القوى العظمى تتخبط في الظلام النووي.

 

القبة الذهبية

- أطلقت إدارة "ترامب" مشروع "القبة الذهبية" (Golden Dome) لحماية الأراضي الأمريكية من الصواريخ الفرط صوتية والنووية عبر شبكة فضائية متطور، في مشروع تُقدر تكلفته بما يتجاوز 542 مليار دولار، حيث يعتمد على آلاف الأقمار الصناعية المسلحة.

 

وفي حين يرى المؤيدون أنه سيجعل السلاح النووي "عفا عليه الزمن"، يراه الخصوم استفزازاً ينهي منطق الردع المتبادل.

 

 

المنافسة الصفرية

- إن "ساعة القيامة" ليست مجرد استعارة أخلاقية، بل هي مؤشر رائد للتقلبات العنيفة في الأسواق، فعندما تتحرك نحو "منتصف الليل"، تتدفق رؤوس الأموال نحو "الأصول الدفاعية".

 

وقد أظهر تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 أن "المواجهة الجيواقتصادية" هي الخطر الأول الذي يهدد بحدوث أزمة عالمية مادية، حيث تراجعت الثقة في المؤسسات المتعددة الأطراف إلى مستويات غير مسبوقة.     

 

رهان السيولة

- في مواجهة "الشتاء الدبلوماسي"، برزت استراتيجيات استثمارية تحاول "تسييل الأزمة" وتحويل المخاطر إلى عوائد، حيث يركز المستثمرون على الهروب من "العملات الورقية" التي قد تفقد قيمتها في حال تعطل النظام المالي العالمي، نحو "الملاذات الحقيقية".

 

ويشير المحللون في "جولدمان ساكس" إلى أن الذهب لم يعد مجرد "تأمين ضد الأزمات"، بل أصبح "تخصيصاً استراتيجياً" في المحافظ الاستثمارية، حيث يتوقعون أن يرتفع السعر بنسبة 14% إضافية بحلول نهاية 2026 مدفوعاً بزيادة مشتريات المستثمرين الأفراد.

 

هذه "السيولة الذكية" تتحرك أيضاً نحو المعادن الاستراتيجية المطلوبة في "راما-جدون الرقائق" وسباق التسلح؛ فالنحاس والليثيوم والألمنيوم أصبحت "نفط القرن الحادي والعشرين"، حيث تتسابق القوى العظمى لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بها كجزء من أمنها القومي. 

 

الدروع الرقمية

- لم تعد "علاوة المخاطر الجيوسياسية" تقتصر على الذهب والنفط، بل امتدت لتشمل "الأمن السيبراني" كقطاع استثماري دفاعي، ومع استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد هجمات سيبرانية متطورة تستهدف البنية التحتية النووية والمالية، أصبحت شركات مثل "كراود سترايك" و"بالو ألتو نيتوركس" "الدروع الرقمية" التي لا غنى عنها للمؤسسات والدول.

 

حيث أصبح "الخوف" هو المحرك الأقوى للاقتصاد العالمي في 2026؛ فكلما اقتربت ساعة القيامة، زاد الإنفاق على الحماية، وكلما زاد الإنفاق على الحماية، تعززت أرباح الشركات التي تبيع "الأمن" بمختلف أشكاله، سواء كان فيزيائياً أو رقمياً أو مالياً.  

 

 

المطرقة الشرقية

- بالنسبة لروسيا والصين، فإن "القبة الذهبية" ليست مشروعاً دفاعياً، بل هي "سلاح هجومي" متنكر؛ لأنها إذا نجحت، ستسمح للولايات المتحدة بشن ضربة نووية أولى دون خوف من الرد، وهذا التصور هو ما دفع بوتين للتهديد باتخاذ "إجراءات تقنية عسكرية"، بما في ذلك تسريع نشر صاروخ "سارمات" (Sarmat) العابر للقارات القادر على حمل رؤوس فرط صوتية لا يمكن للقبة الذهبية اعتراضها حالياً.

 

كما برزت مخاوف داخل الكونجرس الأمريكي، قادها سيناتورات مخضرمون، حول انتهاك هذا المشروع لروح معاهدات الفضاء وتحويل المدار الأرضي إلى ساحة رماية نووية، وبينما تتصارع شركات الدفاع مثل "سبيس إكس" و"لوكهيد مارتن" و"أندوريل" على كعكة العقود المليارية، يظل السؤال الوجودي معلقاً: هل ستبني القبة الذهبية عالماً آمناً، أم أنها ستحفز الخصوم على بناء "مطارق" أثقل لتحطيم هذه القبة فوق رؤوس الجميع؟

 

المصادر: أرقام - آيكان - موفي ويب - إن بي سي نيوز - ذا بوليتين - هاريز يوشيكاغو - يوشيكاغو نيوز - جيه بي مورجان - المنتدى الاقتصادي العالمي - روسيا ماتر - وزارة الخارجية الأمريكية - المركز السويدي لدراسات شرق أوروبا - كومون دريمز - كي في يو إي - ديفينس نيوز - واجينج بيس - بي إس آر - ذا جارديان - معهد العلوم والأمن الدولي - إيه جي إف بيرسبكتيفز - الكونجرس الأمريكي - رابطة الحد من الأسلحة - مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية - سنتينل كولورادو - ديسكفري ألرت - ذا ستريت - جست سيكيوريتي

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.