أكبر من أن تفشل .. سبيس إكس بين نفوذ الحكومات وتضخيم التقييمات
في أوائل القرن الثامن عشر، وعدت شركة وثيقة الصلة بالحكومة البريطانية – الإمبراطورية العظمى في ذلك الوقت - بتخفيف الديون وتحقيق ثروات تجارية، بدت مقنعة للغاية، والفرصة بدت لا تتكرر، فسارع الجميع إليها، لكن النهاية كانت مفجعة.

تأسست شركة بحر الجنوب عام 1711 كشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص لإدارة الدين الوطني وحقوق احتكار التجارة، وبالفعل، أقنعت البرلمان بطرح أكثر من 30 مليون جنيه إسترليني من الديون البريطانية، دُفعت قيمتها من خلال اكتتابات أغرت المستثمرين بعوائد مضمونة تتراوح بين 5 و6%.
وعدت الشركة المستثمرين بالثراء من التجارة في جزر الهند الغربية، لكن بعد سنوات، كان الواقع صادمًا، حيث حققت عائدات ضئيلة للغاية من التجارة بسبب فرض الإسبان قيودًا صارمة على الواردات البريطانية.
في الوقت نفسه، قدمت الشركة رشى لمسؤولين في الحكومة لاستصدار قوانين مواتية، ورفعوا سعر السهم من خلال إصدار أسهم مضمونة بتسهيلات ائتمانية، ومع بداية عام 1720 قفز السهم من نطاق 100 إسترليني إلى ألف إسترليني بحلول أغسطس.
عندما طالب بعض المستثمرين باسترداد أموالهم، عمّ الذعر، وانخفض سعر السهم بنسبة 80% بحلول ديسمبر من نفس العام، مُبددًا ثروات طائلة، طفت الفضيحة على السطح، حيث اكتشف البرلمان أمر الرشاوى وعمليات بيع من الداخل.
وتسبب انفجار الفقاعة في انهيارات مصرفية وصدمة اقتصادية وحتى حالات انتحار، في أكبر درس على "كيف يمكن للوعود الحكومية والامتياز السياسي أن يدعما قيمة الشركة بما يتجاوز إنتاجها الحقيقي بكثير".
واليوم، تقف شركة "سبيس إكس" عند مفترق طرق بين الابتكار، والاعتماد على الحكومة، وتوقعات السوق المتزايدة، فبعد أن كانت شركة ناشئة طموحة، باتت اليوم تسيطر على بنية تحتية فضائية واسعة النطاق، كانت تقليديًا حكرًا على الدول ذات السيادة.
لكن التشابكات السياسية للشركة، والمخاطر، وأوجه التشابه مع أحداث تاريخية جوهرية تسلط الضوء على قيمتها الاستثنائية، فهل فعلًا "سبيس إكس" منصة رائدة سبقت عصرها، أم فقاعة مضاربة تضخمت بفعل الضجة الإعلامية والنفوذ في إدارة "ترامب"؟

انصهار مع الحكومة
- تشمل أعمال شركة "سبيس إكس" خدمات الإطلاق، والإنترنت عبر الأقمار الصناعية، والعقود العسكرية، ومشاريع مستقبلية طموحة (مركبات الهبوط على سطح القمر، والصواريخ المريخية، ومراكز البيانات المدارية).
- جعلت صواريخ "فالكون 9" القابلة لإعادة الاستخدام من الشركة المزود المهيمن لخدمات الإطلاق في العالم؛ فهي الآن المزود الرئيسي لعمليات الإطلاق للجيش الأمريكي والعديد من عمليات الإطلاق التجارية.
- في عام 2025، سجلت "سبيس إكس" إيرادات بلغت أكثر من 18 مليار دولار، لكن خسائرها ناهزت 5 مليارات، وجاءت الإيرادات من أعمال الاتصالات "ستارلينك" (11.4 مليار دولار) وإطلاق الصواريخ (4.1 مليار دولار) والذكاء الاصطناعي "إكس إيه آي" (3.2 مليار دولار).
- بغض النظر عن هذه الأرقام، ترتبط عمليات "سبيس إكس" ارتباطًا وثيقًا بوكالة "ناسا" والجيش الأمريكي ووكالات حكومية أخرى، حيث تتولى مهام بعثات الشحن والطاقم إلى محطة الفضاء الدولية، ومشروع نظام الهبوط البشري على سطح القمر وبعثات إعادة التموين.
- كما تعتمد وكالات الدفاع والاستخبارات عليها، حيث أطلقت عشرات الحمولات السرية، وفازت مؤخرًا بعقود مع القوات الفضائية الأمريكية وهيئات حكومية أخرى بقيمة مليارات الدولارات.
أكبر من أن تفشل
- أصبحت "سبيس إكس" اليوم جزءًا لا يتجزأ من القدرات الفضائية الأمريكية، وفي حال تعثرت، قد لا يكون هناك بديل فوري ذو قدرة مماثلة أو كفاءة تكلفة مماثلة للحكومة.
- يُثير هذا الأمر شبح ديناميكية "الأهمية الاستراتيجية البالغة التي لا يُمكن السماح بفشلها"، كما يحدث في القطاع المالي، حيث تتلقى البنوك المصنفة ذات أهمية نظامية دعمًا حكوميًا لتجنب الانهيار.

- لكن الخصوصية التي تحظى بها "سبيس إكس" سلاح ذو حدين: فقد تستحق تقييمًا أعلى لما توفره من خيارات لأمريكا، أو قد تخفي المخاطر إذا تعامل معها المستثمرون كأصل مضمون النمو.
- يثير اعتماد "سبيس إكس" على واشنطن تساؤلاً؛ هل لا تزال شركة خاصة أم مؤسسة شبه حكومية؟ فمن خلال بناء شبكة أقمار صناعية عالمية وريادتها في تطوير صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام، توفر الشركة الآن بنية تحتية حيوية كانت في السابق حكرًا على الحكومة.
تضارب مصالح !
- أيضًا أثارت العلاقات السياسية تدقيقًا واسعًا، فقد امتلك العديد من مسؤولي إدارة "ترامب" حصصًا في "سبيس إكس"، مثل "بول ماكينيرني" كبير مسؤولي المعلومات في وزارة الداخلية، وهو موظف سابق لدى الشركة، ولديه أسهم تتراوح قيمتها بين 5 ملايين و25 مليون دولار.
- كما أفاد "ستيف ويتكوف"، المبعوث الرئاسي الخاص، بامتلاكه أسهمًا بقيمة تتراوح بين مليون و5 ملايين دولار، وامتلكت مديرة إدارة الشركات الصغيرة "كيلي لوفلر" أسهمًا في "إكس إيه آي" بقيمة تتراوح بين مليون و5 ملايين دولار.
- أما رئيس الفيدرالي الجديد "كيفن وارش"، فقد كشف عن امتلاكه أسهمًا في صناديق استثمارية مرتبطة بـ "سبيس إكس" لفترة وجيزة، قبل أن يعلن تخليه عنها عند ترشيحه للمنصب.
- لطالما أثر كبار رجال الصناعة على السياسات الأمريكية مثل أباطرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، ومقاولي الدفاع في القرن العشرين، لكن النطاق هذه المرة غير مألوف، نظرًا لحجم أعمال الشركة وشبكة المستفيدين منها داخل الحكومة، علاوة على علاقة البيت الأبيض بـ "إيلون ماسك".
- إذا مارس هؤلاء المسؤولون ضغوطًا من أجل سياسات مواتية لشركة "سبيس إكس"، فقد يُنظر إلى هذا الأمر على أنه تلاعب، لكن دون أدلة ملموسة، يبقى ذلك مجرد تكهنات.

إعادة إنتاج بحر الجنوب؟
- تتشابه قصة فقاعة بحر الجنوب البريطانية بشكل لافت مع مزيج السياسة والضجة الإعلامية لشركة "سبيس إكس"، حيث حظيت كلتاهما بدعم حكومي صريح، واستحوذتا على اهتمام الرأي العام بروايات مُلهمة.
- تمتعت بحر الجنوب باحتكار مفروض من الدولة، وجنت أرباحًا بدعم من الحكومة (عبر مقايضات الديون)، وبالمثل، استفادت "سبيس إكس" من عقود ودعم حكومي، وروّجت كلتاهما لرؤى غير مؤكدة، إذ وعدت بحر الجنوب بالثروات، فيما يروج "ماسك" لحضارة متعددة الكواكب.
- غذّت الاكتتابات المضاربة والمعاملات الداخلية فقاعة بحر الجنوب، فيما يستند تقييم "سبيس إكس" البالغ 1.75 تريليون دولار إلى الطلب المتوقع على الاكتتاب (تشير تقارير إلى أنه تجاوز حجم التغطية المطلوب بالفعل قبل أسبوع من بدء التداول).
- بالنظر إلى قيمة "سبيس إكس" فإنها تبدو مرتفعة للغاية مقارنة بشركات مثل "ميتا" (1.5 تريليون) و"أمازون" (2.6 تريليون)، اللتين تحققان إيرادات سنوية تتجاوز 200 مليار و700 مليار دولار على الترتيب، لذا يقول محللو "مورنينج ستار" إن القيمة العادلة للشركة هي 780 مليار دولار فقط.
- في المقابل يرى "جولدمان ساكس" أن التقييم الحالي مبرر نظرًا لإمكانية ارتفاع إيرادات الشركة إلى 474 مليار دولار بحلول 2030 (أكثر من 25 ضعفًا)، فيما يتوقع "مورجان ستانلي" ارتفاع إيرادات "سبيس إكس" إلى 3.4 تريليون دولار بحلول عام 2040 (181 ضعفًا).
صانع القصة
- يبدو أن "ماسك" (كعادته) نجح في تقديم قصة مثالية للسوق المتعطشة للفرص، عبر الترويج على مدار سنوات لاستعمار المريخ، ومؤخرًا بناء مراكز البيانات في الفضاء وتطوير الذكاء الاصطناعي الفائق.
- من اللافت؛ تحول موقف الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورجان"، "جيمي ديمون"، تجاه "ماسك"، حيث مدحه ووصفه بأنه "إديسون هذا العصر"، خلال فعالية ترويجية لطرح "سبيس إكس"، وذلك خلافًا للانتقادات التي تبادلوها على مدار سنوات.

- لكن أهمية هذا التحول قبل الاكتتاب المرتقب لا تقارن بأهمية تحول رئيس أمريكا نفسها، الذي أعرب العام الماضي عن خيبة أمله من "ماسك" وسط حرب كلامية بينهما، قبل أن يعود الأسبوع الماضي ليؤكد أن رئيس "سبيس إكس" عبقري وبمثابة صديق له.
- التحول لم يقتصر على المواقف الشخصية فقط، فمن المثير أن بنك "جيه بي مورجان" رفع توصيته ومستهدفه لسهم شركة "تسلا" (وسط تقارير تشير إلى احتمال دمجها مع "سبيس إكس") لأول مرة منذ 3 سنوات، عقب تغيير المحلل المسؤول عن السهم والذي عُرف بتشاؤمه تجاه أعمالها.
- وفقًا لتقارير، فإن 23 بنكًا بينها "جولدمان ساكس" و"جيه بي مورجان" و"مورجان ستانلي" تقود عملية إدراج أسهم "سبيس إكس" في البورصة. هذا العدد رغم ضخامته يبدو منطقيًا بالنظر إلى رغبة "ماسك" في إجراء "اكتتاب تاريخي".
هل هذا يعني أنها فقاعة؟
- العلاقات الحكومية واستثمارات المسؤولين وتحول مواقف الساسة والمحللين، كلها تثير تساؤلات مشروعة بشأن "سبيس إكس"، لكن ثمة اختلافات جوهرية بين الشركة الأمريكية وفقاعة بحر الجنوب، فقد كانت أعمال التجارة لدى الشركة البريطانية تقوم على أساس احتيالي وليس حقيقياً.
- في المقابل قدمت "سبيس إكس" منتجات ملموسة، مثل صواريخ تطلق الأقمار الصناعية وشبكة إنترنت فضائية فعّالة. وأدى انهيار بحر الجنوب إلى تدمير ثروات طائلة في غضون أشهر، فيما قد يرتفع سهم "سبيس إكس" أو ينخفض، لكن عمليات الشركة الأساسية لا تزال تخدم عملاء حقيقيين.
- مع ذلك، فإن التشابه بين القصتين يحذرنا من أن الدعم السياسي والهندسة المالية يمكن أن يفصلا السعر عن الجوهر، لكن لا ينبغي افتراض تكرار تجربة وقعت قبل 300 عام، خاصة مع وجود تشابهات تاريخية أخرى.
- في أواخر التسعينيات، كانت شركة "سيسكو سيستمز" محط أنظار السوق، حيث تجاوزت نسبة السعر إلى المبيعات 31 ضعفًا (مقارنة بـ 94 لـ "سبيس إكس" الآن)، ومع ذلك فقد بنت شبكات حقيقية وحققت أرباحًا.

- أيضًا عندما طرحت "أمازون" أسهمها للاكتتاب العام كانت خاسرة، ووصفها المشككون بالفقاعة قبل أن تصبح أكبر شركة تجزئة في العالم، وعلى المدى الطويل، حققت بنيتها التحتية (الخدمات اللوجستية والسحابية) قيمةً هائلة.
- يرى المتفائلون أن "سبيس إكس" يمكنها ترجمة الإنفاق المرتفع إلى ميزة تنافسية قوية لاحقًا كما فعلت "سيسكو" في مجال الشبكات، وأن البنية التحتية الحيوية ستجعل قصتها شبيهة بـ "أمازون"، ما يعني أن تقييمها الحالي منطقي.
- ربما لا تكمن خطورة "سبيس إكس" في احتمال فشلها، بل في احتمال نجاحها؛ فإذا أصبحت شركة خاصة تمتلك بنية تحتية لا تستطيع الحكومات الاستغناء عنها، فهل سيكون السوق هو من يحدد قيمتها أم أن قيمتها ستُصنع من حقيقة أن العالم لم يعد يملك رفاهية الاستغناء عنها؟
المصادر: أرقام- بلومبرج- وول ستريت- مورنينج ستار- جيزمودو- هستوريك يو كيه- بريتانيكا- فورتشن- فوربس- رويترز- تحليل لشركة "آي سي آي إس"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: