نبض أرقام
05:26 ص
توقيت مكة المكرمة

2026/04/23
2026/04/22

الصين.. من درع استثنائي للطاقة إلى فخ الوفرة المدمرة

2026/04/22 أرقام - خاص

في خضم أشد أزمات الطاقة العالمية وطأة في التاريخ، برزت الصين بوصفها النموذج الأكثر استعدادًا وصمودًا، بفضل استراتيجية طموحة رسمتها على مدار سنوات لتأمين احتياجاتها من الطاقة وتنويع مصادرها.

 

غير أن هذا التوسع السريع، خاصة في قطاع الطاقة الشمسية، لم يخل من تبعات معاكسة، إذ تحول من إنجاز ضخم إلى عبء هيكلي، مع تجاوز الطاقة الإنتاجية لحجم الطلب العالمي بفارق كبير، ليدخل القطاع مرحلة حرجة أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ "تدمير الذات."

 

 

الاستعداد للأسوأ

لسنوات طويلة، تبنت الصين فلسفة التحوط لأسوأ السيناريوهات، مستثمرة بكثافة في مخزونات النفط والفحم بالتوازي مع ثورة الطاقة المتجددة، هذا المزيج وفر لبكين حماية استثنائية خلال أزمة الطاقة العالمية الحالية، محولاً الاعتماد على الوقود المستورد إلى سيادة محلية عبر مزارع شمسية ورياح تمتد لآلاف الأميال.

 

رائدة عالميًا بلا منازع

في 2025، كانت الصين أكبر منتج للطاقة الشمسية في العالم بمقدار 1175 تيراواط/ساعة، ولم تكتف بالصدارة فحسب، بل إنها مسؤولة عن نصف الزيادة العالمية في القدرة الإنتاجية الجديدة، بإضافة 336 تيراواط/ساعة خلال عام واحد.

 

ريادة بلا منازع..الصين تتربع على عرش الطاقة الشمسية عالمياً في 2025

الدولة

حجم الطاقة الشمسية
(تيراواط/ساعة)

النسبة من إجمالي الطاقة الشمسية العالمية المولدة

الصين

1175

%42

الولايات المتحدة

389

%14

الهند

196

%7

اليابان

101

%4

ألمانيا

90

%3

 

سنوات من التخطيط

لم تنطلق هذه الصناعة من فراغ، بل ارتكزت على دعم حكومي مكثف شمل توفير الأراضي بأسعار مدعومة وإعفاءات ضريبية سخية، مما أتاح توسعاً إنتاجياً متسارعاً أسهم في خفض أسعار ألواح الطاقة الشمسية على مستوى العالم بأكثر من 80%، كما أصبحت تكاليف التركيب في الصين الثانية الأدنى عالمياً بعد الهند، وتعادل نحو ثلث تكلفتها في روسيا واليابان.

 

هيمنة على سلاسل التوريد العالمية

تنتج الصين أكثر من 80% من مكونات ألواح الطاقة الشمسية في العالم ، مما يجعل أي قرار إنتاجي أو تسعيري صيني ذا تأثير مباشر في السوق الدولية بأسرها، هذه الهيمنة دفعت حتى "إيلون ماسك" إلى التفكير في الاستفادة من الموارد الصينية لبناء محطات طاقة شمسية لصالح "تسلا"، منتقداً في الوقت ذاته التعريفات الجمركية الأمريكية التي ترفع تكاليف نشر الطاقة المتجددة داخل بلاده.

 

 

حين تدمر المنافسة أصحابها

تغرق الصناعة اليوم فيما يُعرف بــ "نيجوان" أو المنافسة المدمرة، وهي ظاهرة تتجاوز فيها الطاقة الإنتاجية حجم الطلب، فتتنافس الشركات على تخفيض أسعارها إلى مستويات لا تغطي أحياناً تكاليف الإنتاج ذاتها.

 

فاتورة المنافسة المدمرة

منذ عام 2023، تتصاعد تداعيات فائض الإنتاج على الشركات الصينية، إذ اضطرت كبراها إلى تقليص قوتها العاملة بنحو الثلث ، وفي 2025، تجاوزت الخسائر المجمّعة لشركات القطاع المدرجة في البورصة حاجز 50 مليار يوان (نحو 7.3 مليار دولار).

 

تضييق الخناق على الصناعة

زاد من تعقيد الأزمة تصاعد الضغوط الدولية، إذ فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية صارمة على المنتجات الصينية المتعلقة بالطاقة الشمسية، بينما سعى الاتحاد الأوروبي إلى تنويع سلاسل التوريد بعيداً عن بكين، غير أن ذلك لم يُوقف التوسع الإنتاجي، بل دفع الشركات إلى مزيد من خفض الأسعار للحفاظ على حصصها في الأسواق البديلة.

 

 

طوق نجاة أم تفاؤل وهمي؟

ثمة من يرى أن التوترات الجيوسياسية الراهنة قد تشكل طوق نجاة للقطاع، إذ ستسرع تحول الدول نحو مصادر الطاقة المتجددة وتُعيد رسم خارطة أولوياتها، بيد أن مسؤولي الصناعة أنفسهم يتحفظون على هذا التفاؤل، مشيرين إلى أن أي زيادة متوقعة في الطلب العالمي لن تكون كافية لاستيعاب الفائض الضخم القائم، مستدلّين بغياب أي ارتفاع ملموس في الطلب حتى الآن.

 

ارتفاع الصادرات

ورغم ذلك ارتفعت صادرات الألواح الشمسية الصينية خلال مارس بوتيرة تتجاوز 42% إلى 1.75 مليون طن متري بقيمة 3.61 مليار دولار، مع سعي دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا إلى تخزين كميات كبيرة تحسبًا لارتفاع الأسعار المتوقع، وبسبب تداعيات الحرب التي عززت الطلب.

 

محاولات إعادة هيكلة

دعت السلطات الصينية مؤخراً لضبط إيقاع السوق عبر عمليات الاندماج والاستحواذ والرقابة على الأسعار، ومع ذلك، يرى الخبراء أن الحل الجذري يكمن في خروج الشركات غير الكفؤة من السوق وتقليل التدخل الحكومي، للسماح للقوى السوقية بإعادة التوازن الطبيعي بين العرض والطلب.

 

في النهاية، لا تعاني الصين في قطاع الطاقة الشمسية من ندرة بقدر ما تواجه "أزمة وفرة" مفرطة خرجت عن السيطرة، لتجد بكين نفسها أمام آلة إنتاجية متسارعة يصعب كبح جماحها، ويبقى التحدي الحقيقي في قدرتها على تحويل هذا الفائض من عبء مالي إلى أداة نفوذ مستدامة دون الإخلال بقواعد السوق.

 

المصادر: أرقام – مركز أبحاث الطاقة "إمبر" – سي إن بي سي – بيانات الجمارك والصناعة الصينية - ستاستيا – موقع "ثينك تشاينا" – رويترز -  بروكينجز – كايشين جلوبال.

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.