نبض أرقام
08:21 م
توقيت مكة المكرمة

2026/04/23

هندسة الخداع المالي .. التسلل إلى وول ستريت

04:50 م (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

عبر أبواب خلفية، تمكنت الشركة الصينية "رينو إنترناشونال –RINO International" من التسلل إلى وول ستريت، مرتديةً قناع النمو السريع وحماية البيئة، واستطاعت نسج شبكة معقدة من البيانات المالية المتضاربة والعقود الوهمية، جاذبة مئات الملايين من الدولارات من المستثمرين الأمريكيين، قبل أن ينكشف القناع في واحدة من أكثر عمليات الاحتيال إثارة للجدل في تاريخ الاندماجات العكسية.

 

 

من داليان إلى وول ستريت

"رينو" شركة ناشئة يقع مقرها في مدينة داليان، متخصصة في أنظمة مكافحة التلوث الصناعي، وبعد إخفاقها في الاقتراض من البنوك المملوكة للدولة، وفشلها في إدراج أسهمها في بورصتي شنغهاي وشنتشن، قررت التطلع نحو السوق الأمريكية بحثًا عن تمويل بديل، ولكن ليس بطريقة مباشرة.

 

الباب الخلفي

بدلاً من الخضوع لإجراءات الاكتتاب العام الصارمة والمطولة، اختارت "رينو" طريق "الاندماج العكسي"، وهي حيلة قانونية اتبعتها شركات صينية كثيرة ومكنتها من الإدراج في البورصة الأمريكية، وذلك عبر وسيط يُدعى "كريس بيكل" الذي حصل على عمولات مجزية مقابل تعريفه الشركة للمصرفيين الاستثماريين والمحامين في نيويورك، مما مهد الطريق لطرح أسهمها في وول ستريت.

 

بداية التلاعب

في عام 2002، اشترت "رينو" شركة أجهزة طبية متعثرة تُدعى "جايد ماونتن" مقابل 100 ألف دولار فقطـ، بسبب ميزة واحدة: "تسجيلات أسهم سارية في البورصة"، وبالفعل طرحت "رينو" في وول ستريت، واستعانت بعد ذلك بمكتب محاماة ومدقق حسابات جديد، وعيّنت رجل الأعمال الأمريكي "بروس ريتشاردسون"، الذي قضى أكثر من عشر سنوات في شنغهاي، مديرًا ماليًا لها، في خطوة أضفت مصداقية ظاهرية.

 

 

صورة زائفة

في السنوات التالية للإدراج، أبدت "رينو" نموًا فصليًا متواصلًا في أرباحها، ووسّعت نطاق أعمالها، وقدّمت بياناتٍ مالية تبدو مدققة وموثوقة، مما جذب مستثمرين من بينهم بنك أوف أمريكا و12 مستثمرًا آخرين في أكتوبر 2007، للاستفادة من الاقتصاد الصيني سريع النمو، وفي 2009، ساعدها البنك الاستثماري "رودمان آند رينشو" على جمع 100 مليون دولار إضافية، بتقييم بلغ نحو مليار دولار للشركة.

 

تقرير كاشف

لكن شركة الأبحاث "مادي ووترز" أصدرت تقريرًا لاذعًا عن "رينو" تتهمها فيه بالمبالغة في تقدير إيراداتها وتزوير عقود، وتحويل عشرات الملايين من الدولارات إلى مسؤوليها التنفيذيين، وهو ما أقرت به "رينو" لاحقًا، وحذرت من أنه لا ينبغي الاعتماد على بياناتها المالية لعامي 2008، و2009 وأوائل عام 2010.

 

آلية الاحتيال

كان جوهر الاحتيال يكمن في احتفاظ "رينو" بسجلين ماليين متناقضَين: الأول مخصص للتقارير المقدمة في الصين، والآخر للسلطات الأمريكية، فبينما أظهرت السجلات الصينية للفترة بين 2008 ومطلع 2010 مبيعات بقيمة 31 مليون دولار تقريبًا، كشفت الوثائق الأمريكية المدعومة بعقود مزورة إيرادات بلغت 491 مليون دولار.

 

فساد إداري

زعمت السلطات الأمريكية أن المدير التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة اختلسا 3.5 مليون دولار من أموال الشركة لشراء منزل فاخر في ولاية كاليفورنيا وسيارات وغير ذلك، مع إخفاء هذه النفقات الشخصية تحت بنود تشغيلية وهمية، ووسط انكشاف الفضيحة انهار السهم إلى 40 سنتًا فقط بعدما وصل في ذروته أعلى 30 دولارًا.

 

 

عدم الإقرار بالمسؤولية

رفعت دعاوى جماعية كثيرة في الولايات المتحدة استهدفت بنوك الاستثمار ومدققي الحسابات الذين أسهموا في دخول الشركات الصينية إلى الأسواق الأمريكية، وبدأت الأطراف كافة في تحميل المسؤولية لبعضها بعضاً.

 

وداع وول ستريت

انتهت رحلة "رينو" في "وول ستريت" بتعليق تداول أسهمها عام 2011 وشطبها نهائياً من بورصة "ناسداك"، لكن لم تقتصر العقوبات على الشركة فحسب، بل شملت تسويات قضائية وغرامات مالية باهظة، وحظر مسؤوليها من تولي أي مناصب إدارية في شركات مدرجة في البورصات الأمريكية لمدة عقد كامل.

 

ليست حالة فردية

كانت "رينو" جزءًا من ظاهرة أوسع شملت عشرات الشركات الصينية التي اتبعت الاندماج العكسي للدخول إلى وول ستريت، إذ وُجّهت اتهامات بالاحتيال لكثير منها، وتم تعليق أو شطب أسهم 19 شركة على الأقل، وأظهرت دراسة أن الانهيارات المتشابهة كلّفت المستثمرين ما لا يقل عن 34 مليار دولار خلال خمس سنوات، مما دفع الجهات التنظيمية إلى التحذير من مخاطر هذه الاستراتيجية وتقليص اللجوء إليها.

 

قد تبدو قصة "رينو إنترناشونال" هامشية حين تقارن بكبرى الفضائح المالية في التاريخ، لكنها سلطت الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط على مسارات إدراج بديلة كـ"الاندماج العكسي"، التي قد تختصر الطريق إلى الأسواق، لكنها تفتح في الوقت ذاته أبوابًا خلفية للتلاعب.

 

المصادر: أرقام  - هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية -  نيويورك تايمز – موقع "ثينك تشاينا" – سي إن بي سي – ذات ستريت  - بارونز.

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.