نبض أرقام
07:51 م
توقيت مكة المكرمة

2026/03/12
2026/03/11

هندسة الخداع المالي .. لماذا يقترض من يملك المليارات؟

04:23 م (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

تخيل شركة تتباهى بامتلاك سيولة بمليارات اليورو في حساباتها البنكية، لكنها في الوقت ذاته تلجأ إلى أسواق الدين ذات الفوائد المرهقة، هذا التناقض الصارخ لم يكن مجرد هفوة إدارية أو استراتيجية مختلفة لإدارة مالية، بل كان القشة التي قصمت ظهر الإيطالية "بارمالات-Parmalat".

 

لم تكن"بارمالات" تبيع للأسواق الحليب طويل الأجل فحسب، بل كانت تسوق طمأنينة زائفة ونتائج مالية لامعة جذبت المستثمرين إليها، والبنوك لمنحها المزيد من القروض، لتصبح نموذجًا لواحدة من أكبر وأجرأ عمليات الاحتيال المالي في تاريخ الشركات.

 

 

من الريف الإيطالي إلى العالمية

انطلقت الشركة عام 1961، كمزرعة صغيرة تديرها عائلة "كاليستو تانزي" في قرية شمال إيطاليا، لكن طموح "تانزي" لم يتوقف عند حدود الريف، وقادها سريعًا حتى تحولت لواحدة من أكبر شركات صناعة الألبان في البلاد، لديها 214 شركة تابعة في 48 دولة، وعدد موظفيها يبلغ 36 ألفًا تقريبًا، وبلغت إيراداتها في عام 2002 حوالي 7.6 مليار دولار، لكن ذلك النجاح تحول إلى كابوس.

 

المليارات التي خدعت الجميع

توسعت على مدار تاريخها بعمليات استحواذ، ففي عام 1997 اشترت "بياتريس فودز" الأمريكية لتتوسع أعمالها في الصين وأستراليا والمكسيك، ورغم ارتفاع ديون "بارمالات" في هذه العملية إلى 6 مليارات يورو، فإن المستثمرين استمروا في شراء سندات الشركة بناءً على السيولة النقدية الكبيرة التي لديها.

 

حين صدق المحللون الرواية

في البداية، فشل أغلب المحللين في اكتشاف عمليات الاحتيال، حتى أنه في عام 2002، كان 21 محللاً من أصل 29 ينصحون بشراء السهم، بينما منحها 7 محللين توصية "الاحتفاظ"، ولم تصدر توصية "بيع" سوى من "ميريل لينش"، إذ نشرا محللان لديها تقريرًا حمل عنوانًا ساخرًا: "القشة التي قصمت ظهر البعير".

 

 

لغز السيولة.. السؤال الذي كشف الخدعة

سلط التقرير الضوء على الوضع المريب للشركة، وتساءل ببساطة: إذا كانت "بارمالات" لديها سيولة نقدية كما تدعي لماذا تلجأ إلى أسواق الدين وتدفع فوائد مرتفعة؟ وكانت الإجابة - التي اكتشفت لاحقًا - صادمة: إذ إن تلك السيولة لم تكن سوى حبر على ورق، بينما كانت الديون (المخفضة بصورة كبيرة) هي الحقيقة الملموسة.

 

تفكك أول خيط في شبكة الاحتيال

مع بدء تفكك خيوط التلاعب هبط سهم "بارمالات" 40% بين نوفمبر 2002 وفبراير 2003، وبدأت الأنشطة الاحتيالية تتكشف تدريجيًا، وهو ما دفع شركة التدقيق "ديلويت آند تاتش" للامتناع عن توقيع البيان المالي نصف السنوي للشركة بسبب شكوكها حول مكاسب بقيمة 135 مليون يورو زعمت "بارمالات" أنها ناتجة عن عقد مشتقات مالية تتعلق بصندوق التحوط التابع لها في جزر كايمان باسم "إبيكوروم".

 

"بونلات".. الثقب الأسود في جزر كايمان

في نهاية 2003، كان من المفترض أن وحدة تابعة - وهمية -  تدعى "بونلات" مقرها جزر كايمان تحتفظ بكاش بقيمة 3.95 مليار يورو في "بنك أوف أمريكا"، وعندما عجزت الشركة عن سداد مدفوعات سندات بقيمة 150 مليون يورو فقط، حاول "تانزي" طمأنة الجميع بأنها "أزمة سيولة عابرة"، لكن البنك نفى وجود الحساب، وتبين أن "بارمالات" أعدت وثيقة مصرفية مزورة.

 

كيف زورت الحسابات؟

لم يقف الاحتيال عند هذا الحد، بل اتضح أن "بونلات" وشركات وهمية أخرى استخدمت للتغطية على ديونها المتراكمة وللتلاعب من خلال ما يعرف بـ"الفوترة المزدوجة"، وتسجيل معاملات لا يقبلها منطق تجاري منها قيام تلك الوحدة ببيع كمية هائلة من الحليب المجفف إلى كوبا خلال عام واحد.

 

 

فجوة الـ 14 مليار يورو

أظهرت التحقيقات اللاحقة أن "بارمالات" بدأت التلاعب بسجلاتها المحاسبية عام 1993، عندما سجلت أرباحًا بينما كانت تتكبد في الواقع خسائر مالية سنوية، لذا عندما انهارت في 2003، واجهت عجزًا مذهلاً بقيمة 14 مليار يورو في حساباتها نتيجة للاحتيال وسوء الإدارة والقصور في الرقابة.

 

كيف مر الاحتيال تحت أعين المدققين؟

يطالب القانون الإيطالي الشركات بتغيير مدققها الخارجي مرة كل 9 سنوات، لكن "بارمالات" استغلت هذا الأمر لصالحها، كانت "جرانت ثورنتون" مدقق حساباتها الخارجي منذ عام 1990، لكنها قررت في 1999 استبدالها بـواسطة "ديليون آن تاتش"، ومع ذلك حافظت على علاقتها بالشركة السابقة واستعانت بها لإنشاء حسابات وهمية.

 

سقوط الأقنعة

مع انكشاف الخيوط، هوى سهم الشركة إلى الصفر وتبخرت قيمتها السوقية التي كانت تتجاوز 1.8 مليار يورو، وأعلنت الشركة رسميًا إعسارها في ديسمبر 2003، وسقط الجميع: سُجن "تانزي"، وشطبت "بارمالات" من بورصة ميلانو، ودخل نادي كرة القدم المملوكة لها "بارما" نفقا مظلما، تاركين خلفهم درسًا قاسيًا عن مخاطر انعدام استقلالية مجلس الإدارة.

 

لم تكن فضيحة "بارمالات" - التي عادة ما تقارن بقضية "إنرون" رغم الاختلافات الجوهرية - نتيجة خطأ واحد بل نتاج سلسلة طويلة بداية من إدارة توسعت سريعًا، ومرورًا بمدققين لم يطرحوا الأسئلة الكافية، ومستثمرين فضلوا تصديق نصائح المحللين بدلاً من البحث عن الحقيقة، ليبقى السؤال: هل "بارمالات" استثناءً في عالم الشركات، أم مثال على ما يمكن أن يحدث عندما تصبح الثقة أكبر من الرقابة؟

 

المصادر: أرقام - هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية – الإيكونومست - الجارديان – منصة "دايركتورز إنستيتيوت" – موقع "نولدج أت وارتون" – "بي بي إس نيوز" - موقع "يوروبيان سي إي أو"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.