أظهرت الأزمة التي تمر بها المنطقة مدى أهميتها في سلاسل التوريد العالمية، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى توقف أكثر من 50% من الصادرات العالمية للكبريت الذي يستخرج كمادة ثانوية عند معالجة النفط والغاز، وما زاد الطين بلة، قرار الصين وتركيا حظر تصدير المادة مما يعقد الوضع أكثر في قطاع الأسمدة والتعدين. ويتطرق تقرير هذا الأسبوع إلى تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة حتى بعد الهدنة، والسبب من وراء إعلان وزارة الطاقة السعودية عن توقف العمليات التشغيلية في منشآت الطاقة في المملكة. ومع استمرار إغلاق المضيق، قررت الهند إلغاء الرسوم المفروضة على المواد البتروكيماوية عقب إجبارها المنتجين المحليين على استخدام المواد اللقيم في إنتاج غاز البترول المسال نظراً للأزمة الحادة في غاز الطبخ المنزلي في الهند؛ أما إيران، فتعتزم فرض دولار على كل برميل نفط يعبر هرمز خلال الهدنة والدفع ببيتكوين.
شح معروض الكبريت بسبب إغلاق مضيق هرمز يرفع تكاليف قطاع التعدين والأسمدة

أدى إغلاق مضيق هرمز إلى أزمة امتدت آثارها إلى كل القطاعات الاقتصادية بلا استثناء، كان آخرها قطاع التعدين والمناجم، خاصة أن معظم مدخلات قطاع تعدين ومعالجة النحاس تمر عبر المضيق، ومن أبرزها الكبريت وحمض الكبريتيك، حيث تمر أكثر من 50% من احتياجات العالم من المادة، بالإضافة إلى التكاليف المرتبطة بالوقود والكهرباء والنقل، مما انعكس مباشرة على النفقات التشغيلية للمناجم حول العالم.
يتم إنتاج أكثر من 92% من الكبريت عالميًا كمنتج ثانوي خلال عمليات معالجة النفط والغاز، خصوصًا في عمليات إزالة الكبريت من الوقود. ويُعد الكبريت المادة الخام الأساسية لإنتاج حمض الكبريتيك، الذي يُعتبر أكثر المواد الكيميائية إنتاجًا واستهلاكًا في العالم.
ويُستخدم حمض الكبريتيك على نطاق واسع في الصناعات المعدنية، بما في ذلك استخراج النحاس والكوبالت، حيث يدخل في عمليات الاستخلاص بالترشيح من الخامات المؤكسدة، إضافة إلى دوره في ضبط درجة الحموضة خلال مراحل المعالجة. كما أنه عنصر محوري في سلاسل إنتاج العديد من الصناعات الحديثة، بما في ذلك مكونات أساسية لصناعة المعدات الكهربائية، والبطاريات، والبنية التحتية لمراكز البيانات. كما يُستخدم حمض الكبريتيك على نطاق واسع في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية والنيتروجينية.
وبلغت قيمة سوق الكبريت الصناعي العالمي 70.15 مليار دولار أمريكي في عام 2023، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 92.84 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 3.8% حتى 2030.
وتُعدّ أرامكو السعودية أكبر منتج للكبريت في العالم بطاقة سنوية تتجاوز 6 ملايين طن سنويا عبر منشآتها في الجبيل وينبع، إذ ينتج الكبريت كمادة ثانوية ناتجة عن عمليات إزالة الكبريت الضخمة في قطاع النفط والغاز. كما تعتبر شركة أدنوك الإماراتية، وقطر للطاقة والشركة الوطنية الإيرانية والنفط وشركة النفط الكويتية من بين أكبر عشرة منتجين للمادة في العالم، بالإضافة إلى شركات روسية وكندية وكازاخستانية.
فعلى سبيل المثال، تقدر احتياطات دولة الإمارات من الغاز حوالي 198.5 تريليون قدم مكعبة، يتركز معظمها في أبوظبي، غير ان معظمها يتميز بمحتوى مرتفع من الغازات الحامضية، خاصة الكبريت، ما يجعل عمليات الاستخراج والمعالجة مكلفة ومعقدة. فعلى سبيل المثال، يحتوي مكمن غاز الخف على كبريتيد الهيدروجين، وهو غاز سام، بمستويات تتراوح بين 20,000 و200,000 جزء في المليون، في حين يجب خفض هذه النسبة إلى 50 جزءًا في المليون. وبالنظر لحاجتها الشديدة للغاز، لجأت أدنوك إلى تطوير حقل شاه الحمضي بالشراكة مع شركة أوكسيدنتال الأمريكية سنة 2014، بالرغم من التكلفة المرتفعة والمخاطر المتعلقة بالاستخراج والمعالجة. ويساهم بنحو 20% من إمدادات الغاز في الإمارات، و5% من احتياجات العالم من الكبريت المحبب المستخدم في الأسمدة الفوسفاتية.
ومع استمرار إغلاق المضيق، سجلت الأسعار ارتفاعًا حادًا في ظل تزايد حالة عدم اليقين بشأن تدفقات التجارة منذ اندلاع الأزمة. وقبل بداية الحرب، كان سعر الكبريت الصلب في الشرق الأوسط يدور حول 500 دولار للطن، بينما بلغ سعر حمض الكبريتيك نحو 125 دولارًا للطن. ومع تفاقم الأزمة، ارتفع سعر الكبريت الصلب إلى قرابة 700 دولار للطن، وصعد سعر حمض الكبريتيك إلى نحو 170 دولارًا للطن.
وبحسب دراسة صادرة عن إس آند بي غلوبال، يتوقع أن ترتفع تكاليف تعدين النحاس العالمية 5.1% خلال سنة 2026، خاصة مع ارتفع أسعار حمض الكبريتيك والكبريت.
وتتضاعف التحديات بالنسبة لقطاع التعدين والأسمدة مع إعلان الصين حظر تصدير حمض الكبريتيك اعتباراً من مايو وحتى ديسمبر 2026، وهي التى صدرت 4.6 مليون طن في عام 2025 منها نحو 562.3 ألف طن للمملكة العربية السعودية بالرغم من اعتبارها من بين أكبر المنتجين. كما قررت تركيا حظر تصدير الكبريت اعتبارًا من 7 أبريل 2026. وصدّرت تركيا نحو 226,500 طن من الكبريت في 2025 إلى مصر، وتنزانيا، واليونان، ولبنان.
ويتوقع أن يتأثر العديد من الشركات في المنطقة مثل شركة التعدين العربية السعودية (معادن) شركة منارة المعادن للاستثمار، المشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة ومعادن، وشركة المصانع الكبرى للتعدين (أماك)، وغيرها من الشركات الأخرى. كما قامت شركة الفوسفات المغربية، أحد أكبر منتجي الفوسفات في العالم بتقديم أعمال الصيانة لعدد من مصانعها للربع الثاني بسبب نقص إمدادات الكبريت والأمونيا.
تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة في الخليج بعد إعلان وقف إطلاق النار

أعلنت وزارة الطاقة عن نجاح الجهود التشغيلية والفنية في استعادة طاقة الضخ الكاملة عبر خط أنابيب شرق–غرب، البالغة نحو 7 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى استعادة الكميات المتأثرة من إنتاج حقل منيفة، والبالغة نحو 300 ألف برميل يومياً، وذلك خلال فترة زمنية وجيزة، عقب هجمات استهدفت عدداً من منشآت أرامكو وتسببت في أضرار كبيرة وخفض ملحوظ في الطاقة الإنتاجية والنقلية.
وكانت تلك الهجمات قد شملت خط أنابيب شرق–غرب وحقل منيفة، إلى جانب مرافق رئيسية في رأس تنورة وساتورب وسامرف والرياض، إضافة إلى منشأة الجعيمة، ما أثر على صادرات غاز البترول المسال وسوائل الغاز الطبيعي، كما أدى استهداف محطة ضخ على خط شرق–غرب إلى خفض القدرة بنحو 700 ألف برميل يومياً، فيما تراجعت طاقة حقل منيفة بنحو 300 ألف برميل يومياً، إلى جانب تأثيرات سابقة على حقل خريص بنحو 300 ألف برميل يومياً.
وأضافت الوزارة في بيان لها أنه، فيما يتعلق بحقل خريص، لا تزال الأعمال جارية لاستعادة القدرة الإنتاجية الكاملة، على أن يُعلن عن ذلك عند اكتمالها.
وبيّنت أن هذا التعافي السريع يعكس ما تتمتع به أرامكو السعودية، ومنظومة الطاقة في المملكة، من مرونة تشغيلية عالية وكفاءة في إدارة الأزمات، بما يعزز موثوقية الإمدادات واستمرارها للأسواق المحلية والعالمية، ويدعم الاقتصاد العالمي.
وأشارت مصادر مطلعة إلى أن الهدف من الإعلان هو حماية مصالح الشركة في حال لجوء بعض العملاء المتعاقدين إلى التحكيم الدولي في حال عدم وفاء أرامكو بكل التزاماتها التعاقدية تجاههم، لا سيما أنها لم تعلن حالة القوة القاهرة كما فعلت قطر، التى تحمي الشركات من أي مطالبات قانونية، خاصة بعد تفعيل خط شرق-غرب وتوقعات المشترين بأنهم سيحصلون على إمداداتهم التي تعاقدوا عليها.
وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد واسع للهجمات على قطاع الطاقة في المنطقة، حيث طالت الضربات منشآت حيوية في إيران والإمارات والكويت والبحرين، ما أجبر عدداً من المنتجين على وقف أو خفض عملياتهم. وفي إيران، استُهدفت مجمعات رئيسية في عسلوية وماهشهر، بما في ذلك مرافق خدمية تزود مصانع البتروكيماويات بالكهرباء والمياه والغازات الصناعية، ما أدى إلى تعطّل واسع في الإنتاج، خصوصاً الميثانول الذي تمثل عسلوية نحو 75% من طاقته الإنتاجية في البلاد. كما استهدفت إسرائيل حقل جنوب فارس، وردت عليه إيران باستهداف منشآت رأس لفان في قطر.
كما أشارت تقارير عن استهداف مصفاة نفط في جزيرة لاوان الإيرانية عقب إعلان وقف إطلاق، غير أن أمريكا وإسرائيل نفتا تورطهما في الهجوم.
وفي الإمارات، توقفت عمليات مجمع الرويس للبتروكيماويات بعد اندلاع حرائق نتيجة سقوط شظايا، كما تم تعليق العمليات في منشأة حبشان لمعالجة الغاز، التي تُعد مصدراً رئيسياً لإمدادات الإيثان، وقبلها حقل شاه للغاز في أبوظبي، الذي ينتج 1.28 مليار قدم مكعبة قياسية من الغاز يومياً، ويساهم بنحو 20% من إمدادات الغاز في الإمارات، و5% من احتياجات العالم من الكبريت المحبب المستخدم في الأسمدة الفوسفاتية. وفي الكويت، استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة مصافي ومرافق نفطية، من بينها ميناء الأحمدي، إلى جانب منشآت تابعة لمؤسسة البترول الكويتية، ما أدى إلى أضرار مادية كبيرة وحرائق في عدة مواقع. كما تعرضت منشآت شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات في البحرين لهجمات مماثلة تم احتواؤها دون إصابات.
كما تم استهداف حقل الرميلة في العراق الذي تديره شركة بي.بي جنوب العراق، ما أسفر عن إصابة ثلاثة عمال عراقيين.
الهند تلغى الرسوم الجمركية على الواردات من البتروكيماويات لمدة ثلاثة أشهر

ألغت الهند الرسوم الجمركية على واردات مختارة من البتروكيماويات والمواد الكيميائية، في خطوة تستهدف تخفيف الضغط على السوق المحلية وضمان استقرار الإمدادات، وذلك في ظل الأزمة الحادة المتعلقة بإمدادات الغاز النفطي المسال نتيجة إغلاق مضيق هرمز، والتي أدت بالحكومة الهندية في وقت سابق إلى الطلب من المصافي إعادة توجيه مواد اللقيم مثل البروبان والبيوتان والبروبيلين والبيوتينات نحو إنتاج الغاز النفطي المسال بدلاً من استخدامها في تصنيع المنتجات البتروكيماوية، على أن يتم توريد الإنتاج حصرياً للسوق المحلية.
ومن بين المواد التي شملها الإعفاء نترات الأمونيوم والميثانول التي تم تخفيض الرسوم من 2.75% إلى 0%، ومونومر خلات الفينيل من 8.25% إلى 0%، ما يساهم في تقليص تكاليف الاستيراد بشكل مباشر.
كما علّقت الحكومة الهندية أمر مراقبة الجودة الخاص بواردات مادة ألكيل البنزين الخطي لمدة 3 أشهر، خلال الفترة من 1 أبريل إلى 1 يوليو 2026، بهدف ضمان استمرار توفر هذه المادة في السوق المحلية، في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
وتُستخدم هذه المادة بشكل رئيسي في إنتاج السلفونات، وهي مكون أساسي في صناعة المنظفات.
وخلال الأسبوع الماضي، سجّلت أسعار الميثانول في الهند وجنوب شرق آسيا مستويات قياسية تاريخية تجاوزت 650 دولاراً للطن تسليم CFR، في وقت تكافح فيه الصناعات التحويلية للتعامل مع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف.
ونظراً لشح الامدادات في السوق الهندي بسبب قرار استخدام الللقيم حصراً لإنتاج الغاز المسال، ارتفعت أسعار المواد البتروكيماوية في الهند.
ويتوقع أن ينعكس هذا الأمر إيجاباً على شركات مثل صلالة للميثانول في عمان، واللجين وينساب وبترورابغ، وغيرها من الشركات التي تقع بعيداً عن مضيق هرمز.
إيران تعتزم فرض دولار على كل برميل نفط يعبر هرمز خلال الهدنة والدفع ببيتكوين

تعتزم إيران فرض رسوم عبور على ناقلات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز بواقع دولار واحد لكل برميل، على أن تُدفع هذه الرسوم باستخدام العملات المشفرة، وذلك في إطار سعيها للحفاظ على السيطرة على الممر الحيوي خلال فترة وقف إطلاق النار الممتدة لأسبوعين، بحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز".
نقلت الصحيفة عن حميد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران، أن طهران ستخضع كل سفينة لتقييم مسبق، وستطلب من الشركات إرسال تفاصيل الشحنات قبل تحديد الرسوم، والتي تبلغ دولاراً واحداً لكل برميل نفط، بينما يُسمح للناقلات الفارغة بالعبور دون رسوم.
وأضاف حسيني أن الهدف من هذه الإجراءات هو مراقبة حركة الشحن خلال الهدنة والتأكد من عدم استخدامها لنقل أسلحة، مشيراً إلى أن السفن ستحصل على مهلة قصيرة للدفع باستخدام عملات رقمية مثل بيتكوين، بما يصعّب تتبع المدفوعات في ظل العقوبات.
أفادت الصحيفة بأن ناقلات في الخليج تلقت تحذيرات عبر البث اللاسلكي من التعرض لضربات عسكرية في حال العبور دون موافقة مسبقة من السلطات الإيرانية، في وقت لا تزال فيه شروط المرور عبر المضيق غير واضحة رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
وتتخذ شركات الشحن موقفاً حذراً، إذ لم تُقدم معظم السفن على العبور حتى الآن، باستثناء عدد محدود من الناقلات المرتبطة بإيران، بينما تواصل شركات كبرى دراسة شروط المرور قبل استئناف عملياتها.
ويأتي ذلك في وقت تُعد فيه مسألة الملاحة في مضيق هرمز من أبرز القضايا العالقة في المفاوضات الجارية لتحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق دائم، وسط اعتراضات من دول الخليج على أي ترتيبات تمنح طهران نفوذاً إضافياً على حركة الصادرات النفطية.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: