نبض أرقام
02:20 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/02
2026/02/01

تحليل: الذهب من ذروة تاريخية إلى هبوط مفاجئ – لماذا وما المتوقع؟

10:51 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص
أحمد عزام رئيس الأبحاث في إكويتي


شهدت أسعار الذهب تصحيحًا قويًا في نهاية تعاملات الأسبوع وعمق خسائره بداية تداولات اليوم، بعد موجة صعود تاريخية دفعت المعدن الأصفر إلى مستويات غير مسبوقة، حيث عادت الأسعار إلى حدود 4500 دولار للأوقية، وسط عمليات جني أرباح واسعة وتزايد حذر المستثمرين.

 

وجاء هذا التراجع في وقت فسرت فيه الأسواق ترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكيفين وارش رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أنها إشارة إلى توجه أكثر تشددًا في السياسة النقدية الأمريكية، وسرع التراجع قرار "سي إم إي جروب" أكبر مشغّل عالمي لأسواق العقود الآجلة والخيارات برفع متطلبات هوامش عقود الذهب الآجلة إلى 8% من 6%.

 

وكانت أسعار الذهب قد سجلت قفزة تاريخية غير مسبوقة متجاوزة مستوى 5500 دولار للأوقية جلسة 29 يناير، عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة، وهو ما عزز توجه المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن في ظل الضغوط التي تعرض لها الدولار، إلى جانب استمرار قوة الطلب العالمي لا سيما من البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين.

 

بداية المسار الصاعد

 

 بدأ المسار الصاعد للذهب بوضوح منذ الربع الرابع 2024، وتسارع خلال النصف الأول من 2025، قبل أن يدخل مرحلة تماسك عند قمم تاريخية خلال النصف الثاني من 2025، مدفوعًا باستقرار السياسة النقدية الأمريكية وارتفاع الطلب الاستثماري والمؤسسي.

 

 أحمد عزام رئيس الأبحاث في إكويتي

 

 قال أحمد عزام، رئيس الأبحاث في إكويتي، إن العلاقة التقليدية بين ضعف الدولار وارتفاع الذهب لا تزال قائمة، إذ إن تراجع العملة الأمريكية يجعل المعدن النفيس أرخص نسبيًا لحائزي العملات الأخرى.

 

وأوضح في لقاء مع أرقام، أن هبوط الذهب في جلستي الخميس والجمعة الماضيتين – رغم استمرار سردية الدولار الضعيف – يشير إلى تحوّل مؤقت في سلوك السوق، الذي انتقل من تسعير القناعة إلى تسعير التموضع وتدوير السيولة.

 

وأضاف أن تراجع الذهب بنحو 5 تريليونات دولار من قيمته السوقية خلال جلستين لا يعني نهاية الاتجاه الصاعد، بل يقرأ كموجة تصحيح فني مدفوعة بجني أرباح وتصفية مراكز، جاءت بعد مسار صعودي استثنائي تخلله سلسلة من الإغلاقات القياسية.

 

وأشار عزام إلى أن الأسواق في لحظات الاندفاع الشديد تصبح شديدة الحساسية لأي ارتداد في الدولار أو ارتفاع مفاجئ في التقلبات، ما يدفع المستثمرين إلى تفعيل أوامر وقف الخسارة وتقليص الانكشاف على المخاطر.

وفي مثل هذه الحالات، تميل المحافظ إلى بيع الأصول الرابحة – كالذهب – لحماية المراكز الخاسرة، فيما يعرف بسلوك "بيع الرابح أسهل لحماية الخاسر".

 

وتطرّق عزام إلى دور التصريحات السياسية في تشكيل المزاج السوقي، موضحًا أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي وصف فيها الدولار بأنه "رائع" وقابل للتحكم "كاليويو"، أعادت للواجهة إشارات سياسية تفيد بارتياح تجاه ضعف العملة، ما عزز حينها شهية المخاطرة على الذهب.

 

ووفقًا لعزام، فإن المزاج انقلب مؤقتًا، بعد تزايد الترقب بشأن الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسط ترجيحات بتعيين "كيفين وارش"، المعروف بتوجهاته المتشددة في السياسة النقدية، وهو ما زاد المخاوف من أن يتم كبح التيسير النقدي المنتظر، وأن تتعرض توقعات خفض الفائدة وسيولة الأسواق لانتكاسة، ما دفع الأسواق إلى مراجعة تسعيرها للذهب على المدى القصير.

 

دات تونغ كبير استراتيجيي الأسواق المالية في إكسنس

 

من جانبه، قال دات تونغ، كبير استراتيجيي الأسواق المالية في "إكسنس"، إن القفزة التاريخية لأسعار الذهب فوق مستوى 5500 دولار تعكس تداخل عدة عوامل، في مقدمتها ضعف الدولار الأمريكي وتزايد المخاطر السياسية والجيوسياسية.

 

وأضاف في لقاء مع أرقام، أن الأسواق باتت تسعر بدرجة متزايدة تساهلًا سياسيًا تجاه تراجع الدولار، خاصة مع تنامي المخاوف حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن.

 

وأشار إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية في عدة مناطق حول العالم لعب دورًا إضافيًا في تعزيز الطلب على المعدن النفيس، إلى جانب تزايد مشتريات البنوك المركزية وتدفقات صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب، مما يعزز النظرة الصعودية على المدى الطويل.

 

وأوضح أن تصاعد التهديدات التجارية وتوتر سلاسل الإمداد العالمية يضيفان مزيدًا من الضغوط على الدولار الأمريكي، ويدعمان توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة.

 

وثبت مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في اجتماعه يوم الأربعاء 28 يناير 2026، أسعار الفائدة عند النطاق 3.50% – 3.75%، وهو ما دعم جاذبية الذهب مقارنة بالأصول ذات العائد.

 

هاكان كايا مدير المحافظ الأول في نيوبرغر بيرمان

 

وقال هاكان كايا، مدير المحافظ الأول في نيوبرغر بيرمان، إن الذهب وسوق المعادن النفيسة بشكل عام سجلت أداءً استثنائيًا خلال عام 2025، لتكون من بين أبرز القصص الاستثمارية نجاحًا على مستوى الأصول العالمية.

 

وأوضح في لقاء مع أرقام، أن هذا الزخم امتد إلى عام 2026، حيث اخترق الذهب مستوى 5500 دولار للأونصة، مدعومًا بمجموعة من العوامل، من أبرزها استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي الكلي، وارتفاع حدة التوترات الجيوسياسية، وزيادة مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب عودة قوية في شهية مستثمري صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب، بالتزامن مع تحوّل السياسة النقدية للفيدرالي باتجاه خفض الفائدة.

 

وأشار إلى أن المعادن الأخرى مثل الفضة والبلاتين والبلاديوم حققت أيضًا مكاسب قوية، مستفيدة من نفس العوامل النقدية، بالإضافة إلى تدفقات مضاربة تستهدف التعرض لأصول تُصنف بأنها "أعلى بيتا" مقارنة بالذهب.

 

الدولار والذهب: علاقة متغيرة تحت ضغط الأزمات

 

سجل مؤشر الدولار الأمريكي تراجعًا بنسبة بلغت نحو 2.3% منذ مطلع عام 2026، حيث هبط المؤشر إلى مستويات تقارب 96.14 نقطة بحلول نهاية يناير، مسجلاً بذلك أدنى مستوياته في أربع سنوات.

 

وقال عزام إن المخاوف المرتبطة بضعف الدولار لم تتلاشَ، إذ يظل الدولار الأضعف مقرونًا بمخاطر تضخم مستورد أعلى، وتقلّب أكبر في تسعير السلع عالميًا، مما يدفع المستثمرين نحو الذهب كأصل لا يرتبط بجهة مصدرة واحدة.

 

وأوضح أن سياسات الحماية والعقوبات الاقتصادية ساهمت في تعميق الحاجة إلى التنويع بعيدًا عن الأصول المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي، ما يظهر بوضوح في استمرار البنوك المركزية حول العالم في تعزيز حيازاتها من الذهب، باعتباره أصلًا سياديًا استراتيجيًا طويل الأجل.

 

وشدد عزام على أن هذه العوامل الهيكلية، رغم قوتها، لا تحصّن المعدن من التصحيحات قصيرة الأجل، إذ يبنى الاتجاه الصاعد على الطلب الاستراتيجي، لكن التداولات اليومية تحكمها اعتبارات السيولة والمخاطر، ما يجعل الذهب عرضة لموجات ذعر وجني أرباح في لحظات التقلّب.

 

وأشار إلى أن العلاقة التاريخية العكسية بين الذهب والدولار ليست قاعدة ثابتة، إذ قد يرتفع المعدن والدولار معًا خلال فترات الأزمات الكبرى، كلٌّ منهما بدوره كملاذ آمن، لكن بدرجات متفاوتة.

 

وبيّن أن ما حدث خلال تراجعات الخميس والجمعة يعكس هذا التداخل؛ حيث تغلّب عنصر السيولة على الثقة، مما أضعف قدرة الدولار الضعيف على دعم الذهب مؤقتًا.

 

منذ 1971: كيف أصبحت قوة الذهب مرآة لضعف الدولار؟

 

منذ فك الارتباط بين الدولار والذهب في عام 1971، دخل النظام النقدي العالمي مرحلة جديدة، تحولت فيها العملات الورقية إلى أدوات تسعير غير مغطاة، بينما احتفظ الذهب بدوره التاريخي كمخزن للقيمة ووسيلة تحوط من التضخم وتآكل القوة الشرائية.

 

وقبل ذلك التاريخ، كانت أسعار الذهب مستقرة عند نحو 35 دولارًا للأوقية، إلا أنها بدأت مسارًا صعوديًا طويل الأجل، تزامن مع التوسع في طباعة الدولار وارتفاع مستويات التضخم عالميًا.

 

قمم الذهب التاريخية

السنة

الحدث الاقتصادي

سعر الذهب (دولار/أوقية)

1971

فك ارتباط الدولار بالذهب (إنهاء اتفاقية بريتون وودز)

35

1980

تضخم مرتفع وضعف الدولار وأزمة النفط

850

2011

التيسير الكمي بعد أزمة 2008

1920

2020

جائحة كورونا

2075

2026

ضعف الدولار وطلب تحوطي قوي

5560

 

ووفق أحدث التقديرات حتى عام 2026، فإن القوة الشرائية للدولار الأمريكي انخفضت إلى نحو 12.5% فقط من مستواها في عام 1971، ما يعني فقدانه ما يقارب 87.5% من قيمته الحقيقية خلال خمسة عقود، وهو ما عزز الحاجة إلى أصول تحفظ القيمة بمرور الزمن، وفي مقدمتها الذهب.

 

ورغم أن فك الارتباط تم بقرار سياسي، إلا أن العلاقة الاقتصادية بين الذهب والدولار ظلت قائمة، باعتبار الدولار هو عملة تسعير المعدن الأصفر. ووفق هذه القاعدة، فإن ضعف الدولار غالبًا ما يدعم أسعار الذهب، في حين تضغط قوة العملة الأمريكية على مكاسبه، في علاقة هيكلية تحكمها اتجاهات السياسة النقدية ومعدلات التضخم.

 

هل الارتفاع ينذر بأزمة مالية قادمة؟

 

قال أحمد عزام إن صعود الذهب لا يعني بالضرورة وقوع أزمة مالية أو اقتصادية، مبينًا أنه يعكس تصاعد تحوّط المستثمرين تجاه مجموعة من المخاطر، أبرزها اتساع الدين العام، اضطراب السياسة التجارية، التوترات الجيوسياسية، واحتمال تراجع الثقة المؤسسية.

 

وأوضح أن المؤشرات الحقيقية لحدوث أزمة ستظهر من خلال توسع فروقات الائتمان، وتوتر سيولة التمويل القصير، وارتفاع مؤشرات الضغط في القطاع المصرفي، مشيرًا إلى أن تزامن هذه العوامل مع استمرار اندفاعة الذهب الصعودية سيزيد من احتمالات تحقق أزمة فعلية.

 

من جانبه، أشار دات تونغ إلى أن الارتفاع الحالي في أسعار الذهب لا يعني بالضرورة قرب وقوع أزمة اقتصادية، لكنه يعكس تنامي حالة من القلق النظامي في الأسواق.

 

وأضاف أن الذهب غالبًا ما يصعد خلال فترات الأزمات، أو عند تراجع الثقة بالمؤسسات، مشيرًا إلى أن التحركات الأخيرة تعكس تحوطًا واسعًا من المستثمرين تجاه المخاطر القصوى، رغم أن البيانات الاقتصادية لا تزال تظهر قدراً من التماسك في الاقتصادات الكبرى، فيما تواصل البنوك المركزية – بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي – التأكيد على استقرار الأوضاع العامة.

 

ولفت تونغ إلى أن السوق بدأت تُسعّر احتمالات أعلى لاضطرابات مستقبلية، مدفوعة بتزايد التدخلات السياسية في السياسات النقدية، وتدهور الأوضاع المالية العامة، وتفكك العلاقات التجارية، واستمرار النزاعات الجيوسياسية.

 

المخاطر والفرص.. إلى أين يتجه سعر المعدن الأصفر؟

 

أوضح أحمد عزام أن الصورة باتت مزدوجة في المرحلة الراهنة؛ حيث أن الزخم الذي دفع المعدن الأصفر إلى تسجيل قمة تاريخية عند 5600 دولار في 2026 خلق بطبيعته بيئة مهيأة لتصحيحات فنية، وقد بدأت بالفعل.

 

وأضاف أن العوامل الأساسية الداعمة للاتجاه الصاعد لا تزال قائمة، وتشمل اضطراب السياسة التجارية، وتصاعد المخاوف بشأن استقلالية السياسة النقدية، واستمرار البنوك المركزية في سياسة تنويع الاحتياطيات، إلى جانب القلق من تصاعد مستويات الدين العام.

 

وأكد أن العامل الفاصل في تحديد المسار خلال الفترة المقبلة سيكون في أداء الدولار والعوائد الحقيقية، مشيرًا إلى أن العائد الحقيقي على السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات لا يزال موجبًا عند نحو 1.9%، وهو ما يجعل استمرار صعود الذهب مؤشرًا على هيمنة دوافع الثقة والتحوط على حساب تأثير أسعار الفائدة.

 

وأشار عزام إلى أن استمرار التصحيح يبقى مرجحًا في حال استعاد الدولار زخمه، أو توسّعت موجة خفض المخاطر في الأسواق العالمية.

 

من جانبه، يرى تونغ أن النظرة المتوسطة الأجل للذهب تبقى إيجابية، رغم أن المسار لن يكون بالضرورة خطيًا، وقد يشهد فترات من التماسك أو التصحيحات الفنية بعد موجة الصعود الحادة.

 

وأوضح أن جني الأرباح قد ينجم عن ارتداد مؤقت في الدولار، أو مفاجآت تميل إلى التشديد من جانب الاحتياطي الفيدرالي، أو تهدئة مؤقتة في التوترات الجيوسياسية.

 

ورجّح تونغ أن تمثل هذه التراجعات فرصًا للشراء الاستراتيجي، خاصة من قبل مديري الاحتياطيات والمخصصات طويلة الأجل، بدلًا من أن تعكس انعكاسًا في الاتجاه العام.

 

من جهته، رجّح كايا أن يتطور المشهد الكلي بطريقة قد تُخفّض من وتيرة المكاسب في سوق المعادن الثمينة، دون أن تُنهيها تمامًا. مبينًا أن بعض المحفزات التي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية في 2025 قد تبدأ في التراجع خلال العام الجاري، خاصة إذا هدأت التوترات الجيوسياسية، أو انخفضت الاحتكاكات التجارية، أو تراجعت المخاوف من الركود.

 

وأضاف أن أي تحسّن جوهري في شهية المخاطرة أو في مؤشرات النمو العالمي قد يعيد توجيه السيولة نحو الأصول الدورية (procyclical)، على حساب الملاذات الآمنة التقليدية مثل الذهب، مرجحًا أن تسجّل أسواق الطاقة والمعادن الأساسية وبعض السلع الزراعية أداءً نسبيًا أفضل في مثل هذا السيناريو.

 

وعلى الصعيد الفني، لفت أحمد عزام إلى أن مستوى 4800 دولار يتحول الآن من دعم إلى منطقة اختبار رئيسية؛ فالثبات فوقه قد يعيد الزخم تدريجيًا نحو الاتجاه الصاعد، بينما قد يؤدي كسره بإغلاقات واضحة إلى تعميق التصحيح باتجاه مناطق 4600 ثم 4444 دولارًا، حيث تُغلق الفجوات السعرية السابقة.

 

وأشار إلى أن هذه السيناريوهات لا تلغي مسار الذهب نحو مستوى 6000 دولار لا يزال قائمًا، لكنه لم يعد طريقًا مستقيمًا، بل أصبح مليئًا بالمطبات، في تذكير بأن الذهب ليس فقط ملاذًا آمنًا، بل أيضًا أصل مالي قابل للتقلبات وتدوير السيولة.

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.