انتهت دراسة تحليلية أعدتها وزارة الاسكان في ضوء السياسة الشرعية التأصيلية لجواز فرض غرامة مالية على الأراضي التي لم تستغل بالإحياء والانتفاع، وتضمنت الدارسة تعريف الغرامة ومشروعيتها، وتصوير مسألة فرض رسوم سنوية على الأراضي البيضاء، وفق ثلاثة مطالب، الأول: ما ورد عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة بلال بن الحارث رضي الله عنه، والثاني: قاعدة (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، والثالث: اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات، والرابع: منع الاحتكار وأحكام التسعير.
قصة عمر وبلال بن الحارث رضي الله عنهما
قطع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بلال بن الحارث رضي الله عنه العقيق "وهي أرض كبيرة".. وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجد بلال بن الحارث لم يقم بإحياء الأرض التي أقطعها له الرسول "صلى الله عليه وسلم"، ورأى عمر بن الخطاب أن المصلحة في توزيع الأرض على المسلمين، إذا عجز بلال بن الحارث عن الإحياء، وعرض هذا الأمر على بلال بن الحارث، بقوله: خذ ما تستطيع إحياءه، وأترك الباقي ندفعه لمن ينتفع به، وعلل عمر بن الخطاب هذا الفعل بقوله: لم يقطعك الرسول الله "صلى الله عليه وسلم" لتحجزه عن الناس، لم يقطعك إلا لتعمل، فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه، وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله، شيء أقطعينه رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال عمر: والله لتفعلن، فأخذ منه ما عجز عن عمارته، فقسمه بين المسلمين.
توصيات الدراسة
وانتهت الدراسة التي بحثت فرض غرامة مالية على الأراضي التي لم تستغل بالإحياء والانتفاع، إلى مجموعة من النتائج، لعل من أبرزها ما يلي:
أولاً: مسألة فرض رسوم سنوية على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني من المسائل المعاصرة المستجدة، وتعد من النوازل الفقهية المعاصرة، التي تتعلق بالسياسة الشرعية والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية، تحقيقاً لمناط الشريعة ومقاصدها والمصلحة العامة.
ثانياً: من مقاصد الشريعة الإسلامية عمارة الأرض وعدم تعطيلها، وإعانة الناس بعضهم بعضاً في كل ما يحتاجون إليه من أمور مشروعة، سواء تعلق بجانب المعيشة، أو بجانب ما يحتاجونه من اللباس، أو ما يحتاجون إليه من السكن، وللإمام أن يلزم بذلك، ولا يكون ذلك ظلماً.
ثالثاً: الغرامة المالية التي يراد فرضها من ولي الأمر، على أصحاب الأراضي التي لم تستغل بالإحياء والانتفاع هي عقوبة مالية، تدخل في مسألة العقوبات التعزيرية بالمال، والصحيح من أقوال أهل العلم جواز لتعزيز بالمال.
رابعاً: الذي يظهر أن فرض غرامة مالية على ملاك الأراضي البيضاء لإجبارهم على البيع أو استغلال الأرض بما يعود نفعه على العباد، مما تدل عليه السياسة الشرعية، والقول بغير ذلك هو تقصير في معرفة الواقع، الذي يحتاج الناس إليه، ولا يستقيم أمرهم إلا به، وفيه زيادة الضرر على العباد من استغلال أصحاب الأراضي، ما يؤدي إلى ظن الناس أن الشريعة قاصرة عن تحقيق مصالح العباد ومسايرة الواقع والحوادث.
خامساً: فعل عمر رضي الله عنه في قصة إقطاع بلال بن الحارث رضي الله عنه هو مقتضى السياسة الشرعية ومصلحة عموم الرعية، فإذا قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذا، وقد أقطعه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن من أخذ غرامة مالية لمن ملك أرضاً ولم يقم بإحيائها من باب أولى.
سادساً: من القواعد الفقهية التي يجب مراعاتها في السياسة الشرعية: أن ولي الأمر إذا تعارضت أو تزاحمت الأضرار العامة، التي تصيب مجموع الرعية، أو عدد منهم غير منحصر، مع الأضرار الخاصة التي تصيب فرداً أو أفراداً منحصرين، فإن ولي الأمر يدفع الضرر الأعم المتعلق بمجموع الرعية أو أغلبهم، بارتكاب الضرر الخاص المتعلق بفرد أو أفراد منحصرين، وهذا من السياسة الشرعية التي يجب اعتبارها، وارتفاع أسعار الأراضي في المدن التي يوجد فيها أكثر الرعية ارتفاعاً تعذر على الأكثر شراء أرض للبناء من الضرر العام، الذي يتعارض مع مصلحة أفراد في بقاء الأسعار مرتفعة، فإذا وضع ولي الأمر غرامة مالية على ملاك الأراضي، التي لم تستغل، وتكون فوق الحاجة المعتادة، فإن ذلك من قبيل تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام على الرعية.
سابعاً: من الأصول المعتبرة في الأحكام الشرعية التي تعد من أصول السياسة الشرعية في إصدار الأنظمة من ولي الأمر، مراعاة نتائج التصرفات والمآلات، عند إرادة سن نظام أو إصدار حكم من قبل المجتهدين، فالنتائج الواقعة أو المتوقعة هي مناط الحكم وتكييفه، وفي مسألة فرض غرامة على أصحاب العقارات غير المستغلة من ولي الأمر اعتبار للمآلات ومراعاة للنتائج.
ثامناً: من أسباب فرض الغرامة المالية على أصحاب الأراضي البيضاء، هو حبس الأراضي عن البيع، وتعطيلها من الإحياء، ما أدى إلى اختلال العرض والطلب، من خلال قلة المعروض من الأراضي مع شدة حاجة الناس إلى أراض بيضاء داخل النطاق العمراني للبناء عليها، وهذا داخل في الاحتكار المنهي عنه في الصحيح من أقوال أهل العلم، ومما يتضرر الناس من حبسه.
تاسعاً: لولي الأمر إذا رأى حاجة الناس إلى أمر من الأمور، سواء كان صناعة أو مساكن يسكنها الناس، ولم تبع بسعر المثل المعتاد، فإن لولي الأمر أن يلزم بيع هذه الأمور بسعر المثل، فإن الناس لابد لهم من مساكن يسكونها وطعام يأكلونه، وهذا من العدل بين الناس، وإن كان فيه إكراه لبعضهم بالعوض بثمن المثل والمنع من الزيادة على عوض المثل، ومسألة فرض غرامة مالية على الأراضي البيضاء التي لم تعمر هو من دفع الظلم عن الناس فيما يحتاجون إليه من مساكن يسكنونها، والغرامة المالية التي تؤخذ غالباً هي أقل من القيمة التي تنقص عند التسعير بسعر المثل في ظل الارتفاع المبالغ فيه في وقتنا الحاضر.
تحليل التعليقات: