نسمع هذه الأيام أن المواطن السعودي إنسان غير منتج لا يعمل ولا يرغب في العمل ويبحث عمن يؤدي عنه عمله.
هذه العبارة بما تحمله من مضامين سلبية بحق المواطن السعودي يرددها كثير من الناس بل يرى بعضهم -مع الأسف- أنها حقيقة لا تقبل الجدل، على الرغم من أنها لم تطرح للنقاش الجاد حتى الآن.
وهناك من يرى أن ضعف الإنتاجية وعدم الجدية والالتزام ترجع إلى عوامل اجتماعية، أهمها تأثير ما يسمى بالطفرة الاقتصادية في المواطن السعودي. فلو عدنا إلى الوراء لما قبل الطفرة لوجدنا المواطن السعودي يعمل بجد في جميع المهن والحرف ولاشك أن الأحوال المعيشية في ذلك الوقت هي الدافع الرئيس لذلك، وشتان ما بين الأحوال والحاجات في هذا الزمن وبينها في ذلك الوقت.
يضاف إلى ذلك التكافل الاجتماعي الذي يتمتع به مجتمعنا؛ فالعائلة تدأب على توفير حاجات أفرادها المادية، مما لا يحفز بعضهم ولاسيما الشباب منهم على العمل الجاد والاعتماد على النفس، فالفرد ما زال تابعاً للعائلة لا يُفرض عليه الاستقلال عنها عندما يبلغ سناً معينة كما يحدث في مجتمعات أخرى، ولذلك تظل حاجاته الأساسية ملبّاة وإن كان لا يعمل ولا يعول نفسه.
زد على ذلك سببين آخرين لانتشار هذه الفكرة لدى الناس؛
الأول: كثير من أصحاب الأعمال في القطاع الخاص لهم تجارب غير جيدة في توظيف السعوديين، إذ رأوا من بعضهم نقصاً في الجدية والالتزام وعدم تمسك بالوظيفة. ويرون لتأكيد وجهة نظرهم أن معظم السعوديين الباحثين عن عمل نتاج نظام تعليمي وتدريبي غالباً ما يخّرج نوعيات ضعيفة المستوى التأهيلي غير قادرة على تقديم ما هو مطلوب منها بكفاءة وتحتاج إلى إعادة تأهيل وتدريب إضافي بتكاليف عالية، وهم إنما يقارنون السعودي بغير السعودي ويريدون أن يعمل السعودي لديهم بأجر وشروط وظروف عمل غير السعودي المتوافر لهم بسهولة وبأجر رخيص، وهذا غير ممكن؛ فما ينطبق على الأجانب الذين تدفعهم ظروف بلادهم إلى قبول أقل الأجور والعمل ساعاتٍ طويلة لاينطبق على السعودي.
السبب الثاني: أن هناك قطاعاتٍ يعمل فيها السعوديون بكثافة يتسم العمل فيها بنقص الجدية والالتزام مثل كثير من الأجهزة الحكومية. هذه الأجهزة ملزمة بتوظيف السعوديين وإعطائهم الأولوية في العمل ولكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى تطبيق الأساليب الحديثة في الإدارة بما في ذلك توفير التعليم أو التدريب المناسبين وتطبيق أساليب حديثة للرقابة وتوزيع العمل. إن رغبة السعوديين واندفاعهم إلى العمل في هذه الأجهزة ناتج عن ما توفره من ميزة مهمة هي الاستقرار والأمان الوظيفي، فوظيفة المواطن بجميع ما تحمله من مميزات مضمونة سواء أجدّ في عمله أم تراخى.
بسبب كل ما ذكر أعلاه ترسخ الانطباع أن المواطن السعودي لا يحب العمل وإذا عمل لا يعمل بجدية والتزام.
ولكن دعونا نناقش هذا الأمر وننظر إليه من زاوية أخرى.
ماذا يريد الإنسان بشكل عام والمواطن السعودي بشكل خاص من العمل؟
إنه يريد عملاً يحفظ كرامته كمواطن لكي يحيا حياة كريمة بمستوى معيشي يتوافق مع مستوى المعيشة في بلده ويوفر له حاجاته المادية الضرورية. والأجر الذي يحصل عليه يجب أيضاً أن يتوافق مع إنتاجيته التي لا تولد معه ولكنها نتاج تعليمه وتدريبه وعمله في بيئةٍ تعلمه الجدية والالتزام.
لننظر من الناحية الأخرى، ونبحث في مدى جدية والتزام العامل السعودي في قطاعات أخرى غير ما أشير إليه سابقاً، سواء أكانت مملوكة من الحكومة أم من القطاع الخاص. ولنأخذ مثلاً ثلاثة قطاعات: الطاقة بما فيها صناعة النفط، وقطاع البتروكيماويات، وقطاع الخدمات المالية. إن الغالبية العظمي من العاملين في هذه القطاعات الثلاثة هم من السعوديين الذين يتميزون بكفاءة الإنتاج والجدية والالتزام في العمل مما يفنّد ما يتردد من عدم إنتاجية السعودي والتزامه.
والسؤال لماذا؟
بداية تختار هذه القطاعات العاملين بعناية ويخضعون لبرامج تدريبية مناسبة تؤهلهم للقيام بما هو مطلوب منهم، ويؤدون عملهم في مؤسسات تتميز بإدارة حديثة وواعية تعلمهم الجدية والالتزام، ويحصلون في المقابل على رواتب ومكافآت مجزية تتلاءم مع ما يقومون به من عمل، ويتوافر لهم الاستقرار الوظيفي وساعات العمل المناسبة والرعاية الطبية والأمان بعد التقاعد. أي تتوفر لهم في هذه القطاعات ظروف العمل التي تحفظ كرامة المواطن وتجازيه على عمله وتدفعه إلى الجدية والالتزام.
إذاً اتهام السعودي بأنه غير منتج ولا يرغب في العمل وليس لديه الجدية والالتزام ولا تتوافر لديه أخلاقيات العمل تهم باطلة؛ فالسعودي مثل -أي إنسان آخر- متى توافرت له الظروف الملائمة فإنه يتجاوب معها بما يناسبها.
ولو نظرنا إلى أهم القطاعات التي يمكن أن توفر فرص العمل للمواطنين والمواطنات لوجدنا في مقدمتها قطاع الخدمات الذي يزخر بمئات الآلاف من الوظائف المشغولة بعمالة أجنبية رخيصة غير أنها في معظمها عمالة ليست مدربة ولا كفؤة، مما نتج عنه تقديم خدمات رخيصة إلى المواطن لكنها منخفضة الجودة.
ولذلك لن يكون من اليسير إقناع القطاع الخاص الذي يقدم هذه الخدمات بتوظيف السعودي الذي لن يقبل الأجر ولا ظروف العمل التي يقبلها الأجنبي. إن عمل السعودي في قطاع الخدمات يتطلب تقديم أجورأعلى وظروف عمل أفضل بما فيها ساعات عمل ملائمة، مما قد ينتج عنه ارتفاع في أسعار الخدمات لكنه مقرون بارتفاع في جودتها. وليكن، ففي المقابل ستتوافر آلاف الوظائف وتُفتح آلاف البيوت ويُنتشل آلاف المواطنين من براثن الفقر والبطالة.
الخلاصة أن المواطن السعودي إذا أعطي حقه وما يناسب وضعه المعيشي من أجر ووفر له التأمين الصحي والأمان التقاعدي والحقوق الوظيفية الأخرى بما فيها ساعات العمل المناسبة المنصوص عليها في نظام العمل فإن إنتاجيته لا تقلّ عن إنتاجية أي عامل في بلد آخر إن لم تفقها.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: