"ليس المهم أن تكون على حق أو على خطأ، بل المهم مقدار المال الذي تجنيه عندما تكون على حق، ومقدار ما تخسره عندما تكون على خطأ".. هذا ما يؤكده المستثمر الشهير "جورج سورس" عند استعراض استراتيجيته في الاستثمار في سوق الأسهم وخارجه.
فالخسارة "جزء من اللعبة" في الاستثمار عمومًا، وفي سوق الأسهم خصوصًا، لكن ما يميّز متداولًا عن آخر هو أن يكون "خاسرًا جيدًا"، أي أن يحوّل خسارته إلى نقطة تحوّل أو تجربة يتعلّم منها، لا أن يصرّ على نهجه دون تغيير.

الأخطاء ذاتها
وعلى الرغم من منطقية ضرورة التعلّم من الأخطاء وتجنّب تكرارها، فإن قرابة 80% من المتداولين يكررون الأخطاء نفسها وفقًا للدراسات؛ إذ يعلّقون آمالهم على "تغيّـر الظروف" أو "تحسّن إدراك السوق" وغير ذلك من العوامل الخارجة عن سيطرتهم. لذا، فإن الذين تعلّموا من أخطائهم فقط هم من انضموا إلى القلة التي حققت النجاح في سوق الأسهم.
وعلى الرغم من أن غالبية التجارب الاستثمارية التي يُسلّط عليها الضوء تكون لمشاهير، فإن بعض الأشخاص العاديين حققوا نجاحات كبيرة في السوق أيضًا.
فعلى سبيل المثال، بدأت رحلة "آن شايفر" بطريقة لا تختلف عن بدايات كثير من المستثمرين العاديين؛ إذ دخلت سوق الأسهم بقدر محدود من المعرفة المالية، وكانت في سنواتها الأولى تتعرّض لخسائر بسبب نقص الخبرة والمعرفة، حتى خسرت أكثر من 50% من رأس مالها خلال أربع سنوات.
ومع خسائرها المتلاحقة، أدركت "آن" أن السوق لا يكافئ من يبحث عن الربح السريع، بل يحتاج إلى قدر كبير من الصبر، خاصةً في مواجهة التقلبات، والتمسّك بالأسهم الجيدة حتى في الأوقات الصعبة.
من "التوقيت" إلى "الوقت"
كانت "آن" تعمل موظفةً في مصلحة الضرائب الأمريكية، ولم يكن راتبها كبيرًا، لكنها تمكّنت من ادخار 5000 دولار كبداية للاستثمار، وقررت أن تتعامل مع هذا المبلغ بجدية متناهية.

وعملت على ما وصفته بـ"بناء المعرفة"، فبدأت دراسة الشركات التي تستثمر فيها دراسةً معمّقة، مع التركيز على الشركات ذات الأساسيات القوية والتدفقات النقدية المستقرة.
وغيّـرت استراتيجيتها بالكامل؛ فبعد أن كانت تعتمد على البيع والشراء السريعين، معتقدةً أن سر الاستثمار يكمن في "التوقيت"، أصبحت ترى أن السر الحقيقي يكمن في "الوقت"، فاعتمدت استراتيجية الشراء والاحتفاظ.
وعلى مدار نحو 45 عامًا، استمرت في مراكمة الثروة. ورغم اعتقادها بأن المضاربة اليومية قد تجلب أرباحًا أحيانًا، فإنها - في نظرها - ليست الطريق الآمن لبناء ثروة طويلة المدى.
وعندما كانت الأسواق تمرّ بتصحيحات، لم تكن تتسرع في البيع كما يفعل كثيرون، وكما فعلت هي في بداياتها، بل كانت تواصل الاحتفاظ بأسهمها، وأحيانًا تزيدها؛ لإيمانها بأن الشركات الجيدة تستعيد قيمتها بمرور الوقت.
كما كانت تعيد استثمار جميع الأرباح الموزعة ليعمل العائد المركّب لصالحها، حتى وصلت قيمة محفظتها عند وفاتها إلى 22 مليون دولار، علمًا بأنها بدأت هذا الأسلوب الاستثماري بعد تجاوزها سن الخمسين.
وهكذا يمكن القول إن السنوات الأربع الأولى التي تكبّدت فيها "آن" خسائر كبيرة كانت بمثابة المحرّك والمعلم الذي قادها إلى تكوين ثروة شخصية ضخمة، لتصبح الخسارة هنا دافعًا للتغيير.
وقد تمكّنت "آن" من الإفلات من "الفخ" الذي يقع فيه أكثر من 95% ممن يحاولون "توقيت" السوق؛ إذ لا يتوقفون عن ذلك، سواء استمروا في السوق أو خرجوا منه لاحقًا بسبب الخسائر.
من الخسارة لـ"تأسيس مدرسة استثمارية"
ومن أبرز المشاهير الذين تعلّموا من خسائرهم "بنجامين غراهام"، الذي دخل السوق بعلم أكاديمي، لكنه في بداياته اعتمد على تحليل محدود وافتقر إلى إدارة المخاطر.
وتعرّض "غراهام" لخسارة كارثية بلغت نحو 70% من ثروته الشخصية إبان الكساد الكبير في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي.

كانت تلك الخسارة نقطة تحوّل جعلته يعيد النظر في فهمه للاستثمار، فوضع الأسس الأولى لما عُرف لاحقًا بـ"الاستثمار القيمي"، وحقق لاحقًا أداءً تفوق فيه على مؤشرات السوق بنحو 10% سنويًا، بل وأكثر في بعض الأعوام.
ويبرز "جيمس ألتوتشر" بصفته مثالًا آخر على التعلّم من الخسارة؛ إذ أسس خلال طفرة الدوت كوم شركة وباعها بعشرة ملايين دولار، لكنه - كما وصف نفسه - اتخذ "كل قرار غبي يمكن اتخاذه"، فانتهى به الحال وقد خسر ثروته بالكامل، ولم يتبقَّ معه سوى 143 دولارًا.
بعد ذلك، قرر ألا يحصر نفسه في الاستثمار بالأسهم فقط، فاتجه إلى الكتابة والتدوين وبناء مسار جديد كمستشار وصاحب بودكاست، ما مكّنه من العودة إلى نادي أصحاب الملايين مجددًا، بعدما أصبحت الأسهم جزءًا من منظومة دخله لا مصدره الوحيد، فتعامل معها بذكاء وهدوء أكبر.
ويروي "كريستي أكيولين"، أحد خبراء التداول في "بلاك روك"، تجربة مستثمر خسر 30% من محفظته خلال يومين بسبب شرائه سهمًا في "ترند" صاعد، ثم بيعه بعد تأكده من تحوّل منحناه إلى الهبوط.
وقرر ذلك المستثمر تغيير أسلوبه، فركّز على شراء نوع واحد من الأسهم: الأسهم التي تنمو ببطء ولكن بثبات، وتوزّع أرباحًا يمكن إعادة استثمارها، مما ساعده على تعويض خسائره وإنهاء العام نفسه رابحًا.
خسارة دون تعلم
وفي المقابل، ثمة آلاف الأمثلة لمستثمرين يصرّون على منهجهم الخاطئ، فيتكبدون الخسائر باستمرار ويلقون باللوم على الحظ أو صانع السوق أو غير ذلك من الأسباب.
ومن الأمثلة اللافتة "ماسايوشي سون"، الذي خسر نحو 70 مليار دولار من ثروته الشخصية بعد انفجار فقاعة الدوت كوم وانهيار أسهم "سوفت بنك" بنسبة 99%..

ورغم عودته القوية عبر استثمار ناجح في "علي بابا"، فإنه تكبد خسائر جديدة بعد الانخراط في عدد من الاستثمارات التي تحمل مخاطر كبيرة.
ويمكن القول إن على المستثمر، إذا تكبّد خسائر واضحة في الأسهم، أن يطرح على نفسه عددًا من الأسئلة:
|
أسئلة يوجهها المستثمر لنفسه إذا تعرض للخسارة |
|
|
ما مبررات شراء السهم؟ |
إذا عجزت عن تقديم إجابة واضحة ومحددة، فالأرجح أن السهم لم يكن يستحق مكانًا في محفظتك؛ إذ إن اتخاذ قرارات الشراء بناءً على "الرواج اللحظي" أو ملاحقة توقعات الآخرين بحدوث طفرات سعرية لا يُعد استراتيجية استثمارية رشيدة.
|
|
هل عليك الانسحاب؟ |
قد تراودك رغبة في التخلي عن السوق كليًا، لكن إذا استطعت توظيف الدروس القاسية التي تعلمتها فقد تتحول الخسارة إلى فرصة للتميّز.
|
|
هل عليك مطاردة الربح فقط؟ |
الاستيعاب العميق هو الهدف الأسمى للمستثمر؛ فكل فرصة تبدأ بطرح الأسئلة التحليلية وتجنّب الافتراضات المسبقة.
لا بأس أن تكون مبتدئًا، لكن الضرر الحقيقي يكمن في الاستمرار بذهنية لا تتطور؛ فتكلفة الجهل في أسواق المال هي الضريبة الأعلى ثمنًا، ومع زيادة المعرفة ستأتي الأرباح بوصفها نتيجة طبيعية لا غاية متعجلة.
|
المصادر: أرقام- فيداليتي- سي.إن.بي.سي- ياهو فاينانس
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: