في أوائل عام 2010، شرع "شاميل ثاكرار" وأخوه "كاران" في رحلة طموحة في عالم الضيافة بفتح مطعم صغير في قلب كوفنت غاردن في لندن، تحت اسم ديشوم (Dishoom).
كان هدف الأخوين هو تقديم مأكولات هندية بطابع أصيل ومعاصر في آن واحد، ومستوحاة من أجواء المقاهي التاريخية في مومباي، حيث يلتقي الناس من مختلف الطبقات لتبادل الأحاديث والاستمتاع بشاي لذيذ وأطباق متقنة التحضير.

وبدأ الأخوان مشروعهما ببداية متواضعة، مع عدم امتلاكهما لموارد ضخمة، وتحركا بدافع شغفهما الحقيقي بالمطبخ الهندي حيث ركّزا على تقديم قائمة طعام تمزج بين التراث الأصيل وأساليب الطهي الراقية.
وسرعان ما اكتسب مطعم ديشوم جمهورًا واسعًا، وصار الناس يصطفون في طوابير طويلة أمام أبوابه، ليس فقط لجودة الطعام، بل لما تحمله التجربة من أصالة ودفء وابتكار.
ومع مرور السنوات، توسع المطعم ليصبح سلسلة مطاعم فاخرة تنتشر في مواقع رئيسية بالمملكة المتحدة، حتى تحول اسمه إلى علامة غذائية فاخرة تجذب المستثمرين وصناديق الأسهم الخاصة، الذين رأوا فيه فرصة للنمو والتوسع الدولي.
قصة ديشوم تجسّد كيف يمكن لعلامة صغيرة ناشئة أن تتحول إلى أصل استثماري جاذب في قطاع الأغذية الفاخرة حيث شكل نجاح مثل هذه العلامات مصدر إلهام لعدة مستثمرين لدخول هذا القطاع، وأدى إلى توسع الشركات الغذائية القائمة في مجال الأغذية الفاخرة.
هذه الديناميكية دفعت بعض الشركات للقيام بصفقات استحواذ على علامات فاخرة لتعزيز تواجدها، بينما لجأت شركات أخرى إلى طرح منتجاتها الفاخرة على رفوف متاجر التجزئة لتوسيع التوزيع والوصول إلى جمهور أوسع.
وتحظى صناعة الأغذية الفاخرة، التي تشمل المنتجات الغذائية الراقية، والعلامات التجارية المتميزة، وتجارب الطعام الفريدة، باهتمام متزايد من المستهلكين والمستثمرين حول العالم.
وقبل ذلك، كانت هذه الصناعة قطاعًا متخصصًا لشريحة الأثرياء، لكنها اليوم تتقاطع مع اتجاهات أوسع تتعلق باستهلاك الطعام، والصحة، والاستدامة، وأسلوب الحياة.
ومن الشوكولاتة الفاخرة إلى المأكولات البحرية الفاخرة والمنتجات النباتية المبتكرة، أصبحت العلامات التجارية للأغذية الفاخرة أصولًا استثمارية حقيقية، نتيجة لزيادة الدخل وتغير أذواق المستهلكين، بالإضافة إلى تحول الأسواق نحو التميّز والابتكار الغذائي.
نمو سوق الأغذية الفاخرة ودوافعه
يشهد السوق العالمي للأغذية الفاخرة نموًا قويًا، حيث وصل حجمه إلى نحو 194.1 مليار دولار أمريكي في عام 2024 وفق تقديرات مؤسسة كاستم ماركت إنسايتس، ومن المتوقع أن يتجاوز 290 مليار دولار بحلول عام 2031.

وأصبح قطاع الأغذية الفاخرة التقليدية -الذي يضم فئات فائقة التميز مثل كافيار سمك "الستورجيون"، وفطر "الكمأة" (الترافل) الأسود، ولحم بقر "الواغيو" كامل الدم- يشهد زخمًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة.
على سبيل المثال، بلغت قيمة سوق لحم بقر "الواغيو" 13.9 مليار دولار أمريكي بحسب بيانات موردور إنتليجنس في عام 2025، مع توقعات بأن يحافظ على معدل نمو سنوي قدره 11.37% حتى عام 2030.
وفي سوق الكافيار، استقرت أسعار كافيار "بيلوجا" المربى في المزارع بين 7000 و15000 دولار أمريكي للكيلوجرام الواحد، بينما يمكن للأصناف النادرة للغاية مثل كافيار "ألماس" أن تصل قيمتها إلى 47 ألف دولار أمريكي.
ولم يعد هذا التوسع مجرد نتيجة لإنفاق المستهلكين الأثرياء؛ بل الأمر أوسع من ذلك إذ أصبح هذا النشاط يتلقى دعمًا قويًا من قبل شركات رأس المال الاستثماري والأسهم الخاصة للاستفادة من الطلب المتزايد على المنشأ وتميز النكهة وجودة المنتج.
بل إن بعض المستثمرين اليوم يعتبرون طبق "الكافيار" أو قطعة لحم "الواغيو" ليس فقط سلعة استهلاكية، بل هي مخزن للقيمة يسهم في حماية المحافظ الاستثمارية من تآكل العملات الورقية.
ومن بين أبرز العوامل الدافعة لهذا النمو هو زيادة الدخل المتاح، إذ عزز ارتفاع دخول المستهلكين في الأسواق المتقدمة والناشئة الطلب على المنتجات الغذائية المتميزة.
كما أن المستهلكين ينظرون للطعام على أنه جزء من أسلوب حياتهم، ما يزيد الطلب على المنتجات الفاخرة مثل الترافل والكافيار والأطعمة الراقية.
وساهمت التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية في تسهيل وصول المنتجات الفاخرة لجمهور عالمي، مما وسع من قاعدة المستهلكين، كما أدت مواكبة بعض المنتجات الراقية لاتجاهات الصحة والاستدامة، مثل البدائل النباتية الفاخرة والمأكولات العضوية إلى زيادة الإقبال عليها.
الاستثمار في صناعة الأغذية الفاخرة
شهدت السنوات الأخيرة صفقات استحواذ بارزة عززت مكانة العلامات الفاخرة ضمن محافظ المجموعات الغذائية الكبرى.

ومن أبرز الأمثلة استحواذ مجموعة بلاديس على العلامة البلجيكية الشهيرة جوديفا شوكولاتير ضمن صفقة قُدرت بمئات الملايين من الدولار الأمريكي، مما عزز حضورها العالمي ووسع انتشار العلامة في أسواق جديدة.
مثل هذه الصفقة تبين توجّه الشركات متعددة الجنسيات نحو تعزيز مواقعها في الشرائح ذات القيمة المضافة العالية، حيث تمثل الشوكولاتة الفاخرة أحد أسرع قطاعات الحلويات نموًا من حيث متوسط سعر الوحدة وهوامش الربح.
وفي سياق متصل، استثمرت شركة الأسهم الخاصة إل كاتيرتون، المدعومة من مجموعة إل في إم إتش، في سلسلة المطاعم البريطانية ديشوم بقيمة سوقية تقارب 300 مليون جنيه إسترليني (404 ملايين دولار أمريكي).
هذا الاستثمار يؤكد قناعة المستثمرين بأن تجارب الطعام الراقية لم تعد مجرد نشاط تشغيلي تقليدي، بل أصبحت أصلًا قابلاً للتوسع والنمو عبر التوسع الجغرافي وتطوير خطوط منتجات إضافية وتعزيز العلامة التجارية.
كما يبرز هذا التوجه إدراك الصناديق الاستثمارية لأهمية الارتباط بين قطاع الضيافة الفاخرة وسلوك المستهلكين الباحثين عن تجارب نوعية متميزة.
هذه التحركات لا تعني فقط إعادة هيكلة ملكية العلامات، بل تشير إلى انتقال استراتيجي نحو بناء منظومات غذائية فاخرة متكاملة، تستفيد من قوة العلامة التجارية، وشبكات التوزيع العالمية، والقدرة على الابتكار في المنتجات.
ومع استمرار ارتفاع الطلب على المنتجات الراقية في الأسواق الآسيوية والأوروبية وأمريكا الشمالية، أصبحت الاستحواذات وسيلة سريعة لتعزيز الحصة السوقية بدلًا من البناء العضوي البطيء.
إلى جانب الاستثمارات المؤسسية الكبرى، لعبت صناديق الأسهم الخاصة ورأس المال المخاطر دورًا متزايدًا الأهمية في دعم العلامات الناشئة في قطاع الأغذية الفاخرة، لا سيما تلك المرتبطة بالاتجاهات الحديثة مثل المنتجات النباتية والمستدامة.

فقد قامت العلامة النباتية ويكيد كيتشن بالاستحواذ على شركة كارينت فودز المتخصصة في بدائل الأسماك النباتية، في خطوة هدفت إلى تعزيز محفظتها من المنتجات النباتية ذات الطابع الفاخر والابتكاري.
وفي مرحلة لاحقة، استحوذت مجموعة أهيمسا كومبانيز على علامة ويكيد كيتشن، في صفقة هدفت إلى تعزيز موقعها في سوق الأغذية النباتية الفاخرة على المستوى العالمي.
في المجمل، تكشف هذه الأمثلة أن الاستثمار في صناعة الأغذية الفاخرة لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبح مسارًا استراتيجيًا تتنافس عليه الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار على حد سواء.
فرص للتحوط مقابل تحديات الاستثمار
إن التوقعات الأكثر إثارة للاهتمام لصناعة الأغذية الفاخرة في عام 2026 هي دورها كتحوط ضد التضخم وتقلبات السوق التقليدية.
وعلى عكس الأصول الرقمية أو الورقية، تمتلك المواد الغذائية الفاخرة مثل الأنواع النادرة أو خل البلسميك المعتق قيمة جوهرية تزداد مع التقادم والندرة الناتجة عن الاستهلاك.
وتوضح سوق "الكمأة" هذه المرونة بشكل أكبر؛ ففي موسم 2025-2026، وصلت أسعار "الكمأة" السوداء الفاخرة إلى نحو 1000 دولار أمريكي للكيلوجرام الواحد، مع تجاوز العينات "ذات الحجم الاستثنائي" مبلغ 3252 يورو.
ويدعم استقرار الأسعار هذا حقيقة أن ما يقرب من 65% من مستهلكي السلع الفاخرة مستعدون الآن لدفع مبالغ أكبر مقابل العلامات التجارية المعتقة والنادرة والقائمة على التراث.
ومع تعرض المحافظ التقليدية لضغوط ناتجة عن الأوضاع الجيوسياسية، توفر الرفاهية في قطاع الغذاء مزيجًا فريدًا من الحفاظ على رأس المال والعوائد التي تزداد جاذبيتها لدى الأفراد ذوي الملاءة المالية الساعين إلى التنوع.
بالإضافة إلى ذلك، بدأ المستثمرون في عام 2026 ينظرون إلى "الاستدامة الفاخرة" كعامل حاسم في التقييم.

فالمنتجات التي يمكن إثبات تأثيرها البيئي الإيجابي، مثل المحار المربى بطرق تعيد إحياء الشعاب المرجانية، أو زيت الزيتون من أشجار يتجاوز عمرها الألف عام والمحمية كإرث عالمي، أصبحت تحقق عوائد استثمارية تفوق المنتجات الفاخرة التقليدية بنسبة 15%.
في المقابل، تعاني صناعة الأغذية الفاخرة من تحديات جوهرية، فرغم جاذبيتها، تبقى الصناعة شديدة الحساسية لعوامل العرض المحدود، إذ تعتمد العديد من منتجاتها على موارد طبيعية نادرة أو عمليات إنتاج معقدة تتأثر بتغيرات المناخ والأمراض والقيود البيئية.
وبالتالي فإن أي اضطراب في سلاسل الإمداد قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار أو نقص في المعروض، ما يرفع مستوى المخاطر التشغيلية.
كما أن توسع السوق ودخول لاعبين جدد قد يؤدي إلى ظاهرة "تخفيف الفخامة"، حيث يؤدي الإفراط في التوسع أو التوزيع الواسع إلى إضعاف صورة الندرة التي تُعد عنصرًا أساسيًا في تسعير هذه المنتجات.
وفي عالم يتزايد فيه البحث عن الفرص الملموسة، قد لا يكون الغذاء الفاخر مجرد رفاهية على المائدة، بل هو قطاع يمثل استثمارًا في المستقبل بقدر ما هو استثمار في النكهات.
المصادر: أرقام- كريدنس ريسيرتش- كاستم ماركت إنسايتس- بلاديس جلوبال- ذا تايمز- أسوشيتد بريس- فود بيزنس ميدل إيست وإفريقيا- زيون ماركت ريسيرش- بيتروسيان
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: