نبض أرقام
11:18 م
توقيت مكة المكرمة

2026/04/03

كيف نختار نظام سعر الصرف؟

2008/01/07 الخليج- د. علي توفيق الصادق
برز تساؤل ونقاش في الفترة الأخيرة حول نظام سعر صرف درهم الإمارات الموسوم بالثبات والمثبت الى الدولار الأمريكي، كما برز اختلاف واضح بين وجهة نظر السلطة النقدية ممثلة في محافظ مصرف الإمارات المركزي، الذي أكد أكثر من مرة استمرار ربط الدرهم بالدولار، ووجهة نظر باحثين يحبذون فك ربط الدرهم بالدولار والأخذ بنظام سعر الصرف المرن. في ظل اختلاف وجهات النظر في شأن نظام سعر صرف الدرهم، نسأل: ما أسس اختيار نظام سعر الصرف بشكل عام؟ وهل بالامكان تطبيق تلك الأسس في حالة المفاضلة بين ثبات ومرونة سعر صرف الدرهم؟
 
بداية نذكر أن نظم سعر الصرف المتاحة والمطبقة عمليا تندرج في نمطين رئيسيين هما: نظم ثابتة تتسم بأسعار صرف مثبتة الى عملة واحدة أو الى سلة من العملات، ويمكن تعديل العلاقة عند الضرورة. والنمط الآخر هو نظم مرنة أساسا في صيغ متنوعة مثل تعويم مستقل بحيث يحدد السوق سعر الصرف، وتعويم مدار بحيث تتدخل السلطات النقدية للتأثير في سعر الصرف. وتحاول الدراسات الكثيرة بشأن المفاضلة بين ثبات ومرونة سعر الصرف أن تجيب عن السؤال التالي: كيف تؤثر كل من السياسة المالية والنقدية في معدل التضخم والنمو الاقتصادي في ظل نظم سعر الصرف المختلفة؟ نلاحظ هنا أن سعر الصرف بحد ذاته ليس المهم بل الأهم هو التناغم بين السياسات الاقتصادية الكلية لتحقيق أهداف النمو الاقتصادي والتضخم المنخفض او المستهدف.
 
وتبين دراسات كثيرة ذات علاقة بموضوع المفاضلة بين ثبات ومرونة نظم سعر الصرف أن معدلات التضخم كانت أقل وأقل تذبذبا في البلدان التي تبنت نظام تثبيت أسعار صرفها مقارنة بالبلدان التي أخذت بنظام سعر الصرف المرن، ولا توجد علاقة واضحة بين نظام سعر الصرف والنمو الاقتصادي.
 
كما أن نظم سعر الصرف البديلة بحد ذاتها لا تؤدي بمفردها الى أفضل أو أسوأ أداء للتضخم.
 
ويمكن أن يكون النمو الاقتصادي مرتفعا والتضخم منخفضا في ظل أي نظام سعر صرف شرط ان تتوفر السياسات الاقتصادية الكلية المناسبة لأداء اقتصادي جيد.
 
ويوجد ترابط عكسي بين مستوى تكامل الأسواق المالية المحلية مع الأسواق الدولية وانخفاض معدلات التضخم، أي ان البلدان التي تتسم اسواقها المالية بمستوى تكامل أعلى مع الأسواق العالمية تحقق معدلات تضخم أقل، كما أن البلدان التي تأخذ بنظم سعر الصرف الثابت تبدو معرضة لأزمات العملة، وكذلك للأزمات المصرفية مقارنة بالبلدان التي تعتمد نظما اكثر مرونة. وخلال العقد الماضي ازداد عدد البلدان التي تبنت نظما أكثر مرونة، ويتوقع استمرار هذا النهج العام نحو زيادة المرونة في اسعار الصرف مع زيادة عولمة الأسواق المالية، ليس نظام الثبات الدائم لسعر الصرف ولا نظام المرونة التامة له هي الصيغة الأمثل لنظام سعر الصرف لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، بالإضافة الى أن نظم سعر الصرف المدارة أو أسعار الصرف “المرنة التثبيت” (flexibly fixed) هي أكثر الصيغ شيوعا في البلدان النامية. والبلدان العربية التي تبنت نظم أسعار صرف مرنة سجلت معدلات تضخم أعلى من تلك التي اعتمدت نظم أسعار صرف ثابتة في اطار السياسة النقدية وتدفقات رأس المال، يدور النقاش دائما حول الثلاثية المستحيلة (impossible trinity) المتمثلة في قيام البلد باختيار اثنين فقط لنظام سياسته من السمات الثلاث التالية:
 
1- حرية تدفق رأس المال.
 
2- سعر صرف ثابت.
 
3- سياسة نقدية مستقلة.
 
 وتشير أدبيات الموضوع الى سيطرة مجموعات مختلفة من السمات الثلاث على الترتيبات النقدية العالمية في العصور المختلفة. ففي القرن التاسع عشر في ظل نظام قاعدة الذهب الكلاسيكي اختارت البلدان الرئيسية في التجارة الدولية حرية تدفق رأس المال، ونظام سعر صرف ثابت لأسعار صرف عملاتها مع الذهب. وفي ضوء هذا الاختيار وفي ضوء الثلاثية المستحيلة، تخلت تلك البلدان عن استقلالية السياسة النقدية. وفي ظل نظام بريتون وودز الذي تم انشاؤه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي تجسد في صندوق النقد الدولي، تخلت بلدان كثيرة عن حرية تدفق رأس المال من اجل اعتماد أسعار صرف ثابتة واستقلالية السياسة النقدية. وفي المرحلة الراهنة تبنت البلدان المتقدمة الرئيسية حرية تدفق رأس المال وسياسة نقدية مستقلة، أي اختارت نظام سعر صرف مرن. واختارت دولة الإمارات حرية حركة رأس المال ونظام سعر صرف ثابت مرتبط بالدولار الأمريكي وتخلت عن السياسة النقدية المستقلة وتبعت السياسة النقدية الأمريكية.
 
توفر أدبيات الموضوع عددا من المؤشرات المحددة لاختيار نظام سعر الصرف يمكن تصنيفها في مجموعتين، واحدة تستدعي نظاماً ثابتاً والأخرى نظاماً مرناً كما في التالي:
 
- مؤشرات تستدعي نظام سعر صرف ثابت: تضخم مرتفع جدا، اقتصاد حجمه صغير نسبيا، درجة الدولرة (استخدام الدولار في المعاملات المحلية)، انفتاح اقتصادي، صدمات اسمية محلية.
 
- مؤشرات تستدعي نظام سعر صرف مرن: تضخم مرتفع جدا، عدم توازن خارجي كبير، مستوى احتياطيات منخفض، عدم مرونة مالية، هجوم مالي (financial runs)، مرونة منخفضة لسوق العمل، تدويل العملة المحلية، مدى التطور المالي، حرية عالية لتدفق رأس المال، صدمات اسمية خارجية، صدمات حقيقية خارجية أو محلية.
 
نلاحظ أن اختيار نظام سعر الصرف يتطلب معرفة كافية ودقيقة في حالة هذه المؤشرات التي تبين المفاضلة بين ثبات ومرونة سعر الصرف. كما أن اختيار النظام يجب ألا يعتمد على مؤشر واحد.
 
وأخذا بالاعتبار أهداف السلطات، فإن كان الهدف هو تخفيض معدلات التضخم يتم اختيار نظام سعر الصرف الثابت، وان كان الهدف تصحيح عدم التوازن الخارجي يختار نظام سعر الصرف المرن. ويشار الى أن مؤشر التضخم المرتفع غير حاسم في اختيار نظام الصرف حيث ثبات أو مرونة نظام سعر الصرف جائز.
 
في ضوء المؤشرات السابقة، نحاول الاستدلال بها على اختيار نظام لسعر صرف درهم الإمارات. ثلاثة مؤشرات هي حجم الاقتصاد النسبي، والانفتاح الاقتصادي، والصدمات الاسمية المحلية، توجه باختيار نظام سعر صرف ثابت للإمارات. فالاقتصاد الإماراتي صغير نسبيا ومنفتح على الخارج ويتعرض الى صدمات نقدية محلية تتمثل في التوسع النقدي الكبير. أما مؤشر التضخم المرتفع فيحبذ ثبات النظام ولكن مرونة النظام مناسبة أيضا.
 
كما أن المؤشرات تلك تستدعي مرونة نظام سعر الصرف، أربعة منها تشير الى أن اقتصاد الإمارات يحتاج الى نظام سعر صرف مرن، وهي: مؤشر عدم توازن خارجي كبير حيث الحساب الجاري في ميزان مدفوعات الإمارات يحقق فوائض كبيرة (نحو 21 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي عام 2006)؛ ومؤشر حرية تدفق رأس المال حيث لا قيود عليه في الإمارات؛ ومؤشر صدمات اسمية أو حقيقية خارجية وحقيقية محلية، حيث يتعرض اقتصاد الإمارات لهما.
 
ثلاثة مؤشرات توجهنا باختيار نظام سعر صرف ثابت لدرهم الإمارات واربعة مؤشرات توجه باختيار نظام صرف مرن له. فاذا أخذنا بهذه المؤشرات كمعيار للمفاضلة بين ثبات ومرونة سعر صرف درهم الإمارات، وقبلنا نتيجة المفاضلة باختيار نظام سعر صرف مرن للدرهم، فما هي صيغة النظام المرن المناسبة لوضع الاقتصاد الإماراتي؟ وهل الاقتصاد الإماراتي مهيأ للانتقال من نظام صرف ثابت خدم الاقتصاد بشكل جيد لفترة طويلة الى نظام مرن بأية صيغة يختارها؟ هذا ما سوف ننظر فيه في مقالة لاحقة.