في مطلع عام 2009، استيقظت البورصات الهندية على اعتراف من خمس صفحات أنهى مسيرة واحدة من أكبر شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات في البلاد وتسبب في خسائر مالية ضخمة، مع تحول مؤسسها "راماليجا راجو" من رمز للنجاح إلى متهم بالمسؤولية عن أكبر فضيحة احتيال محاسبي في البلاد.

من رائد أعمال إلى متهم رئيسي
"راجو" الحاصل على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة أوهايو عام 1977، عاد إلى الهند، وبعد تعثر مشاريعه الأولى اتجه إلى قطاع العقارات وأسس شركات مقاولات، وحقق نجاحًا وفر له الدعم المالي اللازم لشركته "ساتيام كومبيوترزSatyam Computers -" التي أسسها في سن الثلاثة والثلاثين.
تاريخها
تأسست "ساتيام" في حيدر أباد عام 1987، وتنوعت أنشطتها لتشمل تطوير البرمجيات والتصميم الهندسي وأعمال التعهيد (إسناد المهام إلى مصادر خارجية) في مجال تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب التجارة الإلكترونية وصيانة الأنظمة، وعملت في 45 دولة حول العالم، وقدمت خدماتها لأكثر من 270 عميلاً من كبرى الشركات، وطرحت أسهمها للاكتتاب في بورصة بومباي عام 1991.
نمو متسارع بأرقام جاذبة
بدأت الشركة خطة لمضاعفة نموها السنوي اعتمدت سرًا على استراتيجية تلاعب بالبيانات المالية، للحفاظ على سعر السهم مرتفعًا – كمؤشر للأداء المالي الجيد - وتعزيز ثقة المستثمرين، وفي عام 2008، تجاوزت الإيرادات ملياري دولار، وأصبح "راجو" رئيسًا للرابطة الوطنية لشركات البرمجيات، وحصل على جائزة "إرنست أند يونج" كرائد أعمال العام (في 2007).
خلف الكواليس
لم يكن الهدف الرئيسي التلاعب بسعر السهم، بل تعزيز القدرة على الحصول على قروض من بنوك أمريكية، ثم تحويل الأموال إلى مشاريع عقارية خاصة في الهند، وعندما انهار سوق العقارات أواخر 2008، تبين عدم جدوى هذه الخطة.

رسالة الاعتراف
لكن في يناير 2009، مُنعت "ساتيام" من التعامل مع البنك الدولي لمدة ثماني سنوات، وزعم البنك الدولي تورطها في سرقة بيانات ورشوة موظفين، فتهاوى سهمها إلى أدنى مستوياته في 4 سنوات، وتلقى موظفو الشركة رسالة من "راجو" يقر فيها صراحة بالاحتيال، قبل أن يستقيل من منصبه كرئيس لمجلس الإدارة.
أكبر عملية احتيال محاسبي في الهند
أقر "راجو" بتضخيمه الإيرادات والأرباح خلال الفترة من 2003 حتى 2008 واختلاس ما يعادل 1.5 مليار دولار من أموال "ساتيام" وتبين بعد ذلك أن 94% من السيولة النقدية المسجلة في الدفاتر كانت وهمية، وأوضح في رسالته أن ما بدا كفجوة طفيفة بين الربح التشغيلي الفعلي والمسجل في دفاتر الحسابات في البداية، استمر في الاتساع على مر السنين، حتى بلغ مستويات خارجة عن السيطرة مع النمو الكبير في حجم العمليات.
سقوط الأقنعة
بعد أيام من الإقرار، كشفت "برايس ووتر هاوس كوبرز" أن موظفيها قدموا تقريرا تدقيقا مزورًا، وألقت الشرطة القبض على المؤسس وشقيقه الأصغر، وتدخلت الحكومة لحل مجلس الإدارة، لتتوالى التداعيات الكارثية، إذ انهارت أسعار الأسهم بشكل حاد، مسببة خسائر فادحة، بينما كافحت الشركة من أجل البقاء وعاش آلاف العاملين حالة من القلق.
بداية جديدة
وفي يونيو 2009، اندمجت "تيك ماهيندرا" التابعة لمجموعة "ماهيندرا" و"ساتيام" لتشكيل كيان جديد لتكنولوجيا المعلومات باسم "ماهيندرا ساتيام".

القضية تتجاوز الحدود
اتهمت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية "ساتيام" بالاحتيال المالي وتضخيم الإيرادات والأرباح والأرصدة النقدية بأكثر من مليار دولار على مدى خمس سنوات، وأن مسؤوليها استخدموا فواتير مزورة وكشوف حسابات بنكية غير حقيقية لتظهر أعمالها بصورة أكثر ربحية للمستثمرين.
من القمة إلى السجن
كما أصدرت الهيئة أمرًا إداريًا يقضي بمعاقبة مدققي حسابات الشركة المستقلين السابقين بسبب سوء سلوكهم المهني أثناء تدقيق البيانات المالية من عام 2005 حتى يناير 2009، وأدانت محكمة هندية "راجو" ومسؤولين سابقين وحكم على راجو بالسجن سبع سنوات، في القضية التي باتت تعرف بـ "إنرون الهند".
لم تكن فضيحة "ساتيام" مجرد واقعة احتيال مالي عابرة، بل مثلت جرس إنذار كشف هشاشة الأنظمة الرقابية حين تواجه طموحًا غير مشروع ومحفوف بالمخاطر، فقد كان "راجو" يومًا ما رمزًا لثورة تكنولوجيا المعلومات في الهند، قبل أن تتحول مسيرته إلى مثال صارخ على عواقب غياب حوكمة الشركات الصارمة وضعف الرقابة التنظيمية.
المصادر: أرقام - لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية – "ترانسبارنتلي" - كوارتز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: