نبض أرقام
11:36 ص
توقيت مكة المكرمة

2026/04/03
2026/04/02

خلف الستار..هل يمكن التلاعب بسوق الأسهم؟ وكيف يحدث ذلك؟

2018/09/11 أرقام - خاص

في عالم الاستثمار، يوجد هناك سؤال دائماً ما يتم طرحه من قبل الكثيرين وخصوصاً حديثي العهد منهم بالسوق، وهو: هل من الممكن أن يتم التلاعب بسوق الأسهم؟
 

في ظل اتجاه الهيئات التنظيمية في أغلب أسواق الأوراق المالية العالمية خلال السنوات الأخيرة ناحية تطبيق قوانين وقواعد صارمة تهدف إلى توفير ضمانات مختلفة لوقف التلاعب، يبدو للبعض أن إمكانية التلاعب بسوق الأسهم أصبحت صعبة إن لم تكن مستحيلة.



 

والحقيقة هي أن هناك أكثر من إجابة لهذا السؤال، سنتعرف عليها معاً حين ندخل في التفاصيل. ولكن إذا كنت تريد إجابة مختصرة وواضحة، فإليك واحدة: نعم، يمكن بالتأكيد أن يتم التلاعب بسوق الأسهم وبالمشاركين فيه، والأكثر من ذلك هو أن ذلك التلاعب قد يتم بطريقة قانونية وخصوصاً إذا كانت الجهة المتلاعبة تمتلك قوة شرائية ضخمة.
 

في الطرف الأخر، يقف المستثمرون الأفراد وصغار المتداولين الذين لا يستطيعون ولا يمكنهم حتى لو أرادوا أن يتلاعبوا بالسوق، وذلك لافتقار أغلبهم لأهم آداتين يحتاج إليهم كل من يستطيع التلاعب بالسوق وتوجيه دفته وهما: القوة الشرائية الضخمة والمعلومة. وهكذا، غالباً ما ينتهي بهم المطاف في الطرف الخاسر من المعادلة.
 

أهمية الحجم
 

توجد هناك العديد من الطرق التي يمكن التلاعب من خلالها بسعر السهم، وفي حين أن معظم هذه الطرق أصبح غير قانوني تماماً هذه الأيام، إلا أن بعضها قانوني جداً في الكثير من الأسواق، مثل ما يسمى بـ"التلاعب المؤسسي بالسوق".
 

يتلاعب المستثمرون المؤسساتيون بأسواق الأسهم طوال الوقت، مستخدمين قدرتهم المالية الكبيرة في التسبب في ارتفاع أسعار الأسهم أو هبوطها بنسب كبيرة. وعلى الرغم من أن المشاركين في السوق قد ينظرون إلى تلك التحركات باعتبارها تلاعب واضح، إلا أن هذه التحركات قانونية جداً. ففي النهاية، هم يلعبون وفق قواعد السوق.
 

العملية عادة تكون كالتالي: لنفترض أن هناك مستثمر مؤسسي وليكن بنك أو شركة تأمين أو صندوق تحوط أو أحد صناديق الاستثمار المشتركة اختار سهم إحدى الشركات الموجودة ضمن محفظته وشرع في بيعه. ونتيجة لقيام هذا المستثمر ببيع السهم في السوق، بدأ السعر في الهبوط بشكل تلقائي.
 

في ذات الوقت، تبدأ حالة من الذعر تسيطر على الكثير من المستثمرين الأفراد وخصوصاً قليلي الخبرة منهم، والذين يسارعون إلى التخلص من السهم، ظناً منهم أنهم يقفزون من سفينة غارقة. وهكذا يستمر السعر في الانخفاض.
 

في مرحلة ما، يقرر المستثمر المؤسسي أنه قد حان الوقت لاستعادة مركزه السابق مرة أخرى، ويبدأ في شراء ذات السهم بقوة ولكن هذه المرة بسعر أقل. بنفس الطريقة، سرعان ما يلاحظ المستثمرون الأفراد وصغار المتداولون أن السعر قد بدأ في الارتفاع مرة أخرى، ويتسابقون على شراء السهم. هذا الطلب يدفع بسعر السهم إلى الأعلى. وقد يعيد المستثمر المؤسسي الكرة مرة أخرى حين يرتفع السعر إلى مستوى معين.



 

المشكلة هي أن تلك العملية لو كررت ألف مرة سيتصرف صغار المتداولين بنفس الطريقة. وكبار المستثمرين من جانبهم يفهمون جيداً هذه الحقيقة ويستغلونها.
 

في دراسة لهما تحت عنوان "التلاعب بسوق الأسهم" أشار كل من "راجيش آجاروال" أستاذ الأسواق والمؤسسات المالية بجامعة مينيسوتا الأمريكية و"جوجون وو" أستاذ المالية بجامعة هيوستن إلى أن صغار المتداولين يتصرفون بهذه الطريقة بسبب افتراضهم أن تحركات المستثمر المؤسسي تستند إلى معلومات لديه حول السهم لا يعرفونها.
 

أوضحت ذات الدراسة، أن احتمال التلاعب يزداد كلما زاد عدد المتداولين الباحثين عن معلومات حول القيمة الحقيقية للسهم، لأن زيادة أعداد هؤلاء تسبب في ارتفاع المنافسة على السهم، مما يسهل المهمة على المتلاعبين، والمحصلة النهائية هي تدهور كفاءة السوق.
 

نستمر مع نفس الدراسة، والتي توضح أن الجهات المتلاعبة عادة ما تكون أطراف مطلعة (أفراد من داخل الشركة أو وسطاء أو شركات التأمين أو كبار المساهمين). ويزيد التلاعب من التقلبات والسيولة والعوائد، كما ترتفع الأسعار طوال فترة التلاعب وتهبط بعد انتهاؤه.
 

يبيعون ويشترون بينهم
 

" وامكس هولدينجز" هي شركة تتخذ من مدينة نيويورك مقراً لها. ادعت هذه الشركة أن لديها خطط لتشغيل نظام إلكتروني لتداول الأسهم. وخلال الفترة ما بين ديسمبر 1999 ويونيو 2000 اشترك كبار التنفيذيين بالشركة مع عدد من المستثمرين المؤسساتين في مخطط تلاعب قاد سعر السهم إلى الارتفاع من 1.375 دولار للسهم إلى 22 دولارا.
 

كجزء من الخطة، تم تحويل عدة ملايين من أسهم "وامكس" إلى حسابات المسؤولين التنفيذيين بالشركة والتي تتم إدارتها من قبل شركة وساطة كندية تدعى "يونيون سيكيوريتيز ليمتد". قبل أن يتم أمر شركة الوساطة بتنفيذ سلسلة من التداولات العامة بين هذه الحسابات بغرض خلق زيادة مصطنعة في سعر سهم "وامكس".
 

بالإضافة إلى ذلك، قام الرئيس التنفيذي للشركة "ميتشل كوشينج" بالإدلاء بتصريحات علنية كاذبة تشير إلى أن "وامكس" نجحت في جمع تمويل قدره 6.9 مليون دولار من مجموعة من المستثمرين، وذلك قبل أن تكشف هيئة الأوراق المالية والبورصات لاحقاً عن أن الشركة لم تنجح سوى في جمع جزء ضئيل جداً من المبلغ المزعوم. وحتى هذا المبلغ كان مصدره المبيعات الاحتيالية لسهم الشركة.



 

الشاهد من هذه القصة هو أن المستثمرين الأفراد خدعتهم السيولة المصطنعة للسهم، وقام الكثير منهم بشرائه وهو ما أدى إلى ارتفاع سعره. تشير بيانات لجنة الأوراق المالية والبورصات إلى أن الجهات المتورطة في هذا المخطط نجحت في بيع 6.9 مليون سهم من أسهم "وامكس" في السوق محققة أرباحاً تزيد عن 24 مليون دولار.
 

يوضح المثال السابق العديد من السمات المشتركة بين الكثير من حالات التلاعب بأسعار الأسهم. أولاً: يتم استخدام الحسابات الخاصة بجهات مطلعة (خاصة التنفيذيين) في إنشاء زيادة مصطنعة بحجم التداول على السهم؛ ثانياً: يتم إطلاق معلومات كاذبة وشائعات ؛ وثالثاً: شراء السهم بكميات كبيرة لخلق انطباع في السوق بأن تلك المعاملات قائمة على معلومات معينة.
 

لا عزاء للمغفلين
 

في يونيو 1996 عُينت شركة الوساطة "دوق أند كومباني" كمتعهد للاكتتاب العام الأولي للأسهم العادية الخاصة بشركة "بارافانت كمبيوتر سيستمز" الأمريكية في بورصة ناسداك.
 

في الاكتتاب العام، تم عرض السهم للجمهور مقابل 5 دولارات. وفي الثالث من يونيو من نفس العام بدأ تداول السهم في البورصة قبل أن يصل سعره في نهاية أول أيام التداول إلى 9.875 دولار.
 

تشير بيانات لجنة الأوراق المالية والبورصات إلى أن هذه الزيادة السعرية حدثت بسبب قيام شركة الوساطة المشرفة على الاكتتاب والتي تعمل كصانع للسوق لحساب "بارافانت كمبيوتر سيستمز" بالتلاعب في حجم المعروض من السهم، وتحديداً تقليل حجم المعروض منه، قبل أن تقوم في نفس الوقت بخلق طلب كبير مصطنع على السهم.
 

على وجه التحديد، ما حدث كان كالتالي: قام "فيكتور وانج" الرئيس التنفيذي لشركة "دوق" بتخصيص نسبة كبيرة من الأسهم العادية التي تم إصدارها في الاكتتاب العام الأولي لـ"بارافانت كمبيوتر" إلى حسابات عدد من العملاء المنتسبين لشركته، قبل أن يشترط عليهم إعادة تلك الأسهم إليه بنفس السعر بعد انطلاق التداول على السهم في البورصة.



 

قبل الاكتتاب أيضاً، وزعت "دوق" توصيات على عملائها تنصحهم خلالها بشراء سهم "بارافانت كمبيوتر" بعد أن يتم طرحه في البورصة، وذلك بغرض ضمان وجود طلب على السهم. وهكذا، نتيجة لمحدودية المعروض الفعلي من السهم في السوق والطلب الاصطناعي الذي تم إنشاؤه، ارتفع السهم بمجرد أن بدأ التداول عليه.
 

في الرابع من يونيو 1996، بعد أن ارتفع سهم "بارافانت كمبيوتر" إلى النطاق ما بين 10.75 دولار و13.375 دولار قامت "دوق" ببيع الأسهم العادية التي أعادت شرائها من العملاء المنتسبين، ولإدراكها بأن أنشطة البيع ستقود السهم نحو الانخفاض، قامت "دوق" في نفس الوقت ببيع الأسهم التي لا تمتلكها على المكشوف. أي أنها ربحت مرتين. مرة من ارتفاع سعر السهم وأخرى من انخفاضه.
 

في المحصلة، حققت "دوق" التي استغلت موقعها كصانع للسوق ومتعهد للاكتتاب نحو 10 ملايين دولار من الأرباح غير القانونية على حساب كل من الشركة المصدرة والمستثمرين الأفراد، وذلك قبل أن ينكشف أمرها ويتوقف التلاعب في 21 يونيو 1996.
 

فبراير 2006 .. صغار المتداولين في مواجهة الكبار
 

تسبب انهيار سوق الأسهم السعودي في فبراير/شباط 2006 في كارثة مالية للكثير من المستثمرين الأفراد والذين كانوا يشكلون حوالي 95% من حجم التداول في السوق. وأثناء بحثهم عن الأسباب التي أدت هذه الكارثة، أشار العديد من المتخصصين إلى أن التلاعب بالسوق كان أحد الأسباب الرئيسية.
 

في ذلك الوقت كان من السهل التلاعب ببعض فئات الأسهم، والتي كانت أهدافاً جاهزة للمستثمرين عديمي الضمير للسيطرة عليها ومن ثم المبالغة في رفع أسعارها. كما كان بإمكان المستثمرون الأغنياء بيع أسهم شركة صغيرة فيما بينهم لخلق طلب وهمي عليها، تمهيداً لبيعها بمجرد أن ترتفع الأسعار، وذلك بحسب دراسة أعدتها شركة الأبحاث الأمريكية "بيلا ريسرش جروب" في عام 2017 ونشرتها هيئة السوق المالية السعودية.
 

انهيار السوق لم يكن خبراً سيئاً بالنسبة للجميع، فبحسب ما ذكره البريطاني "تيم نبلوك" في كتابه "الاقتصاد السياسي بالمملكة العربية السعودية" الصادر في عام 2007، استفاد مجموعة من كبار المستثمرين من الارتفاع المصطنع للأسعار، وذلك من خلال بيعهم لحيازاتهم قبل الانهيار.



 

في دراسة له بعنوان " قضايا تتعلق بشفافية الشركات في سوق المال السعودي" أشار الدكتور "خالد الحبشان"  إلى أن التلاعب كان أحد الأسباب الرئيسية التي تقف وراء انهيار السوق قبل 12 عاماً. حيث قام كبار المضاربين باستخدام قوتهم الشرائية الكبيرة في سوق صغيرة نسبياً كالسوق السعودي ضد صغار المتداولين.

كما ساهمت قلة الخبرة النسبية لمنظمي السوق وقتها في عدم اكتشاف ممارسات التلاعب في وقت مبكر.

 

أخيراً، يشير " روبرت آي جارو " أستاذ إدارة الاستثمار بجامعة كورنيل الأمريكية إلى أن كبار المستثمرين هم فقط من يمكنهم التأثير على الأسعار من أجل التلاعب بالسوق لمصلحتهم الخاصة. ويوضح أنه على الرغم من أن المستثمرين العاديين يعتقدون أن المستثمر الكبير لديه معلومات حساسة يتصرف وفقها، إلا أن ما يمكن الأخير من التحكم فعلياً في الأسعار هي قوته الشرائية الضخمة أو الحجم الكبير لمعاملاته.

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.