نبض أرقام
06:44 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/22
2026/02/21

لماذا لا يربح الجميع في سوق الأسهم؟

01:04 م (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

لم تعد أسواق الأسهم اليوم كما كانت في الماضي، حيث شهدت تحولات جذرية، ليس فقط في أحجامها الهائلة، بل في إيقاعها ذاته، حيث باتت التقلبات أكثر كثافة، والتعافي أسرع من أي وقت مضى.

 

رأينا مثلاً أسهمًا مثل "تسلا" وحتى "ميتا" تتراجع بشكل كارثي ثم تستعيد عافيتها بسرعة، أما السوق الأمريكي ككل فأصبح يشهد تقلبات متكررة لكن مع تصحيحات محدودة تستمر لفترات قصيرة.

 

 

هذا التغير ليس مجرد أرقام، بل هو انعكاس لتطور في نفسية وثقافة المتداولين، حيث لم يعد للخوف العميق الذي كان يطيل أمد الانهيارات ويحولها إلى كوابيس لا تنتهي بالنسبة للبعض مكانًا في أسواق اليوم.

 

 لكن مع هذا التطور في الأسواق والعقليات، هل يمكن أن يأتي يوم يربح فيه الجميع؟ أم أن طبيعة الأسواق تفرض دائمًا فائزًا وخاسرًا؟

 

كيف تغيرت الأسواق؟

 

- بالنظر إلى السوق الأمريكية كمثال، فإنها تُظهر تاريخيًا على المدى الطويل أنماطًا دورية متشابهة، لكن حجم ومدة ارتفاع التقلبات قد تغيرت.

 

- خلال انهيار أكتوبر عام 1929 المرتبط بالكساد العظيم، بلغ التقلب الفعلي على مدار أسبوعين مستوى قياسيًا قدره 127%، ثم سجل 130% خلال انهيار الإثنين الأسود عام 1987.

 

- بلغ هذا المؤشر 97% خلال ذروة الأزمة المالية العالمية، فيما قفز مؤشر "فيكس" (أُطلق عام 1993 ويقيس التقلبات المتوقعة ويتابعه المستثمرون عن كثب الآن) إلى 80 نقطة من 36 نقطة، ثم بلغ 83 نقطة خلال انهيار جائحة كورونا.

 

- تشير هذه الأرقام إلى أن الارتفاعات الحادة في التقلبات لا تزال تحدث، لكن الانهيارات الحديثة (2008 و2020) كانت أقصر وأقل حدة نسبيًا، كما تقلصت فترات التعافي في العقود الأخيرة.

 

 

- في فترة الكساد العظيم، انخفض مؤشر "داو جونز" على مدار سنوات وفقد نحو 90% من قيمته، ولم يستعد ذروته التي بلغها عام 1929 إلا في نوفمبر 1954، أي بعد 25 عامًا.

 

- أما بعد الأزمة المالية، لم يستغرق مؤشر "إس آند بي 500" سوى أربع سنوات تقريبًا لاستعادة مستوياته التي سجلها في أكتوبر 2007، فيما كان انهيار الجائحة والتعافي اللاحق أسرع بكثير، حيث انخفض المؤشر 34% بين فبراير وأواخر مارس 2020، لكنه وصل إلى مستوى قياسي جديد بحلول أغسطس من نفس العام.

 

- هذه التقلبات السريعة تضرب بعض الأسهم منفردة أحيانًا، فمثلًا انخفض "ميتا" من قرابة 340 دولارًا إلى ما دون 90 دولارًا (-74%) خلال أول 10 أشهر من عام 2022، لكنه عوض جميع خسائره في العام التالي وأغلق فوق 350 دولارًا.

 

- في الماضي، كان انهيار مماثل يعني "حكمًا بالسجن المؤبد" للمستثمر داخل السهم (الاستسلام لحقيقة أنه لن يعوض خسائره قبل سنوات طويلة أو حتى عقود) أو الخروج منه مع قبول الخسارة، وربما حتى تركه للورثة يفصلوا في شأنه.

 

ما وراء هذا التغير؟

 

- يبدو أن الأسواق الحديثة، المدعومة بالتجارة العالمية والظروف السياسية، أصبحت قادرة على استيعاب الصدمات بشكل أسرع من انهيارات الماضي المطولة، كما يبدو أيضًا أن عقلية المستثمرين تطورت كثيرًا عما كانت عليه في القرن العشرين.

 

- في عام 1971، أصبحت "ناسداك" أول بورصة إلكترونية في العالم، حيث ربطت المتعاملين على مستوى الولايات المتحدة عبر الحاسوب، مما ألغى الحاجة إلى متخصصي قاعة التداول.

 

- اليوم، تُعد جميع البورصات الرئيسية تقريبًا أنظمة إلكترونية أو "هجينة"، حيث توجه الطلبات تلقائيًا مع وصول عالمي على مدار الساعة، وتُنفذ الخوارزميات معظم الصفقات.

 

 

- ضاعفت التكنولوجيا والعولمة السرعة والحجم وتدفق المعلومات، فيما تتفاعل أسعار الأسهم مع الأخبار فورًا في جميع أنحاء العالم؛ وأصبح التداول أرخص وأكثر شفافية من أي وقت مضى؛ وتتدفق رؤوس الأموال بسلاسة عبر الحدود.

 

- كما أن أسواق الأسهم اليوم تشهد "أعلى مستوى من التكامل" في التاريخ، وعمليًا، يعني هذا أن الانهيار أو الازدهار يمكن أن ينتشر عالميًا بسرعة كبيرة (كما حدث خلال الأزمة المالية وهلع الجائحة) بينما كانت الأسواق قبل قرن من الزمان محلية النطاق.

 

- في مثال على تطور أدوات إدارة السوت، فعّلت الجهات التنظيمية الأمريكية آليات وقف التداول خلال انهيار مارس 2020، وهو إجراء لم يكن موجودًا في عام 1929، والنتيجة هي أن الخوف غالبًا ما يبلغ ذروته ثم ينحسر بسرعة.

 

هل تغير المستثمرون أنفسهم؟

 

- أدى تسارع وتيرة الانهيارات الحديثة وتدفق المعلومات إلى تغيير سيكولوجية السوق، فسرعة انتشار الأخبار والتداول عالي التردد وآليات وقف التداول تُسهم في تقليص فترات الذعر.

 

- يعود المستثمرون اليوم عمومًا إلى شراء الأسهم التي خسروها بشكل أسرع من السابق، مما يعكس عقلية صقلتها المعرفة التي يمكن للجميع الوصول إليها بفضل الإنترنت والتكنولوجيا، وذاكرة جماعية  تتوق للانتعاش السريع.

 

- ساهمت سرعة نقل الأخبار والتكامل العالمي والاستجابات السياسية واسعة النطاق في الحد من المخاوف، ونتيجة لذلك، انعكست عمليات التصحيح التي تخللها شعور بالهلع في السنوات الأخيرة (2018، 2020، 2022) في غضون أسابيع أو أشهر، لا سنوات.

 

- تقول "إنفيسكو": "غالبًا ما تحدث أفضل الأيام بالقرب من أسوأ الأيام، فقد شهدنا 24 يومًا من أقوى 30 يومًا لمؤشر ’إس آند بي 500‘ في آخر 30 عامًا خلال انفجار فقاعة الإنترنت والأزمة المالية العالمية وانهيار الجائحة". يعكس ذلك وعيًا متزايدًا بأهمية الفرصة التي تأتي بعد الانهيار.

 

 

لماذا لا يربح الجميع إذن؟

 

- تخيل أن كل مستثمر يفهم "سر التوقيت في سوق الأسهم" حيث يشتري دائمًا عند أدنى سعر ويبيع عند أعلى سعر؛ في الواقع، إذا حاول الجميع "استغلال فرصة انخفاض السوق"، فلا بد لأحد أن يبيع عند ذلك الانخفاض.

 

- إذا فكر الجميع بنفس الطريقة، فلن يكون هناك متداول مستعد للبيع عند أدنى سعر (ولا مشترٍ عند أعلى سعر)، وفي هذا السيناريو الخيالي، ستتكيف الأسعار بسرعة لاستيعاب التحركات المستقبلية المعروفة، وهو ما يبدو متسقًا مع نظرية كفاءة السوق، مما لا يترك مجالًا للربح السهل.

 

- عمليًا، سيؤدي التداول المتزامن تمامًا إلى تراجع التقلبات، فبدون بائعين يفتقرون للمعلومات المؤثرة، ستصبح الأسعار أقل تقلبًا نظرًا لتطابق المعلومات المتاحة لدى المشترين والبائعين، ومع ذلك، ستظهر مفارقات جديدة.

 

- إذا توقع الجميع "القاع"، سيرفع ضغط الشراء الأسعار قبل ارتفاع القيم الأساسية الفعلية، مما يخلق فقاعات، أما إذا عُرفت الذروة الوشيكة، سيبيع الجميع مسبقًا، وبالتالي لن تتشكل ذروة، لكن الأهم إذا كان لدى الجميع نفس الدرجة من الفهم العميق للسوق، من سيبيع ومن سيشتري؟

 

هل يحدث ذلك مستقبلًا؟

 

- إن فهم الجميع لأمور مثل التوقيت الصحيح ستؤدي إلى القضاء على تقلبات السوق الطبيعية، والأخطر أن الأسعار ربما لن ترتفع إلا بدخول مستثمرين جدد مما يتسبب في نقص السيولة أو تشوهات سعرية حادة.

 

- بالتالي ستتحول الأسواق إلى ما يشبه حالة استقرار دائم أو حالة من عدم اليقين المستمر؛ ولن تحدث حالات الذعر والنشوة الدورية المعتادة لأن فرضية سوء التسعير ستزول تمامًا، وستتلاشى الميزة الاستثنائية للأسهم التي تضمن (للبعض) بناء الثروات سريعًا.

 

- إن سوقًا بلا انهيارات يعني سوقًا بلا فرص قوية، إذ يشير تحليل لشركة إدارة الأصول "هارتفورد" إلى أن 78% من أفضل أيام مؤشر "إس آند بي 500" كانت خلال فترات انخفاض السوق، بمعنى أن تجنب أوقات الانهيار يترتب عليه تفويت أفضل فترات الصعود.

 

 

- لو تجاهل المستثمرون أفضل 10 أيام تداول في السوق الأمريكية خلال الثلاثين عامًا الماضية، لانخفضت عوائدهم الإجمالية بمقدار النصف، ولو تجاهلوا أفضل 30 يومًا لانخفضت عوائدهم 83%.

 

- سوق الأسهم ذات محصلة إيجابية على المدى الطويل، حيث تُحقق الشركات قيمة حقيقية (أرباح، توزيعات أرباح، نمو اقتصادي) مما يُؤدي إلى نمو السوق ككل، لكن التفوق على السوق مسألة نسبية؛ فمكاسب بعض المستثمرين تعني أداءً أقل لآخرين مقارنةً بالمؤشر.

 

- الأسواق تحتاج إلى آراء ومعلومات وصفقات متباينة لكي تعمل (بيع أحد المتداولين هو شراء لآخر)، وعمليًا، لا يمكن لعالم يربح فيه الجميع أن يستمر دون وقوع خلل دائم في التسعير أو فقاعات مزمنة.

 

- على الرغم من أن طرح سؤال "ماذا لو؟" مفيد فكريًا، يشير الواقع إلى أن الأسواق تعمل من خلال الخسائر كما تعمل من خلال المكاسب، فتكبد البعض للخسائر يتيح مكاسب للآخرين، وهذا المد والجزر (وليس الفوز الدائم) هو الذي يدعم النمو طويل الأجل لأسواق رأس المال.

 

المصادر: أرقام- رويترز- آي جي- ماكروبشن- إنفستوبيديا- إنفيسكو- ماكروتريندس- ماركت ووتش- هارتفورد فاندز- ورقة بحثية بعنوان "The Stock Market as a Game: An Agent Based Approach to Trading in Stocks

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.