نبض أرقام
11:42 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/04

العجز .. كأداة اقتصادية

2026/02/04 أرقام - خاص
إسلام زوينالرئيس التنفيذي لـ أرقام

إسلام زوين الرئيس التنفيذي لـ أرقام


ليس طبيعياً أن تعلن دولة تمر بمراحل توسع اقتصادي عن عجز اختياري بـ 165 مليار ريال، كما أنه ليس معتاداً أن يحدث ذلك، وفي وقت يرتفع فيه الاستثمار، أن تتحرك المشاريع الكبرى ويبدو النشاط الاقتصادي في أفضل حالاته. كأن الدولة تقول لمن يقرأ الميزانية: "العجز أحياناً ليس ثغرة، بل أداة" في الاقتصاد، هناك لحظات تحتاج فيها أن تذهب عكس التيار حتى لا يبتلعك التيار نفسه.

فلماذا تتجه السعودية نحو العجز بالاختيار وليس بالاضطرار وما الذي يجعل هذا القرار أقرب لقراءة عميقة للدورة الاقتصادية لا ابتعاداً عنها؟ والأغرب أن الإجابة قد تجد جذورها بشكل عملي في نظرية اقتصادية عمرها تسعون عاماً وهي المضاعف الكينزي، وهنا المفارقة التي سيكون فهمهما يتغير معنى العجز بمفهومه اللغوي.

تقوم نظرية المضاعف الكينزي (نسبة للاقتصادي البريطاني جون مينار كينيز) على فكرة أن الإنفاق الحكومي لا ينعكس على الاقتصاد بقيمته الاسمية فقط، بل يتحول إلى سلاسل ممتدة من الإنفاق والدخل والاستهلاك. فكل ريال يصرف على مشروع حكومي عبر شركات، عمال، موردين ومقدمي خدمات يعود إنفاق جزء كبير منه داخل شرايين الاقتصاد وبهذا يصبح الأثر النهائي للإنفاق أكبر من قيمته الأصلية.

ولكن تطبيق هذا الإطار على الاقتصادات الحديثة يفتح باباً أمام مجموعة من الأسئلة التحليلية المهمة، مثل ما هو حجم المضاعف الحقيقي على الاقتصاد السعودي؟ وإلى أي مدى يبقى الأثر داخل السوق المحلية دون تسرب عبر الواردات، وهل تتجه غالبية الإنفاق إلى القطاعات ذات القدرة الأعلى على ابتكار وظائف ودخل؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قوة النهج، ولكنها توفر قراءة واقعية لكيفية تشكل الأثر الاقتصادي.

من المؤكد اعتبار السياسة المالية السعودية كتوسع محسوب لا يخلو من التحديات، حيث ترتكز الميزانية المعلنة على الإنفاق الرأسمالي المرتبط بمشاريع البنية التحتية واللوجستيات والسياحة والإسكان وهذه القطاعات تحمل عادة مضاعفاً اقتصادياً أعلى لأنها ترتبط مباشرة بسلاسل توريد واسعة وتخلق وظائف في عدة مستويات.

لكن تسارع وتيرة المشاريع يضع الاقتصاد أمام ثلاثة تحديات يجب مراقبتها: أولها قدرة القطاع الخاص على استيعاب التوسع الذي قد يرفع تكاليف العمالة والمواد بسبب المنافسة على الموارد مما قد يؤدي إلى ضغوط سعرية أو اختناقات تشغيلية مؤقتة. التحدي الثاني هو كفاءة تحويل الإنفاق إلى إنتاجية، فالأثر الإيجابي للإنفاق لا يتحقق بالكامل إلا عند انتقال المشاريع من مرحلة البناء إلى مرحلة التشغيل وتحقيق عوائق ملموسة. أما التحدي الثالث هو الإيقاع المالي على المدى المتوسط حيث إننا سنكون بحاجة إلى تسريع التحول الاقتصادي والاستدامة المالية طويل المدى لأنه سيبقى المحور الأساسي في قراءة الميزانيات المقبلة.

منظور تحليلي: أين يتقاطع النهج السعودي مع الفكر الكينزي؟

النهج السعودي يتقاطع مع الإطار الكينزي في جانبين رئيسيين، أولهما هو استخدام الإنفاق الحكومي لدعم النشاط عندما تتطلب المرحلة الاقتصادية ذلك. والثاني هو توجيه الإنفاق نحو القطاعات التي تخلق أثراً مضاعفاً أكبر وتدعم تحولاً هيكلياً في الاقتصاد. لكن النهج والإطار يختلفان في طبيعة الهدف، فبينما ترتكز النظرية الكنزية، على تخفيف أثر الركود والدورات الاقتصادية الهابطة، تستخدم السعودية نفس الأداة (الإنفاق) لغايات تحول اقتصاد طويل الأجل مما يجعل المضاعف هنا ليس مرتبطاً بالطلب الكلي بل لخلق طاقات إنتاجية جديدة وتحسين مستوى التنوع الاقتصادي. ورغم هذه التحديات تستثمر السياسة المالية السعودية في تبني نهج استباقي بهدف الحد من التقلبات الاقتصادية ودعم النمو في المراحل الانتقالية.

للتبسيط، يمكننا تلخيص ما سبق بأن العجز السعودي المتوقع لا يمكن فهمه خارج سياق المشاريع الضخمة والاستثمارات الواسعة الجارية. فهو عجز استثماري بالدرجة الأولى هادف لتقليل التقلبات في النشاط الاقتصادي خلال فترة إعادة تشكيل الاقتصاد وهو ما تحاول رؤية السعودية اجتيازه بكفاءة. لكن القراءة الأكثر دقة تحتاج وتتطلب متابعة مستمرة لعنصرين أساسيين وهما كفاءة تحويل الإنفاق الحكومي إلى طاقة إنتاجية دائمة. فيما يكمن العنصر الثاني على قدرة القطاع الخاص على مواكبة وتيرة المشاريع واستيعاب آثارها.

بهذه الزاوية، يصبح العجز (اقتصادياً) كجزء من إدارة التحول وليس انحرافاً عن الاستقرار المالي. وتبقى قيمة هذا النهج مرتبطة بقدرته على تعزيز النمو المستقبلي وتحقيق مستويات أعلى من التنويع الاقتصادي.

التحولات الكبرى لا تدار بالدفاتر فقط، بل بإحساس دقيق بما يريده الاقتصاد على المدى البعيد. وأهم ما في الميزانية الجديدة أنها قد تعيد تعريف العجز. لم يعد رمزاً للضغط... بل أداة لصناعة اتساع اقتصادي تريد السعودية أن تصل إليه بثقة لا تهتز.


«تم نشر المقال في مجلة متمم»

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.