في قاع البحار والمحيطات، حيث تسكن الظلمة والهدوء، تلتف حبال رفيعة من الألياف الضوئية حول كوكب الأرض كأعصاب كائن حي؛ هي ليست مجرد أسلاك، بل هي "العمود الفقري" للعولمة، تحمل في طياتها تريليونات الدولارات من المعاملات البنكية، وأسرار الدول، ونبض التواصل البشري.
لكن اليوم، وبينما تقرع طبول الحرب بين طهران وواشنطن، لم يعد الخطر يقتصر على الصواريخ العابرة للحدود، بل امتد لسكين حادة قد تقطع "حبل الوريد" الرقمي في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مما يهدد بنفي مساحات شاسعة من العالم إلى "عصور ما قبل الإنترنت".

لماذا تُعد هذه المنطقة "كعب أخيل" للإنترنت العالمي؟
يمثل البحر الأحمر المسار الأقصر والأكثر كفاءة لنقل البيانات بين آسيا وأوروبا، وهو ما يفسر تمركز أكثر من 17 كابلاً بحرياً في هذا الممر المائي وحده.
تمر عبر هذه المنطقة حوالي 17% من حركة الإنترنت العالمية، بينما تعتمد أكثر من 90% من الاتصالات بين أوروبا وآسيا على هذا المسار الذي يمر عبر قناة السويس المصرية.
ما هو حجم الخسائر المتوقعة عند انقطاع الخدمة؟
تدعم هذه الكابلات تحويلات مالية يومية تتجاوز 10 تريليونات دولار، وأي ضرر يؤثر على سلاسل التوريد الرقمية والخدمات السحابية "كلاود"، ويعطل العمليات المصرفية الدولية ونظام "سويفت".
في مارس 2024، تضررت أربعة كابلات رئيسية في البحر الأحمر، ما عطل 25% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا، وهي حادثة رُبطت بنشاط الحوثيين المدعومين من إيران في المنطقة.
هل تمتلك طهران القدرة التقنية لتعطيل الكابلات البحرية؟
تمتلك إيران غواصات صغيرة من طراز "غدير" قادرة على العمل في المياه الضحلة والوصول إلى نقاط الربط القريبة من سواحلها، خاصة وأن متوسط العمق عند مضيق هرمز يبلغ حوالي 50 متراً فقط.
يمكن استخدام أدوات بسيطة مثل مراسي السفن الثقيلة أو غواصين متخصصين لقطع الألياف البصرية في المناطق غير العميقة.

كيف أدت سفينة "روبيمار" إلى كارثة اتصالات كبرى؟
تخلى طاقم السفينة البريطانية، التي يبلغ طولها 172 متراً، عنها بعد إلقاء أحد مراسيها، عقب هجوم من الحوثيين، وظلت السفينة تائهة لمدة أسبوعين تقريباً في منطقة من البحر الأحمر تعجّ بالكابلات، قبل أن تغرق في الثاني من مارس 2024.
تسبب جر مرساة "روبيمار" لمسافة 70 كم في تمزيق كابلات "AAE-1" و"Seacom" و"EIG" الاستراتيجية في قاع البحر.
|
الكابلات الأكثر عرضة للمخاطر في منطقة التوتر (البحر الأحمر والخليج العربي) |
||
|
# |
الكابل البحري |
الأهمية الاستراتيجية ونطاق الربط |
|
1 |
SEA-ME-WE (3, 4, 5, 6) |
سلسلة كابلات تمثل العمود الفقري للربط بين جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا الغربية. |
|
2 |
AAE-1 |
يمتد من شرق آسيا إلى أوروبا لمسافة 25 ألف كم؛ وتضرر مرتين (2024 و2025) ويمر عبر نقاط حساسة قرب إيران واليمن. |
|
3 |
2Africa |
أحد أطول الكابلات في العالم، يطوق القارة الأفريقية ويربطها بالشرق الأوسط. |
|
4 |
EIG |
كابل حيوي يربط المملكة المتحدة بالهند بمسار يمر عبر البحر الأحمر. تعرض لأضرار مادية في البحر الأحمر خلال عام 2024. |
|
5 |
FLAG Europe-Asia |
من أقدم وأهم الكابلات التي تربط المراكز المالية العالمية ببعضها. |
|
6 |
Falcon |
يربط دول الخليج كافة ويمر بمحاذاة السواحل الإيرانية. |
|
7 |
FIG / Oryx |
مشاريع استراتيجية لربط دول الخليج؛ نظام (FIG) البحري و(Oryx) الأرضي تابع لـ "stc". |
|
8 |
IMEWE |
يربط الهند بأوروبا؛ سُجل كأحد أبرز الضحايا في هجمات سبتمبر 2025 قرب جدة. |

من هم "أباطرة البحار" الذين يسيطرون على هذا السوق؟
تهيمن أربع شركات كبرى على صناعة ومد وصيانة الكابلات عالمياً وهي "صب كوم" الأمريكية، و"إيه إس إن" الفرنسية، و"إن إي سي" اليابانية، و"إتش إم إن تك" الصينية.
انتقل نفوذ الملكية مؤخراً من شركات الاتصالات التقليدية إلى عظماء التكنولوجيا السبعة الذين بدأت شركات منهم في تملك حصص في كابلات المنطقة.
هل بدأت الدول والشركات في البحث عن بدائل برية؟
يكسر مشروع "Blue-Raman" التابع لشركة "جوجل" الاحتكار التاريخي للبحر الأحمر عبر مسار بري يمر بالسعودية والأردن.
بدأت دول مثل الهند والسعودية في وضع "خطط طوارئ رقمية" تشمل زيادة سعة التخزين المحلي للبيانات وتفعيل الربط البيني الإقليمي، مع التوجه الحالي نحو "تعدد المسارات" (Redundancy)، بحيث لا يمر كل الإنترنت عبر مضيق واحد، وهو ما يفسر الاستثمارات الضخمة في كابلات تربط الخليج بأوروبا عبر اليونان وإيطاليا.
ما هي تكلفة إصلاح الكابلات في مناطق النزاع؟
ارتفعت تكاليف تأمين سفن الإصلاح في البحر الأحمر لتصل إلى 150 ألف دولار يومياً، مما يعيق عودة الخدمات لطبيعتها.
ترفض الشركات المخاطرة بأطقمها في مياه مليئة بالألغام والصواريخ، مما قد يترك الكابلات مقطوعة لعدة أشهر.

هل يوجد بديل "بري" أو "فضائي" آمن؟
رغم تطور"ستارلينك"، فإن الأقمار الصناعية لا يمكنها حمل سوى 1% إلى 3% من حركة البيانات العالمية، وهي لا تعوض سعة الألياف الضوئية التي تنقل تيرابايت في الثانية الواحدة.
المسارات البرية عبر الأردن أو تركيا تظل خياراً مكلفاً ومعقداً سياسياً، كما أنها تعاني من "زمن انتقال" أعلى مقارنة بالمسارات البحرية المباشرة، مما يجعلها حلاً للطوارئ لا بديلاً دائماً.
نهاية المطاف
لم تعطل الحرب في إيران مسارات التجارة وتدفقات النفط فحسب، بل أصبحت "شرايين العالم الرقمية" أهدافاً استراتيجية في حرب هجينة لا تعترف بالحدود، ضمن فصل جديد في صراع يعيد رسم خريطة المخاطر الجيوسياسية.
ومع تحول مضيق هرمز وباب المندب إلى "مناطق محظورة" رقمياً، يجد المستثمرون وعمالقة التكنولوجيا أنفسهم أمام واقع مرير: البنية التحتية التي بُنيت في عقود من السلام، باتت اليوم رهينة لجغرافيا مشتعلة، ما يهدد بقطع الأطراف الرقمية للاقتصاد العالمي وإجبار شركات مثل "ميتا" و"جوجل" على البحث عن بدائل برية مكلفة ومحفوفة بالتعقيدات السياسية.
ويرى المحللون العسكريون أن التهديد بقطع الكابلات هو "خيار شمشون" التقني؛ فإيران نفسها تعتمد على هذه الكابلات في تجارتها المحدودة واتصالاتها، لكن مع استمرار التوترات دون أفق للحل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً للمستثمرين وصناع القرار: هل نعيش اليوم نهاية عصر "الإنترنت العابر للقارات" وبداية عصر الشبكات الوطنية؟
المصادر: أرقام - جي إم إف (صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة) - سابمارين نيتوركس - سي إس آي إس (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) - موني كنترول - آي تي يو (الاتحاد الدولي للاتصالات) - سابمارين كيبل ماب (خريطة الكابلات البحرية) - ريست أوف وورلد - كاباسيتي جلوبال - بروكينجز - العربية نت - أخبار الأمم المتحدة - آيلاند لايكا (ذا آيلاند) - بي بي سي - ماركت ريبورت أناليتيكس - تي تي نيوز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: