في وول ستريت، تُبنى الثروات وتتبخر في أجزاء من الثانية، وتعتبر المعلومة هي كلمة السر التي تمكن المستثمرين من قراءة السوق، لكن بالطبع حين يكون مصدرها من خلال تحليل عميق، أما عندما تكون نتاج هندسة خداع مسبقة، يتحول الأمر من عالم الاستثمار إلى عالم الاحتيال، وهو ما حدث في واحدة من أكبر قضايا التداول بناءً على معلومات داخلية في التاريخ الأمريكي.
حين أدار "راج راجاراتنام" أصولاً تجاوزت 7 مليارات دولار عبر صندوق التحوط التقني الناجح "جاليون"، كان كثيرون يرونه نموذجًا للمهاجر العصامي الذي صعد بذكاء إلى قمة عالم الاستثمار، وحين كان يقدم الصندوق عوائد استثنائية، اعتبر ذلك تأكيدًا على ذكائه وموهبته، دون أن يتساءل أحد عن السر الكامن وراءه.

من سريلانكا إلى وول ستريت
ولد "راجاراتنام" عام 1957 في سريلانكا وانتقل إلى الولايات المتحدة في 1981 لدراسة إدارة الأعمال في كلية "وارتون" بجامعة بنسلفانيا، وانضم إلى البنك الاستثماري الصغير "نيدهام أند كو"، ثم أسس صندوق التحوط الخاص به "جاليون" في نيويورك عام 1997، الذي زاد الطلب على خدماته بشكل كبير وحقق عوائد استثنائية للمستثمرين، ليجني مؤسسه ثروة طائلة تتجاوز المليار دولار.
كلمة السر.. الهاتف
لكن ذلك النجاح لا يعود لخبرة "راجاراتنام" – الذي كان يُنظر إليه على أنه أحد أذكى مستثمري وول ستريت - في التداول فقط بل إنه استغل شبكة واسعة من علاقاته مع المطلعين في عالم الأعمال لتزويده بمعلومات حصرية قيمة تحرك السوق، إذ كان هاتفه لا يتوقف عن الرنين، لذلك كانت تداولاتها دقيقة وناجحة بصورة ملحوظة.
|
آليات التلاعب.. عندما تسبق المعلومة السوق |
|
|
المثال |
التوضيح |
|
نتائج أعمال مسبقة |
تلقى "راجاراتنام" معلومة سرية - لن تعلن للعامة إلا بعد ستة أيام - من أحد معارفه بأن شركة "أكاماي- Akamai" التكنولوجية ستحقق نتائج أعمال أقل من المتوقعة، وبناءً على ذلك، باع أسهم الشركة على المكشوف، وعندما أعلنت الأرباح، هبط سعر السهم 25%، وحقق "راجاراتنام" ربحًا يزيد على 5 ملايين دولار. |
|
بيانات سرية |
في مثال آخر، نشر الصندوق بحثًا دقيقًا عن "إنتل"، وهو ما أثار مخاوف مسؤولي الشركة التقنية ودفعهم لتركيب كاميرات خفية حول المكاتب، والتي سجلت مقطع فيديو لمهندس لديها وهو يرسل معلومات سرية عبر الفاكس إلى "راجاراتنام"، شملت تلك المعلومات بيانات تفصيلية حول طلبات رقائق إلكترونية يمكن استخدامها لتقدير أرباح الشركة بدقة. |
|
من عبقرية قراءة الشاشات إلى ثمن المعلومة الداخلية |
حتى بعد تلك الواقعة بسنوات، أقنع "راجاراتنام" صديقا له كان يعمل لدى "ماكينزي أند كو" ليكون مستشاره الشخصي، وبعدها بدأ صديقه في تزويده بمعلومات سرية عن عملاء "ماكينزي" مقابل 500 ألف دولار سنويًا، كان يدفعها له "راجاراتنام" عبر حسابات خارجية وشركات وهمية لإخفائها. عندما كان صديقه يقدم استشاراته لشركة "أدفانسد مايكرو ديفايسز" المتخصصة في صناعة المعالجات الدقيقة، علم أنها قدمت عرضًا سريًا للاستحواذ على صانعة رقائق الرسومات "إيه تي آي"، والتي بالطبع نقلها إلى "راجاراتنام" ليتمكن من شراء أسهم "إيه تي آي"، وعندما أعلنت الصفقة رسميًا ارتفعت الأسهم 25%، ليحقق ربحًا صافيًا قدره 23 مليون دولار. |
ذروة الصعود وبداية السقوط
بفضل تلك المكاسب، أصبحت "جاليون جروب" من أكبر وأقوى صناديق التحوط في العالم بحلول 2007، لكن أخيرًا تلقى عملاء لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية معلومات تفيد باحتمالية تورط المجموعة في التداول بناءً على معلومات داخلية، وبدأوا حينها التحقيق في الأمر، واستدعت السجلات الإلكترونية للشركة.

دلائل واقعية
رغم أن "راجاراتنام" كان يوصي دائمًا بالتحدث عبر الهاتف وتجنب الرسائل الفورية، فإن المحققين عثروا على سلسلة من الرسائل من شخص يحمل اسما مستعارا إحداها ينص على: لا تشتر سهم "بوليكوم" حتى أحصل على توجيهات، حينها استدعي "راجاراتنام" للمثول أمام المحكمة لعدة ساعات من الاستجواب.
من الإنكار إلى التعاون
اكتشف أن هذا الاسم هو لسيدة أنكرت في البداية تورطها في التداول بناءً على معلومات ثم وافقت لاحقًا على أن تساعد مكتب التحقيقات الفيدرالي في القضية، وفي يناير 2008، أدلى لها "راجاراتنام" ببعض التصريحات التي تدينه، مما سمح للجهات بطلب إذن من القاضي بالتصنت على هاتفه، لمتابعة نشاطه الإجرامي.
السقوط المدوي
استندت القضية ضده على أدلة قوية من التصنت، وأدين في النهاية باعتباره العقل المدبر لمخطط تداول داخلي ضخم حقق مكاسب غير مشروعة تجاوزت 25 مليون دولار، وفي أكتوبر 2009، قبض عليه، وحكم عليه بالسجن لمدة 11 عامًا فقط – نظرًا لحالته الصحية - وغرامة 10 ملايين دولار، إلى جانب أمر بمصادرة 53.8 مليون دولار.

رواية الدفاع
رغم أن دفاعه في القضية حاول تبرير الأمر بأن "جاليون" اشتهرت بجهودها الحثيثة في البحث عن معلومات حول الشركات المدرجة في البورصة، والتي تقدم صورة شاملة لآفاق الأعمال وتوفر ميزة استثمارية عن المستثمرين الآخرين، وجادل محاموه بأن جميع عمليات التداول غير القانونية المزعومة تستند إلى مقالات صحفية وتقارير تحليلية وبيانات صحفية منشورة للعامة.
هل كانت أبحاثًا مشروعة؟
وقدم الدفاع أدلة تظهر أنه قبل استحواذ "أدفانسد ميكرو" على "إيه تي آي" تكهنت 51 مقالة صحفية و6 تقارير تحليلية باحتمالية اندماج الشركتين، أي أن "جاليون" أجرت أبحاثًا مشروعة.
رفض الاعتراف بالخطأ
أفرج عن "راجاراتنام" – الذي يكره الخسارة - من السجن عام 2019 بعدما قضى ما يقرب من ثماني سنوات، وأصر خلال مقابلة أجريت معه لاحقًا على براءته، مشيرًا إلى أن قوانين التداول كانت بناءً على معلومات داخلية غامضة، وأن كافة الصفقات التي خضعت للفحص والتحقيق في محاكمته كانت تستند إلى تحليلات مكتوبة من محلليه، وأنه استمع فقط إلى الآراء.
باكتشاف عمليات الاحتيال والحكم في القضية انتهت ما كان يُنظر إليها على أنها قصة نجاح باهرة في وول ستريت، والتي أصبحت نموذجًا لمشكلة التداول بناءً على معلومات داخلية في قطاع صناديق التحوط لتثبت أن الفارق بين التحليل الذكي والجريمة المالية هو خيط رفيع من النزاهة يحمي عدالة الفرص بين المستثمرين.
المصادر: أرقام – لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية – مكتب التحقيقات الفيدرالي – "ذا هيدج فاند جورنال" – سي إن بي سي – بي بي سي – رويترز – تلفزيون "بلومبرج" – نيويورك تايمز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: